اقتصاد سلاسل الإمداد: كيف تؤثر الحروب في التجارة والأسعار؟
في السلم تبحث الشركات عن المخزون الأقل والتكلفة الأدنى. أما أثناء الحرب، فتصبح الشركات مضطرة إلى بناء مخزونات استراتيجية، وتنويع الموردين، واستخدام موانئ ومسارات بديلة، ورفع الإنفاق على التأمين والنقل.
تخيل أنك طلبت ملابس من "شي إن" وانتظرت وصولها إلى منزلك. في الظروف الطبيعية، تبدأ القطعة رحلتها من مصنع في الصين، ثم تنتقل عبر شبكة من مراكز التجميع والشحن، قبل أن تصل إلى المنطقة وتُسلَّم إلى شركة التوصيل. تأخذ هذه العملية نحو شهر في الأيام العادية.
لكن مع إغلاق مضيق، لم تعد الرحلة تسير كالمعتاد، فالشحنات المتجهة إلى لبنان مثلاً واجهت تأخيرات واضطرابات في مسارات النقل، ما جعل بعض طلبات "شي إن" تصل بعد ثلاثة أسابيع من وقتها المعتاد.
وهنا تظهر أهمية سلاسل الإمداد: قرار أو أزمة في ممر مائي واحد يمكن أن تبدأ آثارها من السفن، وتصل إلى شركات الشحن، ثم إلى المتاجر الإلكترونية، وفي النهاية إلى طلبية تنتظرها أمام باب منزلك.
فالاقتصاد العالمي يعتمد على سلاسل الإمداد كشريان حيوي تمر عبره احتياجات الدول من الطاقة والغذاء والأدوية، إلى السيارات والإلكترونيات والمواد الأولية، حيث ترتبط الأسواق بشبكة معقدة من المصانع والموانئ وشركات النقل والمصارف والتأمين، تربط إنتاج السلع واستهلاكها عبر العالم. ويختلف أثرها بين حالات السلم والحرب.
ففي زمن السلم تعمل هذه الشبكة على قاعدة أساسية:
- تكاليف النقل: مستقرة ومنخفضة نسبياً.
- سرعة التوصيل: عالية ومنظمة.
- أسعار السلع: مستقرة وتخضع للمنافسة.
أما في زمن الحرب، فتتغير الأولويات: الأمان، الاستمرارية، وتوفير البدائل، وتتحول سلاسل الإمداد إلى حالة طوارئ:
- تكاليف النقل: مرتفعة جداً بسبب المخاطر وارتفاع أسعار التأمين.
- سرعة التوصيل: بطيئة وأحياناً منعدمة، وتتذبذب بحسب وضع الممرات.
- أسعار السلع: مرتفعة جداً، وتتأثر بالنقل والتوصيل وأسعار الطاقة.
يحتل النقل البحري موقعاً مركزياً في المنظومة العالمية، إذ ينقل أكثر من 80% من تجارة السلع العالمية من حيث الحجم. وفي عام 2024 بلغ حجم البضائع المحمّلة للنقل البحري الدولي نحو 12.1 مليار طن.

غيرت الحرب هذه المعادلة، فمن المعروف عبر التاريخ بأنّ إغلاق ممر بحري أو استهداف سفن أو ارتفاع مخاطر التأمين يمكن أن يحوّل الطريق التجاري الأقصر إلى طريق أطول وأكثر كلفة. وهذا ما ظهر بوضوح مع اضطرابات البحر الأحمر، حيث اضطرت سفن كثيرة إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح. وبحلول مايو/أيار 2025 كان حجم الحمولة المارة عبر قناة السويس أقل بنحو 70% مقارنة بمستويات 2023، فيما ارتفعت المسافات التي تقطعها السفن عالمياً، وسجلت "طن-ميل"* نمواً قياسياً بلغ 6% في 2024.
وفي 2026 انتقلت المخاطر إلى مستوى أكثر حساسية مع اضطرابات مضيق هرمز. فالممر يستوعب نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً، إضافة إلى كميات مهمة من الغاز الطبيعي والأسمدة. وأشارت الأونكتاد إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين ومخاطر الطاقة، واليوم بلغ برميل خام برنت نحو 105 دولارات. كما يمر عبر المضيق نحو 16 مليون طن من الأسمدة، أي قرابة ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحراً عالمياً.
وتتحمل البلدان المستوردة للطاقة في آسيا وأوروبا عبئاً كبيراً لارتفاع تكلفة الوقود ومشتقاته، إذ إن نحو 80% من النفط المنقول عبر مضيق هرمز يتجه إلى الأسواق الآسيوية، فيما تستحوذ الصين والهند وحدهما على نحو 44% من صادرات الخام العابرة للمضيق، بينما تستقبل اليابان وكوريا الجنوبية حصة مهمة إضافية. وحصة أوروبا نحو 4% من تدفقات الخام، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية لعام 2025.
وهنا تظهر أهمية الفرق بين "سلسلة إمداد فعّالة" و"سلسلة إمداد مرنة".
في السلم تبحث الشركات عن المخزون الأقل والتكلفة الأدنى. أما أثناء الحرب، فتصبح الشركات مضطرة إلى بناء مخزونات استراتيجية، وتنويع الموردين، واستخدام موانئ ومسارات بديلة، ورفع الإنفاق على التأمين والنقل.
ورغم هذه الصدمات، ارتفع حجم تجارة السلع العالمية نحو 4.6% في 2025 وفق منظمة التجارة العالمية، بينما بلغت قيمة تجارة السلع والخدمات عالمياً نحو 35 تريليون دولار. لكن المنظمة توقعت تباطؤ نمو تجارة السلع إلى نحو 2% في 2026، مع احتمال انخفاضه إلى 1.4% إذا بقيت أسعار النفط والغاز مرتفعة.
خلاصة القول
الحروب لا توقف سلاسل الإمداد، لكنها تعيد رسم خريطتها. فالموانئ تتغير، والمسارات تطول، والأسعار ترتفع، والمخزون يصبح أكثر أهمية، والدول والشركات تبحث عن الإنتاج المحلي والإقليمي ومصادر توريد متعددة.
وفي اقتصاد عالمي يعيش أزمات متداخلة، من حرب أوكرانيا إلى اضطرابات البحر الأحمر والشرق الأوسط، أصبح ضمان وصول الطاقة والسلع مسألة أمن دولي.
نبض