اقتصاد الإعلام العربي... الجمهور للصحيفة والأرباح للمنصات الرقمية؟

اقتصاد وأعمال 16-09-2026 | 11:38

اقتصاد الإعلام العربي... الجمهور للصحيفة والأرباح للمنصات الرقمية؟

يزداد استهلاك الأخبار وينمو الإنفاق الإعلاني الرقمي في المنطقة، لكن المؤسسات التي تنتج المحتوى لا تحصل بالضرورة على الحصة الأكبر من عوائده، بعدما باتت منصات التكنولوجيا تتحكم في الوصول إلى الجمهور وبياناته.

اقتصاد الإعلام العربي... الجمهور للصحيفة والأرباح للمنصات الرقمية؟
يتابعان وسائل التواصل الاجتماعي في سيدني (أ ب)
Smaller Bigger

لا يعاني الإعلام العربي نقصاً في الجمهور بقدر ما يعاني صعوبة تحويل هذا الجمهور إلى إيرادات مستقرة. ملايين الأشخاص يقرأون الأخبار ويشاهدون المقاطع ويتابعون البث المباشر، لكن قسماً متزايداً منهم يفعل ذلك عبر "غوغل" و"فيسبوك" و"إنستغرام" و"يوتيوب" و"تيك توك"، لا عبر المواقع والتطبيقات التي دفعت تكلفة إنتاج المحتوى.

 

هنا تكمن المفارقة: المؤسسة الإعلامية توظف المراسل والمحرر والمصور، وتدفع تكاليف التغطية والتحقق والمكاتب، بينما تملك المنصة الرقمية مفاتيح الوصول إلى الجمهور، وبياناته، والإعلانات التي تظهر له.

 

سوق تنمو بعيداً من غرف الأخبار

 

بلغ الإنفاق على الإعلانات الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 8.185 مليارات دولار في عام 2025، بزيادة سنوية قدرها 17.8 في المئة، وفق "مكتب الإعلان التفاعلي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". وكانت المنطقة، وفق التقرير، الأسرع نمواً عالمياً في هذا النوع من الإنفاق خلال السنة.

 

وارتفع الإعلان عبر شبكات التواصل 19.3 في المئة، والفيديو الاجتماعي 23.6 في المئة، والتلفزيون المتصل بالإنترنت 31 في المئة. لكن اتساع الكعكة لا يعني أن الصحافة تحصل على حصة أكبر منها، فأسرع القنوات نمواً هي تلك التي تسيطر عليها شركات التكنولوجيا والمنصات الاجتماعية.

 

وتعتمد المواقع الإخبارية على ما تمنحه لها الخوارزميات من ظهور وزيارات. وقد يؤدي تعديل تقني لا علاقة له بجودة الصحافة إلى انخفاض جمهور مؤسسة خلال أسابيع. تشير دراسة إقليمية إلى أن نحو 68 في المئة من المستهلكين الذين شملتهم يستخدمون شبكات التواصل مصدراً رئيسياً للأخبار. وبذلك لا تصل المؤسسة إلى كثير من قرائها مباشرة، بل تستعيرهم مؤقتاً من منصة تستطيع تغيير شروط اللعبة متى شاءت.

 

سوق عربية بسرعتين

 

لا توجد عملياً سوق إعلامية عربية موحدة على صعيد الإيرادات. في بعض الأسواق، ترتفع القدرة الشرائية والإنفاق الإعلاني، وتضخ الحكومات والمجموعات الكبرى استثمارات واسعة في القنوات والمنصات والإنتاج. وفي أسواق عربية أخرى، قد يكون الجمهور أكبر، لكن العائد المتحقق من كل مستخدم أقل كثيراً. لا يشتري المعلن عدد القراء فقط، بل يشتري قدرتهم الشرائية وموقعهم الجغرافي وبياناتهم وإمكان قياس استجابتهم.

 

ويفسر ذلك اعتماد مؤسسات كثيرة على التمويل الحكومي أو دعم المالك، إلى جانب الإعلان والرعاية والمحتوى المدفوع. ويسمح هذا التمويل بإنتاج نشرات وتحقيقات وشبكات مراسلين قد تعجز السوق التجارية وحدها عن تمويلها، لكنه يجعل قياس الربحية والاستقلال الاقتصادي أكثر تعقيداً.

 

هل تنقذ الاشتراكات الصحافة؟

 

تبدو الاشتراكات حلاً منطقياً، لكنها تصطدم بثقافة تعتبر الأخبار خدمة مجانية، وبسهولة العثور على الخبر نفسه في عشرات المواقع. كذلك تواجه تفاوت الدخل بين البلدان العربية، وضعف وسائل الدفع الإلكتروني في بعضها، وانتشار نسخ المقالات عبر تطبيقات المحادثة.

 

ويصعب إقناع القارئ بالدفع لقاء خبر عام يستطيع الحصول عليه في مكان آخر، لكنه قد يدفع مقابل تحقيق حصري أو تحليل متخصص أو بيانات مالية أو نشرة تساعده في عمله. لذلك يبدو نموذج الاشتراك المرن أكثر ملاءمة: أخبار أساسية مجانية، ومحتوى أعمق يوضع خلف جدار مدفوع.

 

أما المؤسسات الأكبر، فتتجه إلى تنويع دخلها عبر المؤتمرات والبحوث والإنتاج المرئي والأستوديوهات التجارية والعلاقات العامة. وتشمل أرقامها أنشطة متعددة، ولا تمثل حسابات الصحف والمواقع وحدها، لكنها توضح أن حجم المؤسسة واتساع انتشارها لا يضمنان الربحية.

 

الذكاء الاصطناعي يغيّر الصفقة

 

تضيف محركات الذكاء الاصطناعي تحدياً جديداً. في النموذج السابق، كان محرك البحث يعرض رابط الخبر ويرسل القارئ إلى الموقع. أما اليوم، فيستطيع تقديم خلاصة المادة والإجابة عن السؤال من دون أن يزور المستخدم المصدر، ما يعني زيارات وإعلانات أقل.

 

وفي المقابل، يستطيع الذكاء الاصطناعي خفض تكلفة التفريغ والترجمة والتلخيص وتحليل البيانات وإعداد نسخ مختلفة من المادة. لكنه يجعل الخبر العام المتكرر أرخص، فيما يرفع قيمة ما لا تستطيع الآلة إنتاجه وحدها: السبق والمصدر المحلي والتحقيق والخبرة والثقة.

 

لهذا لن يكون مستقبل الإعلام العربي في مطاردة زيارات المنصات وحدها، بل في امتلاك علاقة مباشرة مع القارئ عبر التطبيقات والنشرات والاشتراكات والمجتمعات المتخصصة. لم تعد المعركة فقط على مَن ينتج الخبر، بل على مَن يملك الجمهور حين يصل إليه الخبر، ومَن يحتفظ بالعائد بعدما ينتهي القارئ من مشاهدته.