حين تصبح الجنازات أكثر من الولادات!

اقتصاد وأعمال 18-09-2026 | 06:12

حين تصبح الجنازات أكثر من الولادات!

قد لا يصبح العالم "بلا أطفال" حرفياً، لكنه يتجه بوضوح إلى عالم أقل أطفالاً وأكثر مسنين. وانخفاض الخصوبة لا يعني ولادات أقل اليوم فحسب، بل أجيالاً أصغر غداً، وعدداً أقل من الآباء والأمهات المحتملين، ما يجعل التراجع السكاني مساراً يصعب عكسه بسرعة.

حين تصبح الجنازات أكثر من الولادات!
إنخفاض الخصوبة لا يعني ولادات أقل اليوم فحسب، بل أجيالاً أصغر غداً، وعدداً أقل من الآباء والأمهات المحتملين، ما يجعل التراجع السكاني مساراً يصعب عكسه بسرعة(رويترز)
Smaller Bigger

في الصين، تضيق المسافة كثيراً بين غرف الولادة وسجلات الوفاة. ففي 2025، أعلن المكتب الوطني الصيني للإحصاء عن 7.92 ملايين ولادة مقابل 11.31 مليون وفاة، بعجز طبيعي بلغ 3.39 ملايين نسمة في سنة واحدة. وفي الوقت نفسه، وصلت نسبة من بلغوا الستين فأكثر إلى 23%. تلك صورة واضحة للحظة يصبح فيها تجدد الأجيال أبطأ من رحيلها.

 

لكن، لهذه الصورة حسابان مختلفان: التغير الطبيعي هو عدد المواليد الأحياء مطروحاً منه عدد الوفيات؛ وعندما تصبح النتيجة سالبة، يحدث التناقص الطبيعي. أما تغير عدد السكان الإجمالي فيضيف صافي الهجرة، أي الوافدين ناقص المغادرين. لذلك، يمكن بلد تسجل فيه وفيات أكثر من الولادات أن يواصل النمو، ويمكن بلد بفائض مواليد أن يخسر سكاناً بسبب الهجرة. والطبيعي هنا مصطلح سكاني، وليس تصنيفاً لأسباب الوفاة.

 

 

للمسألة حساباتها

لفهم لماذا لا يوقف انخفاض الإنجاب النمو فوراً، ينبغي الفصل بين عدد الأطفال لكل امرأة وحجم الأجيال الموجودة في سن الإنجاب. فإذا كانت هذه الأجيال كبيرة، فقد يولد أطفال كثيرون رغم انخفاض الإنجاب داخل الأسرة. وهذا هو "الزخم السكاني": أثر التركيبة العمرية الذي قد يُبقي السكان في مسار النمو أو الانخفاض حتى بعد تغير مستوى الخصوبة. أما حين تقل أعداد الأمهات المحتملات وتكبر أجيال المسنين، فيعمل الزخم في الاتجاه المعاكس، ويصبح وقف التناقص أصعب.

 

يشرح الديموغرافي جيل بيزون، في دراسة نشرها المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية في 2026، أن أجيال طفرة المواليد الكبيرة تدخل الأعمار المتقدمة. لذلك يمكن أن يرتفع عدد الوفيات بينما يتحسن متوسط العمر المتوقع؛ فعدد المسنين نفسه يزداد. وقد يتسع العجز الطبيعي حتى لو استقرت الولادات، فيما يظل تقلص السكان الإجمالي مرتبطاً بقدرة الهجرة على تعويضه.

 

من فائض صغير إلى فائض كبير

 

ولا يلزم أن تمر دولة بسنة تتساوى فيها الولادات والوفيات تماماً؛ فقد تنتقل مباشرة من فائض صغير إلى عجز صغير. وفي المملكة المتحدة، تتوقع أحدث الإسقاطات الرسمية المنشورة في 2026 تجاوز الوفيات للولادات في السنة المنتهية بمنتصف 2026. وهذه نتيجة متوقعة، وليست حصيلة نهائية مسجلة لعام 2026 كله.

 

 

قرب التعادل، تقف الدنمارك على جانب وفرنسا على الجانب الآخر. سجلت الدنمارك في 2025 نحو 59,443 ولادة و58,185 وفاة، بفائض طبيعي صغير قدره 1,258 نسمة، رغم خصوبة بلغت نحو 1.51 طفل لكل امرأة. إنها قريبة من التعادل، لكنها لم تسجل مساواة حسابية بين الولادات والوفيات. وساهم صافي هجرة موجب بلغ 31,691 نسمة في نمو سكانها. أما فرنسا فعبرت العتبة في 2025: نحو 645 ألف ولادة مقابل 651 ألف وفاة، بفارق سالب قدره ستة آلاف، لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في نطاق فرنسا المعتمد بهذه الإحصاءات. وإلى انخفاض الخصوبة إلى 1.56 طفل لكل امرأة، أضافت إنفلونزا مطلع العام ضغطاً على الوفيات. مع ذلك، زاد السكان بنسبة 0.25%، إذ عوّض صافي الهجرة المقدر مؤقتاً بنحو 176 ألف نسمة العجز الطبيعي وزاد عليه.

 

 

في الصين، يجتمع تقلص أجيال الأمهات المحتملات مع تأخر الزواج والإنجاب وتغير التفضيلات والظروف الاقتصادية. ويرى آلن فنغ، الباحث في مجموعة روديوم، في تحليل نشره في نيسان/أبريل 2026، أن تراجع الولادات لا يفسَّر بحجم النساء في سن الإنجاب وحده، وأن الحوافز قد تحدث ارتداداً مؤقتاً من دون قلب الاتجاه. وعلى الطرف الآخر من الهرم، تدفع شيخوخة الأجيال الكبيرة الوفيات إلى الارتفاع، بما يضغط على الاستهلاك وتمويل الضمان الاجتماعي.

 

وفي اليابان، تجاوزت الوفيات الولادات بنحو 918 ألفاً خلال 2025، في السلسلة الخاصة باليابانيين داخل البلاد، مع خصوبة بلغت 1.14 طفل لكل امرأة. واللافت أن الوفيات نفسها انخفضت عن العام السابق، لكن الولادات بقيت أقل منها بكثير. فالتناقص الطبيعي لا يعني بالضرورة ارتفاع خطر الوفاة؛ قد يعني أن قاعدة التجدد أصبحت أصغر من أن توازن الوفيات القائمة بعد تراكم الخصوبة المنخفضة وشيخوخة السكان.

 

وفي كوريا الجنوبية، ارتفعت الولادات 6.8% خلال 2025، وبلغت الخصوبة 0.80 طفل لكل امرأة، لكن ذلك لم يمنع عجزاً طبيعياً يقارب 109 آلاف نسمة. ويحدد تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية صدر في 2025 أسباباً تتجاوز الرغبة الشخصية: كلفة السكن والتعليم الخاص، وصعوبة الجمع بين العمل والأسرة، والأعباء المهنية غير المتكافئة التي تتحملها الأمهات. فتحسن الإنجاب خلال سنة لا يعيد سريعاً تشكيل الأعمار السكانية.

 

في كوريا الجنوبية، ارتفعت الولادات 6.8% خلال 2025، وبلغت الخصوبة 0.80 طفل لكل امرأة، لكن ذلك لم يمنع عجزاً طبيعياً يقارب 109 آلاف نسمة (أ ف ب)
في كوريا الجنوبية، ارتفعت الولادات 6.8% خلال 2025، وبلغت الخصوبة 0.80 طفل لكل امرأة، لكن ذلك لم يمنع عجزاً طبيعياً يقارب 109 آلاف نسمة (أ ف ب)

 

 

 

أوروبا عجوز جداً

في ألمانيا، يفسر المكتب الاتحادي للإحصاء تراجع الولادات باجتماع انخفاض الخصوبة ودخول أجيال أقل عدداً من النساء مرحلة الثلاثينيات، حيث يتركز جانب كبير من الإنجاب. وحتى استقرار عدد الأطفال لكل امرأة لا يمنع تراجع المواليد إذا تقلص عدد الأمهات المحتملات. وبلغ العجز الطبيعي في 2025 نحو 352,347 نسمة.

 

وفي إيطاليا، بلغت الخصوبة 1.14 طفل لكل امرأة في 2025، مع استمرار انكماش أعداد النساء في أعمار الإنجاب. وقدّر معهد الإحصاء العجز الطبيعي بنحو 296 ألف نسمة، لكن صافي الهجرة الموجب، البالغ نحو 296 ألفاً أيضاً، عوّضه تقريباً. والنتيجة أن عدد السكان لم ينخفض إلا بمقدار 636 شخصاً. هنا تساوى أثران متعاكسان تقريباً؛ لم تتساوَ الولادات والوفيات. وتفسر عملية تقريب الأرقام المنشورة اختلاف طرح رقمي الجدول عن الرصيد المحسوب من الأعداد التفصيلية.

 

 

أما إسبانيا، فسجلت عجزاً طبيعياً قدره 125,818 نسمة في 2025، رغم ارتفاع الولادات 1%. ويظهر تأخر الإنجاب في كون 10.4% من المواليد لأمهات في الأربعين فأكثر. كما تخفي الحصيلة الوطنية تفاوتاً داخلياً: بقي الرصيد موجباً في مدريد ومورسيا ومدينتي سبتة ومليلية، بينما كان سالباً في بقية الأقاليم؛ وهي مناطق تختلف في تركيبها العمري وقدرتها على تجدد السكان.

 

وفي بلجيكا، يربط جهاز الإحصاء تراجع الرصيد الطبيعي بالشيخوخة وانكماش الأجيال الأصغر وانخفاض الخصوبة. وبلغ العجز 4,890 نسمة في 2025، مقابل صافي هجرة موجب قدره 47,562. وفي هولندا، أسهم كبر السكان وشيخوختهم في ارتفاع عدد الوفيات؛ وبلغ العجز الطبيعي 6,906 أشخاص، عوّضه صافي هجرة قدره 93,536. استمر النمو الإجمالي في البلدين رغم زيادة الوفيات على الولادات.

 

وفي بلغاريا، تكشف الأرقام أن وجود الهجرة لا يضمن كفايتها. بلغت الخصوبة 1.63 طفل لكل امرأة في 2025، أعلى من مثيلتها الإيطالية، لكن الوفيات قاربت ضعف الولادات، في ظل تركيب عمري متقدم وتقلص أعداد النساء في سن الإنجاب. بلغ العجز الطبيعي 49,238 نسمة، ولم يعوضه صافي الهجرة الموجب البالغ 35,085؛ فانخفض مجموع السكان 14,153 نسمة.

 

وتؤكد مؤشرات جزئية استمرار الاتجاه في 2026. سجلت بولندا خلال النصف الأول نحو 115 ألف ولادة و210.5 آلاف وفاة، بعجز 95.5 ألفاً. وتشير الأبحاث المقدمة في مؤتمر الإحصاء البولندي سنة 2025 إلى تقلص أعداد النساء في الأعمار الإنجابية بالتوازي مع ارتفاع حصة المسنين. وفي المجر، سجلت الأشهر السبعة الأولى من 2026 نحو 40,528 ولادة و71,544 وفاة، بعجز 31,016، مع تقدير خصوبة للفترة يبلغ 1.28 طفل لكل امرأة. وهذه حصائل فترات محددة، لا أرقام سنة كاملة.

 

عالم بلا أطفال

قد لا يصبح العالم "بلا أطفال" حرفياً، لكنه يتجه بوضوح إلى عالم أقل أطفالاً وأكثر مسنين. وانخفاض الخصوبة لا يعني ولادات أقل اليوم فحسب، بل أجيالاً أصغر غداً، وعدداً أقل من الآباء والأمهات المحتملين، ما يجعل التراجع السكاني مساراً يصعب عكسه بسرعة.

 

قد تعوّض الهجرة جزءاً من النقص، وقد تنجح الحوافز في رفع الولادات مؤقتاً، لكن الاتجاه الديموغرافي أعمق من أن تغيّره سياسة واحدة. فما يشغلنا ليس عدد سكان العالم غداً، إنما يشغلنا  مستقبل قد يكون عالماً يشيخ أمام أعيننا... حتى يصبح نقص الأطفال الوجه الآخر لشيخوخة العالم.

 

 

في ملف "عالم بأطفال أقل ومسنين أكثر!"، تبحث "النهار" في التحوّلات السكانية والديموغرافية في العالم، وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، طارحةً سؤالاً مهماً: "هل نتجه نحو شيخوخة سكانية يصعب العودة منها؟".

 

1- عبد الرحمن أياس: الطفل الذي ابتلعه الإيجار... لماذا تتراجع الأسر عن إنجاب طفل إضافي؟

2- سارة أبو حمدان: الشيخوخة تتقدم في العالم العربي... فمن يتحمل كلفة الرعاية؟

3- كريمة دغراش: تونس: أسر أصغر ومسنون أكثر وشبكة أمان اجتماعي تعاني!

4- القاهرة، ياسر خليل: مصر: تغيرات بالتركية السكانية تضعف شبكات الحماية الاجتماعية

5- بغداد، محمد البغدادي: كبار السن يشكلون 3.6% من سكان العراق!

6- منال شعيا: هل سيصبح لبنان بلداً يموت فيه أهله أكثر ممن يولدون؟

7- إسلام محمد: انخفاض معدلات الخصوبة... هل تنجح حوافز الإنجاب في زيادة المواليد؟

8- كريم حمادي: انخفاض معدلات المواليد في أوروبا... هل تنقذ الهجرة القارة من الشيخوخة السكانية؟

9- مهى كنج: سياسة الطفل الواحد في الصين: كيف قادت إلى تراجع المواليد وشيخوخة السكان؟


 

 

الأكثر قراءة

كتاب النهار 9/17/2026 5:00:00 AM
تستمر المفاوضات المباشرة على مستويات عدة وعبر قنوات متعددة تعويضا لتوقف الجولات التفاوضية في روما لأسباب عدة، أهمها اقتراب الاستحقاقين الانتخابيين في إسرائيل والولايات المتحدة، وزحمة المواعيد الدولية من باريس إلى نيويورك
اقتصاد وأعمال 9/17/2026 10:30:00 AM
تستند وزارة المال إلى المادة 82 من قانون ضريبة الدخل المتعلقة بإيرادات رؤوس الأموال المنقولة الأجنبية.
نقلت "سي بي إس" عن أحد العسكريين الأميركيين قوله إنَّ "الرأي العام الأميركي ليس على علم بالأضرار الجسيمة التي لحقت بقواعدنا"
لبنان 9/17/2026 8:11:00 PM
أقرّ مجلس الوزراء إدراج ستة رواتب إضافية للقطاع العام في موازنة 2027، إلى جانب تعيينات إدارية ومشروع استثماري في الشمال، وأرجأ بند البعثة الأوروبية.