سعر برميل النفط يفوق 100 دولار... التداعيات على الاقتصاد العربي والعالمي

اقتصاد وأعمال 15-09-2026 | 10:49

سعر برميل النفط يفوق 100 دولار... التداعيات على الاقتصاد العربي والعالمي

تدفع أسعار النفط المرتفعة التضخم وتكلفة الاقتراض عالمياً، وتعيد توزيع الدخل بين المنتجين والمستوردين. لكن التداعيات العربية أكثر تعقيداً، إذ يربح بعض المصدرين، ويخسر آخرون بسبب تعطل الشحن، فيما تواجه الدول المستوردة ضغوطاً على الميزانيات والعملات ومستويات المعيشة.

سعر برميل النفط يفوق 100 دولار... التداعيات على الاقتصاد العربي والعالمي
مصفاة نفط في مدينة ووهان الصينية (أ ف ب)
Smaller Bigger

حين يتجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل، لا تبقى الصدمة محصورة في محطات الوقود. تنتقل سريعاً إلى تكلفة نقل السلع وتشغيل المصانع وإنتاج الغذاء، ثم تصل إلى أسعار المتاجر ومعدلات الفائدة وقرارات الحكومات. في منتصف أيلول/سبتمبر 2026، دار سعر خام "برنت" قرب 107 دولارات بعدما تجاوز 109 دولارات خلال التعاملات، وسط تعطل جزء من إمدادات الخليج العربي وتصاعد المخاطر حول مضيقي هرمز وباب المندب.

 

تتوقع وكالة الطاقة الدولية انخفاض إمدادات النفط العالمية بنحو 5.7 ملايين برميل يومياً على أساس سنوي في عام 2026، إلى متوسط قدره 100.7 مليون برميل يومياً، مع تأجيل التعافي الكامل لإمدادات الخليج إلى عام 2027. لذلك لا يعكس ارتفاع الأسعار طفرة في الطلب أو نشاطاً اقتصادياً قوياً، بل نقصاً في المعروض يضعف النمو ويرفع الأسعار في الوقت نفسه.

 

التضخم يعود من بوابة الطاقة

 

يعمل النفط الأغلى كضريبة غير معلنة تتحملها الدول المستوردة. تدفع الأسرة أثماناً أكبر للتنقل والكهرباء والغذاء، وتتحمل الشركة زيادة في تكلفة الإنتاج والشحن، وتواجه الحكومة فاتورة أكبر لدعم الوقود والخدمات العامة.

 

ويقدّر صندوق النقد الدولي أن كل ارتفاع مستدام بنسبة 10 في المئة في سعر النفط قد يضيف نحو 0.4 نقطة مئوية إلى معدل التضخم العالمي. وكان الصندوق قد توقع في تموز/يوليو ارتفاع معدل التضخم العالمي من 4.1 في المئة في عام 2025 إلى 4.7 في المئة هذا العام، مع تباطؤ وتيرة النمو العالمي إلى ثلاثة في المئة. أما البنك الدولي فتوقع نمواً لا يتجاوز 2.5 في المئة، على أساس متوسط لخام "برنت" يبلغ 94 دولاراً. من نافل القول إن بقاء أسعار البرميل فوق 100 دولار يهدد بإضعاف هذه التوقعات.

 

وتواجه المصارف المركزية مأزقاً واضحاً: لا يفتح رفع معدلات الفائدة مضيقاً ولا ينتج برميلاً إضافياً، لكنه قد يمنع تحول غلاء الطاقة إلى موجة أوسع من زيادات الأجور والأسعار. وفي المقابل، يؤدي التشديد النقدي إلى إضعاف الاستهلاك والاستثمار وزيادة تكلفة الديون. وقد تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية التي تستحق بعد 10 سنوات خمسة في المئة، ما يعني أن الصدمة أصبحت أزمة تمويل أيضاً.

 

أوروبا وآسيا في مقدمة المتضررين

 

تتضرر أوروبا من ارتفاع الطاقة عبر تراجع القدرة الشرائية وإضعاف الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والمعادن. وقد تضطر الحكومات إلى إعادة دعم فواتير الطاقة، فيما تصبح المصارف المركزية أقل قدرة على خفض معدلات الفائدة.

 

وفي آسيا، تواجه الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ازدياداً في فاتورة الاستيراد وضغوطاً على العملات والتجارة. وقد تتجه إلى زيادة مشترياتها من روسيا والولايات المتحدة والبرازيل وغرب أفريقيا، والسحب من المخزونات الاستراتيجية وتسريع الاستثمار في الطاقة النووية والمتجددة.

 

أما الولايات المتحدة، فتبدو أقل تعرضاً مما كانت عليه في أزمات السبعينيات بسبب إنتاجها النفطي الكبير، لكنها ليست محصنة؛ يضغط ارتفاع البنزين والديزل على المستهلك، بينما تؤدي معدلات الفائدة المرتفعة وعوائد السندات المتزايدة إلى إبطاء الاقتصاد.

 

هل يربح مصدرو النفط فعلاً؟

 

تنقل الأسعار المرتفعة دخلاً إضافياً إلى المنتجين القادرين على الحفاظ على صادراتهم، مثل النرويج والبرازيل وغيانا وبعض المنتجين في أميركا الشمالية وأفريقيا. وقد تستفيد روسيا أيضاً من ارتفاع قيمة صادراتها، وإن كانت العقوبات والحسوم وتكلفة الشحن تحد من مكاسبها.

 

لكن السعر ليس سوى نصف المعادلة. قد يرتفع البرميل وتتراجع إيرادات الدولة المنتجة إذا انخفضت الكميات المصدرة. كذلك قد تفقد البراميل المرتبطة بمسارات عالية المخاطر جزءاً من علاوتها السعرية، أو تُبَاع لقاء حسم بحسب نوع الخام والعقود وتكلفة النقل والتأمين.

 

ولهذا أصبحت الموانئ والناقلات والمصافي وخطوط الأنابيب جزءاً من قوة الدولة النفطية. من يملك احتياطياً ضخماً من دون منفذ آمن لا يتمتع بالنفوذ نفسه الذي يملكه منتج أصغر قادر على إيصال شحناته بانتظام.

 

الخليج بين زيادة السعر وتراجع التصدير

 

تستفيد دول الخليج نظرياً من ارتفاع الأسعار عبر الإيرادات العامة والحسابات الخارجية. لكن القيود المفروضة على التصدير قد تقتطع من المكاسب أو تلغيها. قدّرت وكالة الطاقة الدولية أن الإمدادات السعودية التي وصلت إلى السوق هبطت في آب/أغسطس إلى نحو ستة ملايين برميل يومياً.

 

تملك المملكة العربية السعودية خط الشرق-الغرب الممتد إلى ينبع، فيما تملك دولة الإمارات العربية المتحدة خط حبشان-الفجيرة الذي يتجاوز هرمز. غير أن الهجوم الحوثي أخيراً على الخط السعودي أثبت أن المسارات البديلة تقلل الخطر ولا تلغيه. كذلك ترفع الأزمة تكلفة حماية المنشآت والتأمين على السفن والاحتفاظ بالمخزونات، بما يقتطع من العائد الصافي لكل برميل.

في المقابل، تستفيد الجزائر من ارتفاع النفط والغاز ومن اتصالها المباشر بأوروبا عبر المتوسط وخطوط الأنابيب. وتملك ليبيا فرصة مشابهة، لكن استقرار الإنتاج والموانئ يظل شرطاً لتحويل السعر المرتفع إلى إيرادات فعلية.

 

المستوردون العرب أمام فاتورة مزدوجة

 

تواجه مصر والأردن ولبنان وتونس والمغرب ودول عربية أخرى ارتفاعاً في فاتورة الطاقة واستنزافاً أكبر للعملات الأجنبية. وإذا مررت الحكومات الزيادة إلى المستهلك، يرتفع معدل التضخم وتتراجع القدرة الشرائية، وإذا امتصتها عبر الدعم، يزداد عجز الميزانية والدين.

 

يقدّر صندوق النقد أن ارتفاع متوسط سعر النفط بنسبة 10 في المئة قد يضيف نحو نقطة مئوية إلى معدل التضخم ويقتطع نصف نقطة – في المتوسط – من معدل النمو في الاقتصادات الناشئة والنامية المستوردة للنفط في المنطقة الأوسع التي تضم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان.

 

ولمصر وضع خاص: قد تستفيد من عبور بعض الشحنات عبر قناة السويس وخط "سوميد" للأنابيب، لكن اضطرابات البحر الأحمر قد تقلص حركة الملاحة، فيما ترتفع فاتورة الوقود والقمح والكهرباء. وقد يستفيد المغرب من عوائد الفوسفات والأسمدة، لكن غلاء الطاقة والأمونيا والشحن يقتطع جزءاً من المكسب.

 

أثر يصل عبر الغذاء والتحويلات

 

لا تصل الصدمة إلى المواطن العربي عبر الوقود وحده. يرفع ارتفاع النفط تكلفة الأسمدة والري والنقل والتبريد، ثم يظهر في أسعار الغذاء. ويصيب ذلك الأسر الأقل دخلاً في صورة أشد، لأنها تنفق نسبة أكبر من مداخيلها على الطعام والمواصلات.

 

كذلك يرتبط عدد من الاقتصادات العربية بالخليج عبر العمالة والتحويلات والاستثمار والسياحة. إذا حافظت الدول الخليجية على صادراتها واستفادت من الأسعار، قد تنتقل بعض العوائد إلى المنطقة. أما إذا انخفضت الكميات وتعطل النشاط والاستثمار، فقد يدفع المستوردون العرب الثمن مرتين: عبر الطاقة الأغلى، ثم عبر ضعف التحويلات والاستثمارات والطلب الخليجي.

 

وفي الأجل البعيد، تحمل الصدمة مفارقة أخرى. قد تمنح الإيرادات المرتفعة المنتجين قدرة أكبر على الاستثمار والتنويع، لكنها قد تؤخر الإصلاح إذا أعادت الاقتصادات إلى الاتكال على النفط. وفي المقابل، يدفع الغلاء المستوردين إلى تسريع الطاقة البديلة وكفاءة الاستهلاك.

 

وهكذا، لا تعيد صدمة النفط توزيع الأموال فقط، بل تعيد ترتيب التحالفات وطرق التجارة والسياسات النقدية وأمن الطاقة. والرابح ليس بالضرورة من يملك أكبر حقل، بل من يستطيع إنتاج الطاقة ونقلها وتأمينها، من دون أن تتحول تكلفة البرميل إلى عبء يفوق عوائده.

الأكثر قراءة

لبنان 9/14/2026 2:19:00 PM
أصدر "حزب الله" بيان أعلن فيه ضمناً تبرؤه من كل من يتكلم باسمه من محللين وصحافيين، فمن كان يقصد؟ وماذا يحصل داخل آلته الإعلاميّة؟
لبنان 9/13/2026 6:52:00 PM
ختمت الإدارة بيانها بالتأكيد أنها تؤمن بأنه "كما نهض القصر من بين الركام، سينهض لبنان من جديد"، وأن الجنوب "بكل ما يمثله من صمود وتاريخ، سينهض معه"...
لبنان 9/14/2026 10:28:00 AM
ما صحة محاصرة عناصر من الحرس الثوري في علي الطاهر؟