اقتصاد الإعلام العربي في ربع قرن

اقتصاد وأعمال 15-09-2026 | 10:11

اقتصاد الإعلام العربي في ربع قرن

استكشف تحولات الإعلام العربي من الصحافة التقليدية إلى اقتصاد المحتوى الرقمي والاشتراكات وتأثير الذكاء الاصطناعي على صناعة الإعلام في 2024.

اقتصاد الإعلام العربي في ربع قرن
الإعلام العربي قفز قفزة واسعة في ربع قرن. (فريبيك)
Smaller Bigger

في عام 2000، كان امتلاك مطبعة أو قناة فضائية يمنح المؤسسة الإعلامية العربية أفضلية يصعب على المنافس الصغير شراؤها. بعد ربع قرن، يستطيع هاتف إنتاج محتوى يبلغ الملايين، فيما تكافح مؤسسات عريقة لتمويل صحافتها. فقد اتسعت سوق الإعلام وتغيّر توزيع عائداتها.

 

من الورق إلى اقتصاد المنصات

في مطلع الألفية، جمع النموذج السائد بين بيع النسخ والإعلانات، أو البث المجاني المموّل بالإعلان والدعم. أتاحت الأقمار الاصطناعية بيع جمهور عربي عابر للحدود للمعلنين، لكن كلفة الاستوديوهات والإنتاج والتوزيع أبقت الدخول إلى السوق مكلفاً. وكانت الصحف تموّل غرف الأخبار من موارد تشمل الإعلانات المبوبة، قبل انتقال هذه الخدمات تدريجياً إلى الإنترنت.

بدأ التآكل مبكراً: يسجّل تقرير "نظرة على الإعلام العربي 2011–2015"، الصادر عن نادي دبي للصحافة بالتعاون مع "ديلويت"، انخفاض حصة الصحف والمجلات من الإنفاق الإعلاني العربي من 46% في عام 2009 إلى 42% في عام 2011. يومها، لم تتجاوز حصة الإعلان الرقمي 4%، وفقاً لمنصّة "وقائع فَنَك عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا".

ثم غيّرت الهواتف الذكية والشبكات الاجتماعية قواعد التوزيع: صار المعلن يشتري الوصول إلى مستخدم محدد، مع قياس النقرات والمبيعات، وتقدّمت "غوغل" و"ميتا" و"تيك توك" إلى قلب سوق الإعلان. اقتصادياً، خفّض الإنترنت كلفة نشر الخبر، لكنه زاد اعتماد الناشر على وسطاء يملكون بيانات الجمهور ويتحكمون في ظهوره؛ فتوسّع الانتشار لا يضمن زيادة الإيرادات.

وتكشف أحدث تقديرات "IAB MENA" حجم التحول: بلغ الإنفاق الإعلاني الرقمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 8.185 مليارات دولار في عام 2025، بزيادة 17.8% سنوياً. ونما إعلان الفيديو على الشبكات الاجتماعية 23.6%. هذه أموال تتوزع على منصات وأشكال محتوى متعددة، ولا تمثل إيرادات الصحافة الرقمية وحدها.

ولا تتوزع هذه الفرص بالتساوي. فبحسب الاتحاد الدولي للاتصالات، استخدم 70% من سكان الدول العربية الإنترنت في 2025. يبقى خارج السوق الرقمية جمهور واسع، فيما تختلف القدرة على دفع الاشتراكات وقيمة الإعلان بين البلدان. ويعني ذلك اقتصادياً، بحسب الاتحاد الدولي للاتصالات، أن امتلاك جمهور كبير في بلد محدود الدخل قد يولّد عائداً أقل من جمهور أصغر في سوق مرتفعة الإنفاق، وهذا فارق يفسر أهمية بيع المحتوى والخدمات عبر الحدود.

 

منصات الترفيه العائلي احتلت مكاناً اساسياً في الإعلام العربي. (فريبيك)
منصات الترفيه العائلي احتلت مكاناً اساسياً في الإعلام العربي. (فريبيك)

 

الاشتراكات والبحث عن الربحية

بعد عام 2020، تعزز اقتصاد الاشتراكات والمشاهدة عند الطلب، إلى جانب البودكاست وصنّاع المحتوى الذين يجذبون الرعايات مباشرة. انتقل جانب من المنافسة إلى امتلاك المسلسلات والمكتبات والحقوق، والاحتفاظ بالمشترك شهراً بعد شهر. أصبحت كلفة اكتساب العميل واحتمال إلغائه الاشتراك عاملين أساسيين في حساب الربحية.

تقدم منصة "شاهد" مثالاً ملموساً: ارتفعت إيراداتها 18.5% في النصف الأول من 2026، وبلغ صافي ربحها 54.2 مليون ريال سعودي. لكن إيرادات مجموعة "أم بي سي" إجمالاً تراجعت 24.6%، تحت تأثير ضعف الإعلان والتوترات الإقليمية وانتهاء عقود واختلاف توقيت المشاريع. والمغزى أن نجاح المنصة الرقمية لا يلغي انكشاف المؤسسة على الدورة الاقتصادية.

وفي تقدير أوسع يشمل الفيديو والصوت والنشر والإعلان والألعاب، وضع تقرير "نظرة على الإعلام العربي" الصادر نادي دبي للصحافة في عام 2025 حجم السوق الإقليمية عند 17 مليار دولار في 2024، متوقعاً بلوغها 20.6 ملياراً في 2028. ويربط طارق مطر، الشريك في «ستراتيجي آند»، في تصريحات رافقت إصداره، زخم القطاع بتوسع البنية الرقمية والاستثمار في الإنتاج والمواهب.

 

الإمارات واقتصاد الإعلام الجديد

منذ افتتاح مدينة دبي للإعلام في عام 2001، بنت دبي تجمعاً تتجاور فيه مؤسسات البث والإعلان والإنتاج. ويضم مجمّع "تيكوم" الإعلامي، المؤلف من مدن دبي للإعلام والإنتاج والاستوديوهات، أكثر من 4000 شركة و40 ألف متخصص. والجدوى الاقتصادية لهذا التجاور "تسهيل التعاقد والتوظيف والوصول إلى التجهيزات والعملاء".

وفي تصريحات منشورة بمناسبة مرور 25 عاماً على مدينة دبي للإعلام، يقول ماجد السويدي، النائب الأول لرئيس المدن الثلاث، إنها أسهمت في "الاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار". وتوضح التجربة كيف يصبح الإعلام مصدراً للوظائف وتصدير الخدمات وجذب الاستثمار، وتستفيد منه أنشطة محلية تتجاوز المؤسسة المنتجة للمحتوى.

أما الذكاء الاصطناعي، فيفتح مرحلة جديدة من خفض كلفة التفريغ والترجمة والإنتاج وتخصيص المحتوى، لكنه يرفع أهمية التحقق وحماية الحقوق، وقد يضعف زيارات المواقع حين يحصل المستخدم على الإجابة داخل المنصة. لذلك، تتجه معركة الاستدامة إلى بناء علاقة مباشرة مع الجمهور، وتنويع الدخل بين الاشتراكات والترخيص والخدمات المتخصصة والفعاليات. 

بعد ربع قرن، صار إنشاء وسيلة إعلام أسهل، وبناء مؤسسة مربحة أشد تعقيداً. إن التحدي أمام الإعلام العربي هو تحويل المحتوى المحلي الموثوق إلى أصل اقتصادي يحتفظ بقيمته، وتمويل العمل الذي ينتجه. فبعدد المشاهدات نقدّر مستوى الانتباه؛ أما قدرة المؤسسة على دفع أجور صحافييها والاستثمار فيهم، فتنبّهنا إلى صلابتها الاقتصادية.

الأكثر قراءة

لبنان 9/14/2026 2:19:00 PM
أصدر "حزب الله" بيان أعلن فيه ضمناً تبرؤه من كل من يتكلم باسمه من محللين وصحافيين، فمن كان يقصد؟ وماذا يحصل داخل آلته الإعلاميّة؟
لبنان 9/13/2026 6:52:00 PM
ختمت الإدارة بيانها بالتأكيد أنها تؤمن بأنه "كما نهض القصر من بين الركام، سينهض لبنان من جديد"، وأن الجنوب "بكل ما يمثله من صمود وتاريخ، سينهض معه"...
لبنان 9/14/2026 10:28:00 AM
ما صحة محاصرة عناصر من الحرس الثوري في علي الطاهر؟