ارتفاع أسعار النفط يعيد ضغوط التضخم إلى العالم العربي... من الأكثر تأثراً؟

اقتصاد وأعمال 14-09-2026 | 14:21

ارتفاع أسعار النفط يعيد ضغوط التضخم إلى العالم العربي... من الأكثر تأثراً؟

يهدد صعود أسعار النفط بإبطاء تراجع معدل التضخم العالمي ورفع تكلفة النقل والغذاء والإنتاج. لكن أثره عربياً لن يكون واحداً: تواجه البلدان المستوردة للطاقة فاتورة أثقل، فيما قد تترافق الإيرادات الأفضل في البلدان المصدرة مع ضغوط سعرية محلية.

ارتفاع أسعار النفط يعيد ضغوط التضخم إلى العالم العربي... من الأكثر تأثراً؟
أحد محال السوبرماركت في بيروت (أ ف ب)
Smaller Bigger

عاد النفط إلى صدارة المشهد الاقتصادي بعدما اقترب سعر خام "برنت" من 107 دولارات للبرميل في منتصف أيلول/سبتمبر، مدفوعاً بالتوترات الإقليمية ومخاطر تعطل الإمدادات. ولا تعني القفزة ارتفاع سعر الوقود وحده؛ تدخل الطاقة في تكلفة النقل والكهرباء والصناعة والزراعة والتبريد، ثم تنتقل التكلفة تدريجياً إلى أسعار الغذاء والسلع والخدمات.

 

لذلك، قد تعرقل موجة غلاء النفط المسار النزولي لمعدلات التضخم الذي بدأ بعد صدمات الجائحة والحرب الأوكرانية. كان صندوق النقد الدولي قد توقع في تموز/يوليو بلوغ معدل التضخم العالمي 4.7 في المئة في عام 2026، على أساس متوسط لسعر النفط يقارب 89 دولاراً للبرميل. لكن بقاء الأسعار أعلى بكثير من هذا المستوى يضع التوقعات أمام مخاطر صعودية، وإن كان حجم الأثر مرتبطاً بمدة الأزمة، وسياسات الدعم، وأسعار الصرف.

 

العالم أمام موجة غير متساوية

 

بدأ أثر الطاقة يظهر بوضوح في الاقتصادات الكبرى. في الولايات المتحدة، بلغ معدل التضخم السنوي 3.4 في المئة في آب/أغسطس، بينما قفزت أسعار الطاقة 16.3 في المئة والبنزين 27.4 في المئة. وفي منطقة اليورو، ارتفع معدل التضخم إلى 3.3 في المئة، مدفوعاً بزيادة أسعار الطاقة 14.3 في المئة، في حين بقي معدل التضخم الأساسي، الذي يستبعد الطاقة والغذاء غير المصنّع، عند نحو 2.2 في المئة.

 

الصورة مختلفة في آسيا. بقي معدل التضخم في الصين منخفضاً عند 0.8 في المئة في آب، في انعكاس لاستمرار ضعف الطلب المحلي. أما في الهند، فسجل تضخم أسعار التجزئة 4.45 في المئة في تموز، لكن تضخم أسعار الجملة بلغ 9.92 في المئة في آب، مع ارتفاع بند الوقود والطاقة 22.93 في المئة. يوضح هذا التفاوت أن صدمة النفط تصل أولاً إلى تكلفة الإنتاج، قبل أن تظهر بالكامل على رفوف المتاجر.

 

التضخم العربي: خريطة من عالمين

 

عربياً، تقسم أسعار النفط المرتفعة المنطقة إلى مصدرين ومستوردين. تعاني الدول المستوردة، ولاسيما مصر ولبنان وتونس والأردن والمغرب، ارتفاع فاتورة الطاقة والنقل وتكلفة استيراد الغذاء. وقد بلغ معدل التضخم في المدن المصرية 14.5 في المئة في آب، ومعدل التضخم الأساسي 14.9 في المئة. وسجل لبنان تضخماً سنوياً قدره 15.69 في المئة في تموز، فيما بلغ المعدل 5.4 في المئة في تونس و2.7 في المئة في الأردن.

 

في المغرب، انخفضت الأسعار 0.6 في المئة على أساس سنوي في تموز، بدعم من تراجع أسعار الغذاء والوقود، لكن هذه القراءة سبقت الجزء الأكبر من القفزة النفطية الأخيرة. والأمر نفسه ينطبق على بلدان عربية أخرى، إذ لا تزال أحدث البيانات تعكس مرحلة كان النفط فيها أرخص، ما يعني أن الأثر الجديد قد يظهر خلال الأشهر المقبلة.

 

وتبدو الدول المستوردة الأكثر هشاشة لأنها تواجه مفاضلة صعبة: رفع أسعار المحروقات يحمي الميزانيات العامة لكنه يضغط على الأسر والشركات، فيما يخفف الدعم وقع الصدمة على المستهلك، لكنه يحمّل الخزينة تكلفة إضافية. ويقدّر صندوق النقد أن ارتفاع النفط 10 في المئة قد يضيف نحو نقطة مئوية إلى التضخم ويقتطع نصف نقطة من النمو في المتوسط لدى الاقتصادات المستوردة للنفط في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، مع تفاوت واسع بين دولة وأخرى.

 

هل يربح مصدرو النفط بلا تكلفة؟

 

تستفيد دول الخليج والجزائر وليبيا مالياً من ارتفاع الأسعار، لكن المكسب لا يلغي التضخم. قد يدعم ارتفاع الإيرادات الإنفاق العام والأجور والاستثمار، ويرفع الطلب المحلي بالتزامن مع زيادة تكلفة الشحن والاستيراد. بلغ التضخم السعودي 1.8 في المئة في تموز، إلا أن تقديرات حديثة تشير إلى إمكان ارتفاع توقعات التضخم في دول الخليج بدرجات متفاوتة إذا طال أمد اضطراب سلاسل إمداد الطاقة.

 

وتساعد سياسات دعم الوقود والغذاء، إلى جانب استقرار أسعار الصرف في عدد من الدول، على الحد من انتقال الصدمة إلى المستهلك، من دون منعه تماماً. كما أن الجزائر وليبيا قد تستفيدان نسبياً لأن صادراتهما لا تعتمد على مضيق هرمز، وإن ظلت استفادة ليبيا رهناً باستقرار الإنتاج والوضع الأمني.

 

المعضلة أمام المصارف المركزية أن التضخم هذه المرة آتٍ من تكلفة الطاقة، لا من سخونة الطلب وحدها. قد يمنع رفع أسعار الفائدة ارتفاع الأسعار، لكنه لا ينتج برميلاً إضافياً من النفط، وقد يضعف الاستثمار والنمو. ولذلك ستكون الاستجابة الأكثر توازناً مزيجاً من السياسة النقدية الحذرة، والدعم الموجّه إلى الأسر الأشد ضعفاً، وتجنب تثبيت أسعار الطاقة للجميع.

 

في النهاية، لن يحدد سعر النفط وحده مسار التضخم العربي، بل مدة بقائه مرتفعاً وقدرة الحكومات على إدارة الصدمة. كلما طال الاضطراب، انتقلت التكلفة من محطة الوقود إلى المخبز والمتجر وفاتورة النقل، وتحول ارتفاع النفط من خبر في الأسواق إلى عبء يومي على ميزانية الأسرة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/13/2026 2:21:00 PM
أصدر القضاء العراقي أمر قبض بحق أوميد حاجي أحمد، الذي يرد اسمه في جواز سفر بريطاني بوصفه سالم أحمد سعيد. فمن هو رجل الأعمال الذي تتهمه واشنطن بإدارة شبكة لتمويه النفط الإيراني وبيعه على أنه عراقي؟
لبنان 9/13/2026 6:27:00 PM
تم إلقاء القبض على التاجر المسؤول عن إدارة الشبكة.
لبنان 9/13/2026 11:50:00 AM
كانت قوة مشاة إسرائيلية مدعومة، بأكثر من 10 آليات، تقدمت إلى منطقة الدوارة عند أطراف بلدة كفرشوبا الشرقية...
لبنان 9/13/2026 12:33:00 PM
طقس "بوجهين" ينتظر لبنان بدءاً من الثلاثاء: ارتفاع للحرارة ساحلاً مقابل انخفاضها جبلاً وداخلاً، مع ضباب كثيف ورياح تلامس 50 كيلومتراً في الساعة.