تاريخ الذكاء الاصطناعي... من اختبار تورنغ إلى "شات جي بي تي" خلال 76 عاماً

تكنولوجيا 14-09-2026 | 13:54

تاريخ الذكاء الاصطناعي... من اختبار تورنغ إلى "شات جي بي تي" خلال 76 عاماً

لم يظهر الذكاء الاصطناعي فجأة مع "شات جي بي تي". منذ منتصف القرن العشرين، حاول علماء الرياضيات والحاسوب الإجابة عن سؤال بدا آنذاك أقرب إلى الخيال العلمي: هل يمكن للآلة أن تحاكي بعض قدرات العقل البشري؟

تاريخ الذكاء الاصطناعي... من اختبار تورنغ إلى "شات جي بي تي" خلال 76 عاماً
معرض بكين لسلاسل التوريد(أ ف ب)
Smaller Bigger

خلال أكثر من سبعة عقود، مرّ الذكاء الاصطناعي بمراحل متناقضة: بدايات متفائلة، وفترات من التراجع عُرفت بـ"شتاء الذكاء الاصطناعي"، ثم عودة قوية بفضل التعلم الآلي والشبكات العصبية، وصولاً إلى النماذج التوليدية التي جعلت هذه التكنولوجيا جزءاً من الحياة اليومية.

 

1950: تورنغ يطرح سؤال الذكاء الآلي

في عام 1950، نشر عالم الرياضيات البريطاني آلان تورنغ بحثه الشهير "آلات الحوسبة والذكاء" (Computing Machinery and Intelligence) في مجلة "مايند" (Mind). وبدلاً من الدخول في جدل فلسفي حول معنى "التفكير"، أعاد تورنغ صياغة السؤال من خلال ما سماه "لعبة المحاكاة"، التي أصبحت أساساً لما عُرف لاحقاً باختبار تورنغ.

 

أصبح اختبار تورنغ، القائم في صيغته الشائعة على حوار نصي يحاول فيه المحكّم التمييز بين الإنسان والآلة، أحد أشهر المفاهيم في تاريخ الذكاء الاصطناعي. وقد أبقى حاضراً سؤالاً جوهرياً: إذا استطاعت الآلة تقليد السلوك الذكي، فهل يعني ذلك أنها تفكر؟

 

1956: ولادة الذكاء الاصطناعي

 

رغم أن الأفكار التي مهدت للذكاء الاصطناعي سبقت ذلك، يُعد عام 1956  نقطة الانطلاق الرسمية للمجال كحقل بحثي مستقل.

 

في صيف ذلك العام، اجتمع باحثون في كلية دارتموث في الولايات المتحدة ضمن "مشروع دارتموث البحثي الصيفي حول الذكاء الاصطناعي" (Dartmouth Summer Research Project on Artificial Intelligence). وكان من أبرز المشاركين والمساهمين فيه جون مكارثي، ومارفن مينسكي، وكلود شانون، وألين نيويل، وهربرت سايمون.

 

اعتقد الباحثون أن كثيراً من جوانب الذكاء يمكن وصفها بدقة تسمح للآلة بمحاكاتها.

من الخمسينيات إلى السبعينيات: منطق وقواعد بدلاً من التعلم

 

في العقود الأولى، هيمن على الذكاء الاصطناعي منهج يقوم على الرموز والقواعد والمنطق، إلى جانب تجارب مبكرة في الشبكات العصبية. وكان الباحثون يحاولون تزويد الحاسوب بالمعرفة والقواعد، ثم جعله يستخدمها لحل المشكلات.

 

ظهرت برامج قادرة على إثبات بعض النظريات الرياضية وحل مسائل منطقية وأداء مهام محددة. لكن هذه الأنظمة اصطدمت تدريجياً بمشكلة أساسية: العالم الحقيقي أكثر تعقيداً من مجموعة قواعد يمكن للإنسان كتابتها مسبقاً.

 

ومع محدودية الحواسيب ونقص البيانات، بدأت الفجوة بين الوعود والنتائج تتسع.

 

طرح تورزنغ سؤالاً ظل حاضراً حتى اليوم: إذا استطاعت الآلة تقليد السلوك الذكي، فهل يعني ذلك أنها تفكر؟ (رويترز)
طرح تورزنغ سؤالاً ظل حاضراً حتى اليوم: إذا استطاعت الآلة تقليد السلوك الذكي، فهل يعني ذلك أنها تفكر؟ (رويترز)

من السبعينيات إلى التسعينيات: شتاء الذكاء الاصطناعي والتحول نحو التعلم

 

أدى تواضع النتائج مقارنة بالتوقعات المرتفعة إلى تراجع التمويل والاهتمام في أكثر من مرحلة، فيما عُرف لاحقاً بـ"شتاء الذكاء الاصطناعي". ولم يكن هذا الشتاء فترة متصلة، بل يُشار عادة إلى موجتين رئيسيتين، بدأت الأولى في السبعينيات، بينما وقعت الثانية بين أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات.

 

لكن التراجع لم يعنِ نهاية المجال. فبين موجتي الشتاء، ازدهرت النظم الخبيرة في الثمانينيات، كما استعادت الشبكات العصبية زخماً مع انتشار خوارزميات مثل "الانتشار العكسي". وفي التسعينيات، تسارع الانتقال نحو أنظمة تتعلم من البيانات والأمثلة بدلاً من الاعتماد الكامل على قواعد يكتبها البشر مسبقاً.

 

وفي عام 1997، هزم حاسوب "ديب بلو" (Deep Blue) الذي طورته شركة "آي بي إم" (IBM) بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف، في محطة أظهرت قدرة الحواسيب على التفوق في مهام معقدة ومحددة، من دون أن يعني ذلك امتلاكها ذكاءً عاماً.

 

وهنا حدث تحول جوهري في فلسفة الذكاء الاصطناعي: بدلاً من أن نقول للآلة بالتفصيل ماذا تفعل، أصبح الهدف أن نعطيها البيانات والخوارزميات التي تسمح لها باكتشاف الأنماط بنفسها.


2012-2000: البيانات والقدرة الحاسوبية تصنعان الفارق

 

مع بداية القرن الحادي والعشرين، تغيرت الظروف التي يعمل فيها الذكاء الاصطناعي. ازدادت القدرة الحاسوبية، وتوافرت كميات هائلة من البيانات الرقمية، وتطورت خوارزميات التعلم الآلي والشبكات العصبية.

وفي عام 2012، شكّل نموذج "أليكس نت" (AlexNet) نقطة تحول مهمة في التعرف إلى الصور، بعدما أظهر بصورة لافتة قوة الشبكات العصبية العميقة عند تدريبها على كميات كبيرة من البيانات بالاستعانة بقدرات حاسوبية مرتفعة.

 

من هنا بدأ التعلم العميق يتحول إلى أحد المحركات الأساسية للثورة الحديثة في الذكاء الاصطناعي.

 

وفي عام 2016، حقق نظام "ألفا غو" (AlphaGo)، الذي طورته شركة "ديب مايند" (DeepMind)، انتصاراً بارزاً على بطل لعبة "غو" لي سيدول، مؤكداً قدرة تقنيات التعلم العميق والتعلم المعزز على معالجة مسائل كانت تُعد شديدة التعقيد بالنسبة إلى الحواسيب.

رغم هذا التطور السريع، لا يعني انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي أننا وصلنا إلى الذكاء الاصطناعي العام (رويترز)
رغم هذا التطور السريع، لا يعني انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي أننا وصلنا إلى الذكاء الاصطناعي العام (رويترز)

2020-2017: الطريق إلى النماذج اللغوية الكبيرة

 

في عام 2017، نشر باحثون ورقة "الانتباه هو كل ما تحتاج إليه" (Attention Is All You Need)، التي قدّمت بنية "المحوّل" (Transformer) القائمة على آلية "الانتباه". وأصبحت هذه البنية لاحقاً أساساً لعدد كبير من النماذج اللغوية الحديثة.

 

وفي عام 2020، قدّمت شركة "أوبن إيه آي" (OpenAI) نموذج "جي بي تي-3" (GPT-3)، الذي أظهر قدرة نموذج لغوي واحد على أداء مجموعة واسعة من المهام بعد تدريبه على كميات ضخمة من النصوص، معتمداً أحياناً على عدد محدود من الأمثلة أو التعليمات.

 

وكانت هذه المرحلة تمهيداً مباشراً للانتشار الواسع الذي سيشهده الذكاء الاصطناعي التوليدي بعد ذلك بعامين.


2026-2022: الذكاء الاصطناعي يدخل الحياة اليومية

 

في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2022، أطلقت شركة "أوبن إيه آي" (OpenAI) نظام "تشات جي بي تي" (ChatGPT)، المصمم للتفاعل مع المستخدمين عبر الحوار.

 

لم يكن "تشات جي بي تي" أول نموذج لغوي كبير، لكنه أتاح هذه التكنولوجيا لجمهور واسع بطريقة بسيطة: يكتب المستخدم سؤالاً أو طلباً بلغة طبيعية، ويتلقى إجابة يستطيع البناء عليها ومتابعتها في حوار.

 

ثم أعلنت "أوبن إيه آي" نموذج "جي بي تي-4" (GPT-4) في آذار/مارس 2023، بقدرات أكثر تقدماً في التعامل مع المهام المعقدة، وإمكان استقبال الصور ضمن معاينة بحثية.

 

ومنذ ذلك الحين، اتجه التطور نحو نماذج أكثر قدرة على التعامل مع النصوص والصور والصوت والبرمجة، وعلى استخدام الأدوات وتنفيذ سلسلة من المهام، بدلاً من الاكتفاء بتقديم إجابة واحدة.

 

هل وصلنا إلى الذكاء الاصطناعي العام؟

رغم هذا التطور السريع، لا يوجد إجماع علمي على أن الأنظمة الحالية تمثل ذكاءً اصطناعياً عاماً (AGI)، كما لا يوجد تعريف واحد متفق عليه لهذا المفهوم.

 

فالأنظمة الحالية تستطيع أداء طيف واسع من المهام، لكن قدرتها على امتلاك ذكاء عام ومرن يماثل ذكاء الإنسان عبر مختلف المجالات لا تزال موضع بحث ونقاش.

 

وهكذا، تغير السؤال خلال أكثر من 75 عاماً. بدأ مع تورنغ عام 1950 بسؤال: "هل تستطيع الآلة أن تفكر؟"، ثم أصبح اليوم أكثر تعقيداً: إلى أي مدى يمكن أن تصل قدرات الآلات؟ وكيف سنستخدمها؟ وما الذي سيبقى مميزاً في الذكاء البشري؟

من تورنغ إلى دارتموث، ومن بنية "المحوّل" (Transformer) إلى "شات جي بي تي" (ChatGPT)، لم يكن تطور الذكاء الاصطناعي خطاً مستقيماً، بل سلسلة من الطموحات والإخفاقات والاكتشافات. وما نعيشه اليوم ليس بالضرورة نهاية هذه الرحلة، بل قد يكون بداية فصل جديد منها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 9/13/2026 6:27:00 PM
تم إلقاء القبض على التاجر المسؤول عن إدارة الشبكة.
لبنان 9/13/2026 11:50:00 AM
كانت قوة مشاة إسرائيلية مدعومة، بأكثر من 10 آليات، تقدمت إلى منطقة الدوارة عند أطراف بلدة كفرشوبا الشرقية...
لبنان 9/13/2026 12:33:00 PM
طقس "بوجهين" ينتظر لبنان بدءاً من الثلاثاء: ارتفاع للحرارة ساحلاً مقابل انخفاضها جبلاً وداخلاً، مع ضباب كثيف ورياح تلامس 50 كيلومتراً في الساعة.
لبنان 9/13/2026 6:52:00 PM
ختمت الإدارة بيانها بالتأكيد أنها تؤمن بأنه "كما نهض القصر من بين الركام، سينهض لبنان من جديد"، وأن الجنوب "بكل ما يمثله من صمود وتاريخ، سينهض معه"...