100 مليون دولار لتوسعة محطة حاويات مرفأ بيروت إلى 3 ملايين وحدة نمطية
في وقت تتسارع فيه المنافسة بين مرافئ شرق المتوسط على استقطاب حركة التجارة والخدمات اللوجستية، تتجه البنى التحتية للمرافئ إلى لعب دور حاسم في تحديد مواقعها على خريطة النقل البحري. ومن هذا المنطلق، يأتي مشروع توسعة محطة الحاويات في مرفأ بيروت باستثمار يبلغ 100 مليون دولار من مجموعة CMA CGM، ليرفع القدرة الاستيعابية للمحطة إلى نحو 3 ملايين وحدة نمطية سنوياً، في خطوة تتيح للمرفأ توسيع حضوره في حركة النقل البحري وتعزيز موقعه كمحور للترانزيت وإعادة التصدير في المنطقة.
ولا تقتصر أهمية المشروع على زيادة الطاقة الاستيعابية، إذ تتصل قدرته على تحقيق أهدافه بتطوير شبكة نقل متكاملة، وتحسين الخدمات الجمركية والرقمية، ورفع كفاءة الإدارة، بما يعزز قدرة المرفأ على المنافسة واستقطاب حركة تجارية أكبر. كما يأتي المشروع في مرحلة تعاد فيها صياغة مسارات سلاسل الإمداد والممرات اللوجستية في المنطقة، ما يضع أمام مرفأ بيروت فرصة لتوسيع دوره الإقليمي.
برعاية وحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وضعت إدارة واستثمار مرفأ بيروت، الخميس، حجر أساس مشروع توسعة محطة الحاويات، الذي يرفع مساحة ساحات المحطة من 45 إلى نحو 75 هكتاراً، ويزيد قدرتها الاستيعابية من نحو 1.2 مليون إلى 3 ملايين وحدة نمطية سنوياً، على أن تستغرق الأعمال بين 16 و18 شهراً. ويشمل المشروع إنشاء رصيف جديد، وتوفير رافعات متحركة ومساحات تخزين إضافية، وبوابة آلية جديدة، ومنطقة للتفتيش الجمركي مزودة بجهازي كشف آليين، إلى جانب معدات مناولة هجينة وموفرة للطاقة.
وشارك في الاحتفال وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، ووزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، ووزير المالية ياسين جابر، ووزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، ووزير الدفاع ميشال منسى، ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة CMA CGM رودولف سعادة، إلى جانب شخصيات سياسية ودبلوماسية وأمنية.

سلام: الموقع الجغرافي وحده لا يصنع النجاح
ووضع رئيس الحكومة نواف سلام المشروع في إطار رؤية أوسع لتطوير مرفأ بيروت وإعادة تثبيت موقعه بين مرافئ شرق المتوسط، معتبراً أن التوسعة لا تمثل مجرد إضافة إلى البنية التحتية، بل خطوة عملية في مسار طويل يهدف إلى تعزيز دور المرفأ في الاقتصاد اللبناني وحركة التجارة الإقليمية.
وأشار إلى أن أهمية التوسعة تكمن في رفع القدرة الاستيعابية، وتحسين سرعة مناولة الحاويات، وخفض فترات انتظار السفن، ورفع كفاءة الخدمات، بما يعزز قدرة المرفأ على استقطاب خطوط الملاحة وحركة التجارة العابرة.
إلا أن سلام شدد على أن المنافسة بين مرافئ شرق المتوسط لا تقوم على الموقع الجغرافي وحده، بل تحتاج إلى إدارة رشيدة، وسرعة في إنجاز المعاملات، وشفافية في الإجراءات، وتكنولوجيا حديثة، وبنية تحتية وشبكات نقل تربط المرفأ بمحيطه.
ودعا إلى التعامل مع التوسعة باعتبارها جزءاً من رؤية متكاملة لمرفأ حديث ورقمي وآمن، يقوم على حوكمة واضحة تحدد المسؤوليات وتضبط الهدر، وعلى إجراءات سريعة تحد من الفساد والاستنسابية وتوفر الثقة للمستوردين والمصدّرين.
وفي سياق حديثه عن أمن المرفأ، ربط سلام تطويره بذكرى الرابع من آب 2020، مؤكداً أن تحديث المنشآت لا ينفصل عن واجب المحاسبة وتحقيق العدالة، وأن ذكرى الضحايا تبقى أمانة وطنية وأخلاقية تفرض تحسين إدارة المرفق ومنع تكرار مآسي الإهمال والفوضى.

ربط المرفأ بالطرق والسكك والمرافئ اللبنانية
ولا يرى سلام أن توسيع محطة الحاويات كافٍ وحده لتفعيل الدور الإقليمي لمرفأ بيروت، إذ شدد على ضرورة تطوير الطرق المؤدية إليه ومعالجة الازدحام عند مداخله، والعمل على شبكة للسكك الحديدية والأنفاق وإنشاء مرافئ جافة تربطه بداخل لبنان ومحيطه.
وكشف أن الحكومة باشرت إعداد دراسة لربط المرفأ بالبقاع عبر نفق وخط للسكك الحديدية، مشيراً إلى أن المرفأ المنفصل عن عمقه البري يفقد جزءاً كبيراً من قيمته الاستراتيجية، بينما يتحول المرفأ المتصل بشبكة نقل متكاملة إلى منصة إقليمية للنمو والاستثمار.
كما دعا إلى تحقيق التكامل بين مرفأ بيروت وسائر المرافئ اللبنانية، ولا سيما طرابلس وجونية وصيدا، ضمن سياسة وطنية متكاملة للنقل البحري.
وربط رئيس الحكومة تطوير المرفأ بمشروع إعادة بناء الدولة، معتبراً أن ثقة شركات الملاحة والمستثمرين والمصدّرين تحتاج إلى قواعد مستقرة، وقضاء مستقل، وإدارة فاعلة، وتعاون بين القطاعين العام والخاص.
رسامني: مرافئ لبنان أصول استراتيجية
من جهته، اعتبر وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني أن وضع حجر الأساس يشكل جزءاً من مشروع أكبر لتعزيز موقع مرفأ بيروت كمرفأ استراتيجي في شرق المتوسط، وتثبيت دور لبنان على خريطة النقل والتجارة في المنطقة.
ووصف استثمار CMA CGM بأنه قرار ثقة بلبنان، مشيراً إلى أن الحكومة لا تريد التعامل مع المرافئ كمرافق تدار بصورة يومية، بل كأصول استراتيجية يمكن من خلالها استعادة دور لبنان الاقتصادي وموقعه الإقليمي.
وأوضح أن رؤية وزارة الأشغال تقوم على منظومة نقل متكاملة لا تفصل المرافئ عن المطار والطرق والسكك الحديدية والمعابر البرية، بهدف تحويل الموقع الجغرافي للبنان إلى قيمة اقتصادية فعلية.
وأشار إلى أن مشروع التوسعة يرفع مساحة المحطة، بحسب تقديره، من نحو 45 إلى 80 هكتاراً، ويزيد قدرتها الاستيعابية إلى 3 ملايين حاوية، معتبراً أن هذه الخطوة تنقل المشروع من التخطيط إلى التنفيذ.
ولفت رسامني إلى أن التعاون مع CMA CGM لا ينبغي أن يقتصر على تشغيل محطة الحاويات أو الاستثمار فيها، بل يمكن أن يشكل قاعدة لمشاريع أوسع تربط المرافئ بشبكات النقل والمسارات الإقليمية.
وفي هذا الإطار، أشار إلى إمكانات الربط السككي مع سوريا وإعادة تفعيل خط الحجاز، إضافة إلى العمل على أن يكون للبنان موقع في الممر الاقتصادي IMEC وغيره من مشاريع الربط الإقليمي والدولي.
النفّي: 3 ملايين حاوية بحلول 2028
ووصف رئيس مجلس الإدارة المدير العام لمرفأ بيروت مروان النفّي المشروع بأنه المرحلة الثالثة والأكبر في تاريخ محطة الحاويات، مشيراً إلى أنه يشكل خطوة أساسية في مستقبل المرفأ ويؤسس لمرحلة جديدة من النمو والمنافسة.
وأوضح أن التوسعة سترفع مساحة المحطة من 45 إلى نحو 75 هكتاراً، وقدرتها الاستيعابية من 1.3 مليون إلى 3 ملايين حاوية نمطية سنوياً بحلول عام 2028، ما يضعها، بحسب قوله، بين أكبر محطات الحاويات في البحر المتوسط ويعزز موقع مرفأ بيروت كمركز لوجستي رئيسي للمنطقة.
وأشار النفّي إلى أن كارثة الرابع من آب لم تنهِ دور المرفأ، وأن وضع حجر أساس التوسعة يشكل دليلاً على التطلع إلى المستقبل. كما لفت إلى أن العام 2028 سيحمل رمزية إضافية مع استضافة بيروت الجمعية العامة لمرافئ البحر المتوسط.
وتتزامن التوسعة، بحسب النفّي، مع ورشة لإعادة هيكلة المرفأ وتأهيله، تشمل إعادة بناء الثقة، ورفع معايير الأمن والسلامة، وتحديث الإدارة والخدمات وتطوير البنية التحتية، بهدف تحويل المرفأ إلى محرك للاقتصاد اللبناني ومنصة للاستثمار وفرص العمل وبوابة للبنان نحو المنطقة والعالم.
سعادة: استثمار 100 مليون دولار
أما رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة CMA CGM رودولف سعادة، فأشار إلى أن المجموعة تسلمت تشغيل وإدارة محطة الحاويات عام 2022، في مرحلة كان فيها مرفأ بيروت يمر بظروف بالغة الصعوبة ويقترب من التوقف.
وأوضح أن المجموعة اختارت الاستمرار والاستثمار انطلاقاً من إيمانها بلبنان وبإمكانات محطة الحاويات، لافتاً إلى أن حركة المحطة نمت خلال السنوات الأربع الماضية وتحسن أداؤها، فيما باتت تقترب من بلوغ الحد الأقصى لطاقتها الاستيعابية.
وقال إن التحولات التي تشهدها سلاسل الإمداد والممرات اللوجستية، والاستثمارات الكبيرة التي تنفذها المرافئ الكبرى في المتوسط والشرق الأوسط، تفرض على لبنان السعي إلى تعزيز موقعه، مؤكداً أن المجموعة ستضع إمكاناتها في خدمة هذا الهدف.
ويبلغ استثمار CMA CGM في التوسعة 100 مليون دولار، ويشمل زيادة الطاقة الاستيعابية وإنشاء رصيف جديد، وتوفير رافعات متحركة ومساحات تخزين إضافية للحد من الازدحام، إلى جانب إنشاء بوابة آلية ومنطقة جديدة للتفتيش الجمركي مزودة بجهازي كشف آليين لتعزيز الموثوقية والسلامة.
كما تتضمن الخطة اعتماد معدات مناولة من الجيل الجديد، هجينة وموفرة للطاقة، بما يساهم في خفض البصمة البيئية للمحطة.
وأكد سعادة أن الاستثمار يعكس التزاماً طويل الأمد بالمحطة وبلبنان، مشيراً إلى أن المجموعة توظف نحو 4,000 شخص في لبنان وحافظت على حضورها خلال الظروف الصعبة.
ووضع الاستثمار في إطار مساهمة أوسع في الاقتصاد اللبناني وخلق فرص العمل من خلال الأنشطة البحرية والمرفئية واللوجستية، والحفاظ على الخبرات العريقة واستمراريتها، إضافة إلى تطوير التكنولوجيا.
وكشف أنه سيتوجه في اليوم التالي إلى الجامعة الأميركية في بيروت لتوقيع اتفاقية إنشاء معهد للذكاء الاصطناعي، في خطوة قال إنها تندرج ضمن طموح جعل لبنان مركزاً للتميز التكنولوجي وخدمة الشباب.
كما أشار إلى استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً من خلال مؤسسة المجموعة التي تترأسها شقيقته تانيا سعادة زعنَي.
وبالنسبة إلى سعادة، فإن حجر الأساس لا يمثل مجرد توسعة لمحطة الحاويات، بل رمزاً لمحطة تمضي قدماً، وللبنان الذي يجدد طموحه، ولثقة المجموعة بمستقبل هذا البلد.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لا شك أن ثمة تغيراً وتطوراً حصل في سوريا بعد إسقاط النظام البائد، لكن يبقى السؤال هل الصورة وردية كما طرحها الشيباني في كلمته؟
نبض