ارتفاع أسعار المحروقات وعوائد السندات يضغط على الاقتصاد الأميركي... هل يصمد النمو؟
يدفع الأميركيون ثمناً أعلى للوقود، فيما تدفع حكومتهم فوائد أكبر لتمويل دين تجاوز 40 تريليون دولار. وبين تضخم الطاقة وضخامة الاقتراض، تصبح مهمة حماية النمو أكثر تعقيداً.
لم تعد فاتورة الطاقة المشكلة الوحيدة التي تؤرق الأميركيين. في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الوقود عند المحطات، تحتاج الحكومة إلى اقتراض مبالغ ضخمة بتكلفة متزايدة. وبين المحروقات الغالية والسندات المرتفعة العائد، يتعرض الاقتصاد إلى ضغط مزدوج يبدأ من الميزانية العامة وينتهي في جيب المستهلك.
بلغ متوسط سعر البنزين العادي 4.295 دولار للغالون في 11 أيلول/سبتمبر 2026، في مقابل نحو 3.195 دولار قبل سنة، أي بزيادة تقارب 34 في المئة. أما الديزل، فتجاوز ستة دولارات للمرة الأولى في تاريخه، مسجلاً 6.056 دولار للغالون، بزيادة سنوية تفوق 63 في المئة.
ولا يقتصر أثر الديزل على السائق الذي يملأ خزان مركبته؛ هو وقود للشاحنات والمزارع ومعدات البناء وخدمات التوصيل. لذلك تتسلل زيادته إلى أسعار الغذاء والنقل والسلع اليومية. أما البنزين، فيقتطع مباشرة من دخل الأسر ويترك لها أموالاً أقل للإنفاق على المطاعم والملابس والترفيه.
وظهرت بداية هذا الضغط في بيانات آب/أغسطس، إذ ارتفعت أسعار التجزئة 0.4 في المئة خلال شهر و3.4 في المئة خلال سنة. كذلك زادت أسعار الجملة 0.4 في المئة، تقودها قفزة نسبتها 1.1 في المئة في أسعار السلع، فيما انخفض متوسط الأجر الحقيقي بالساعة 0.1 في المئة.
حكومة تقترض بتكلفة أعلى
في موازاة ذلك، تقدّر الخزانة الأميركية صافي اقتراضها السوقي الخاص بنحو 739 مليار دولار خلال الفصل الثالث و628 ملياراً في الفصل الرابع. وبذلك يصل صافي الاقتراض المتوقع خلال النصف الثاني من عام 2026 إلى نحو 1.37 تريليون دولار. وهذه ليست سندات من نوع جديد أو برنامجاً استثنائياً، بل إصدارات دورية تستخدمها الحكومة لتمويل عجز الميزانية وتجديد الديون المستحقة. الجديد هو ضخامة الاحتياجات والعائد المرتفع الذي بات المستثمرون يطلبونه.
لقد باعت الخزانة سندات تستحق بعد 10 سنوات بقيمة 39 مليار دولار بعائد 4.834 في المئة، وهو الأعلى في مزاد مماثل منذ عام 2007، ثم باعت سندات تستحق بعد 30 سنة بقيمة 22 مليار دولار بعائد 5.308 في المئة. وفي السوق، اقترب عائد السندات العشرية من خمسة في المئة، بينما تجاوز عائد الثلاثينية 5.3 في المئة.
وعلى الرغم من قوة الطلب في المزادين، تكمن المشكلة في الثمن الذي تدفعه الحكومة لجذب المشترين. كلما استبدلت الحكومة بديون قديمة منخفضة الفائدة سندات جديدة أعلى تكلفة، ارتفعت فاتورة خدمة الدين واتسع الضغط على الميزانية.
وحاولت الخزانة تحسين سيولة السوق بإعادة شراء سندات قديمة بقيمة قاربت 5.2 مليارات دولار. لكن العملية لا تخفض الدين، لأنها تُموَّل بإصدارات أخرى، كما أن مبلغاً بهذا الحجم لا يستطيع تغيير اتجاه سوق تُقدَّر قيمتها بعشرات التريليونات.
من الخزانة إلى الأسرة
تشكل عوائد السندات الحكومية مرجعاً أساسياً لتكلفة الاقتراض في الاقتصاد. ارتفع متوسط فائدة الرهن العقاري الذي يستحق بعد 30 سنة إلى 6.76 في المئة، وهو الأعلى في أكثر من 14 شهراً، ما يزيد صعوبة شراء المنازل. وتتأثر قروض السيارات والشركات أيضاً بالعوائد، بينما ترتبط بطاقات الائتمان بدرجة أكبر بالفائدة التي يحددها مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ويجد المصرف المركزي الأميركي نفسه أمام معادلة غير مريحة. قد يمنع رفع معدل الفائدة صدمة الوقود من التحول إلى موجة تضخم دائمة، لكنه يضعف الإسكان والاستثمار والاستهلاك، ويرفع تدريجياً تكلفة خدمة الدين مع إصدار سندات جديدة وتجديد المستحق منها. أما التساهل النقدي فقد يسمح ببقاء التضخم أعلى من هدف اثنين في المئة.
مع ذلك، لا يبدو الاقتصاد على حافة الانهيار. فقد أضاف 162 ألف وظيفة في آب/أغسطس، واستقرت البطالة عند 4.1 في المئة. لكن الاقتصاد يفقد شيئاً من زخمه، بعدما تباطأ نمو الناتج من 2.1 في المئة في الفصل الأول من العام الجاري إلى 1.5 في المئة في الثاني.
حتى نهاية عام 2027، يبقى المسار مرتبطاً إلى حد كبير بالطاقة. إذا انحسرت اضطرابات الإمدادات وانخفضت أسعار النفط، قد يتراجع التضخم ويتمكن الاقتصاد من تجنب الركود. أما إذا بقي النفط فوق 100 دولار واستمرت العوائد قرب خمسة في المئة، فستتقلص قدرة الأسر والشركات والحكومة على الإنفاق والاستثمار.
لا يكمن الخطر الحقيقي في الدين أو الوقود منفردين، بل في اجتماعهما: طاقة غالية تعزز التضخم، وفائدة مرتفعة تكبح النشاط، ودين ضخم يحتاج باستمرار إلى مشترين جدد.
نبض