لماذا أصبحت مدن عربية كبرى غير ميسورة حتى للطبقة المتوسطة؟
لم تعد صعوبة العيش في المدن العربية الكبرى مشكلة تخص أصحاب الدخل المحدود وحدهم. بات موظفون ومهنيون يُعدُّون من الطبقة المتوسطة ينفقون الجزء الأكبر من رواتبهم على الإيجار والنقل والتعليم والصحة، ولا يتبقى لهم ما يكفي للادخار أو شراء منزل أو مواجهة نفقة طارئة.
تبدأ الأزمة من السكن. وفق المعيار الذي تستخدمه الأمم المتحدة، تصبح تكلفته غير ميسورة عندما تتجاوز 30 في المئة من دخل الأسرة. لكن المشكلة أعمق من ارتفاع الإيجار وحده: المعروض الجديد في مدن عربية كثيرة يتجه إلى العقارات الفاخرة أو الاستثمارية، بينما يبقى بناء المساكن الملائمة للمداخيل المتوسطة أقل من الحاجة. وهكذا قد تمتلئ المدينة بالمشاريع الجديدة، لكنها تفتقر إلى منزل يستطيع الموظف العادي تحمّل تكلفته.
وتتكرر معادلة أخرى: أسعار تنفصل تدريجياً عن المداخيل المحلية. تجذب العواصم الكبرى المستثمرين والمغتربين والسياح، فتتأثر أسعار العقارات والمطاعم وبعض الخدمات بقدرة هذه الفئات على الدفع. في المقابل، تبقى رواتب أغلبية السكان مرتبطة بأسواق العمل المحلية. وتقدّر منظمة العمل الدولية أن متوسط الأجور الحقيقية في البلدان العربية ظل شبه مستقر في عام 2024، مع تفاوت واسع بين بلد وآخر. وهذا يعني أن الزيادات الاسمية في الرواتب لم تتحول دائماً إلى تحسن ملموس في القوة الشرائية.
ولكل مدينة نسختها الخاصة من الأزمة. في القاهرة، أدى انخفاض قيمة الجنيه والتضخم المرتفع إلى زيادة أسعار الغذاء والنقل ومواد البناء والعقارات بوتيرة أسرع من الرواتب. ويضيف الإلغاء التدريجي لعقود الإيجار القديم ضغطاً جديداً على أسر قد تضطر إلى الانتقال إلى سوق للإيجارات أعلى تكلفة أو التفاوض على عقود جديدة، فيما تبقى قدرة السكن العام على استيعاب المحتاجين محدودة.
وفي بيروت، فصل انهيار العملة والدولرة الجزئية بين أسعار تُحدَّد بالدولار ورواتب لم تستعد قيمتها. وحتى عندما يبدو سعر سلعة أو إيجار مستقراً بالدولار، يبقى مرتفعاً بالنسبة إلى أسرة تتقاضى جزءاً من دخلها بالليرة. وبحسب تقديرات البنك الدولي، خسر الاقتصاد اللبناني نحو 40 في المئة من حجمه الحقيقي بين عام 2019 ونهاية عام 2024، ما بدّد مدخرات أسر كثيرة ودفع شرائح من الطبقة المتوسطة إلى خفض مستوى معيشتها.
أما عمّان، فتجمع بين أجور محدودة وتكلفة مرتفعة للسكن والنقل والطاقة. ويضيف شح المياه نفقات لا تظهر دائماً بوضوح في مؤشرات التضخم، إذ تضطر بعض الأسر إلى شراء المياه من الصهاريج بأسعار تفوق تعرفة الشبكة العامة. وفي الدار البيضاء، يرفع تمركز الوظائف والخدمات والاستثمارات والهجرة الداخلية الطلب على السكن، بينما يعمل قسم واسع من السكان بأجور محدودة أو داخل الاقتصاد غير الرسمي.
ويفاقم ضعف الخدمات العامة الأزمة. يدفع قصور النقل الأسر إلى امتلاك سيارة أو دفع إيجار أعلى للسكن قرب العمل، فيما يجعل تفاوت المدارس والمستشفيات الحكومية التعليم والصحة الخاصين أقرب إلى الضرورة منهما إلى الرفاهية.
وتقع الطبقة المتوسطة في الفجوة الأصعب: دخلها أعلى من شروط كثير من برامج الدعم، لكنه أقل من تكلفة شراء منزل أو حماية المدخرات من التضخم. لذلك لا يكفي ضبط الإيجارات وحده. المطلوب مساكن متوسطة التكلفة، ونقل عام أفضل، وتمويل بعيد الأجل، وحماية متوازنة للمستأجر، وربط التخطيط العقاري بمداخيل السكان الفعلية، لا بعدد المشاريع والوحدات المعلنة.
نبض