تخطى الذكاء الاصطناعي اقتصاره على مفهوم برمجيات ونماذج لغوية فحسب، لبناء بنية تحتية ضخمة من الخوادم والرقائق والشبكات ومراكز البيانات، فخلف كل إجابة يولدها نموذج ذكي، وكل صورة أو فيديو يُنشأ بالذكاء الاصطناعي، نجد منظومة شركة "إنفيديا" في الريادة، التي تحولت من صانع لمعالجات الرسوميات إلى أحد أكبر المستفيدين من موجة الاستثمار العالمية في الذكاء الاصطناعي.
سجلت "إنفيديا" في الربع الأول من سنتها المالية 2027، المنتهي في 26 نيسان/ أبريل 2026، إيرادات قياسية بلغت 81.6 مليار دولار، بزيادة 85% على أساس سنوي. لكن الرقم الأكثر دلالة هو إيرادات مراكز البيانات التي بلغت 75.2 مليار دولار، أي نحو 92% من إجمالي إيرادات الشركة الفصلية.
والأهم أن أعمال مراكز البيانات نفسها تتوزع بين مكونات متعددة. فقد بلغت إيرادات الحوسبة في مراكز البيانات 60.4 مليار دولار خلال الربع، فيما وصلت إيرادات الشبكات إلى 14.8 مليار دولار، بزيادة هائلة بلغت 199% على أساس سنوي.
أين يذهب إنفاق عمالقة التكنولوجيا؟
تستثمر الشركات الكبرى مليارات الدولارات في التطوير والاستثمار للتوسع في البنية التحتية ومواكبة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والحوسبة.
فقد أعلنت "مايكروسوفت" أن إنفاقها الرأسمالي في الربع الرابع من سنتها المالية 2026 بلغ 41 مليار دولار. وقالت الشركة إن نحو ثلثي هذا الإنفاق كان على أصول قصيرة العمر، أبرزها وحدات المعالجة المركزية CPUs ووحدات معالجة الرسوميات GPUs، في وقت يتزايد فيه طلب العملاء على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
أما "ميتا"، فقد رفعت توقعاتها للنفقات الرأسمالية لعام 2026 إلى ما بين130 و145 مليار دولار، في انعكاس مباشر لحاجتها إلى توسيع البنية التحتية ومراكز البيانات لمواكبة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
ولا تتوقف موجة الإنفاق عندهما. "ألفابت"، الشركة الأم لـ"غوغل"، توقعت في بداية العام أن تراوح نفقاتها الرأسمالية في 2026 بين 175 و185 مليار دولار، مؤكدة أن الاستثمارات ستتزايد لدعم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة.
هذه الأرقام لا تعني أن كامل الإنفاق يتحول إلى "إنفيديا". فجزء منه يذهب إلى الأراضي ومراكز البيانات والطاقة وأنظمة التبريد والخوادم والرقائق الأخرى والشبكات والبرمجيات. لكن "إنفيديا" تقع في واحدة من أكثر حلقات سلسلة القيمة أهمية: القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.

لماذا يصعب الاستغناء عن "إنفيديا"؟
الميزة الأساسية لـ"إنفيديا" لا تكمن في بيع الرقائق فقط. الشركة بنت منظومة متكاملة تجمع بين وحدات المعالجة، والخوادم، والشبكات، والبرمجيات، وأدوات التطوير. وهذا يجعل شراء قدرات الذكاء الاصطناعي منها أقرب إلى شراء منظومة كاملة، لا مجرد قطعة إلكترونية.
وتظهر قوة هذا النموذج في النتائج السنوية. ففي سنتها المالية 2026، حققت "إنفيديا" إيرادات بلغت 215.9 مليار دولار، بزيادة 65% عن السنة السابقة، فيما بلغ هامشها الإجمالي وفق معايير GAAP نحو 71.1%. وفي الربع الرابع وحده بلغت إيرادات مراكز البيانات 62.3 مليار دولار.
وهنا تكمن المفارقة الاقتصادية: الشركات الكبرى تنفق مئات المليارات لبناء قدرات الذكاء الاصطناعي، بينما تحصل "إنفيديا" على جزء من هذا الإنفاق في مرحلة مبكرة من السلسلة، أي قبل أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى إيرادات إعلانية أو اشتراكات أو خدمات للمستخدم النهائي.
ارتفاع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي يولّد طلباً متزايداً على البنية التحتية لـ"إنفيديا"
إن القول إن "جزءاً من كل دولار يُنفق على الذكاء الاصطناعي يذهب إلى إنفيديا" لا يعني وجود نسبة ثابتة أو آلية محاسبية تجعل الشركة تحصل حرفياً على جزء من كل دولار.
المقصود أن ارتفاع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي يولّد طلباً على البنية التحتية التي تتخصّص "إنفيديا" في توفيرها. وكلما احتاجت شركات التكنولوجيا إلى مزيد من القدرة الحاسوبية، زادت حاجتها إلى وحدات معالجة الرسوميات والشبكات والأنظمة المتخصصة.
وهذا ما يجعل "إنفيديا" حالة استثنائية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي: قد تتنافس "مايكروسوفت" و"غوغل" و"أمازون" و"ميتا" على المستخدم النهائي والنماذج والخدمات، لكن في مرحلة البنية التحتية تجد نفسها جميعاً أمام السؤال نفسه: من أين تأتي القدرة الحاسوبية؟
حتى لو تغيّر الفائز بين نماذج الذكاء الاصطناعي، وحتى لو ظهرت تطبيقات جديدة لم يتوقعها أحد، تبقى الحاجة إلى الحوسبة قائمة. ولهذا أصبحت "إنفيديا" أشبه بـ"بائع الأدوات" في حمى ذهب رقمية جديدة: لا يحتاج إلى معرفة أي منقب سيجد الذهب، بل يستفيد من زيادة عدد المنقبين وحجم المعدات التي يحتاجون إليها.
وفي الوقت الذي تتسابق فيه شركات التكنولوجيا على إنفاق مئات المليارات لبناء مستقبل الذكاء الاصطناعي، تبدو "إنفيديا" في موقع فريد: كلما اتسعت الحمى، زاد الطلب على الأدوات التي تجعلها ممكنة.
نبض