اختبار ساهين الأول في أماك: تحويل موارد جبل قرن إلى نمو وسط تراجع الأرباح وانقطاعات الإنتاج
تواجه شركة أماك تحديات كثيرة رغم أنها تعمل في قطاع التعدين الذي يعتبر من أحد ركائز رؤية 2030 لتنويع مصادر دخل المملكة، فهل يتمكن الرئيس التنفيذي الجديد من مواجهة كل التحديات والانطلاق بالشركة؟
عودة سافاس ساهين إلى موقع تنفيذي في أماك ليست عودة إلى شركة يعرفها فحسب، بل إلى شركة تواجه اختباراً مركّباً: نتائج نصفية أضعف، انقطاع إنتاجي ساهم في خفض الأرباح إلى النصف تقريباً في ربع واحد، وتقدير موارد جديد في جبل قرن لا يزال بعيداً عن إثبات جدواه التجارية. النجاح أو الفشل في الأشهر المقبلة سيُقاس بقدرته على تحويل هذه العناصر الثلاثة إلى قصة نمو واحدة متماسكة.
ومنذ 13 آب/أغسطس 2026، يشغل المهندس سافاس ساهين موقع العضو المنتدب في شركة المصانع الكبرى للتعدين "أماك"، بعدما أنهى مجلس الإدارة بالتراضي العلاقة التعاقدية مع الرئيس التنفيذي السابق المهندس جيوفري ماكدونالد داي، من دون الكشف عن أسباب القرار. وجاءت هذه العودة قبل أسابيع فقط من إعلان الشركة، في 31 آب/أغسطس، تقديراً مستقلاً محدَّثاً لموارد مشروع جبل قرن المعدني في نجران؛ وهو تقدير جيولوجي أولي، لا اكتشاف مثبت اقتصادياً، ولا يزال بعيداً عن مرحلة الاحتياطيات القابلة للاستخراج تجارياً.
أماك شركة تعدين سعودية مدرجة في السوق الرئيسية تحت الرمز 1322، من بين عدد محدود من شركات التعدين المدرجة في السوق السعودية، وتنتج مركزات النحاس والزنك، إلى جانب الذهب والفضة، من منجم المصانع في منطقة عسير.
ساهين ليس وجهاً جديداً على الشركة؛ فقد سبق أن قادها رئيساً تنفيذياً بين عام 2017 وكانون الأول/ديسمبر 2021. لكن الشركة التي يعود إليها اليوم مختلفة عن تلك التي غادرها: النصف الأول من 2026 شهد تراجعاً في كل بنود الأداء الرئيسية، وربعاً ثانياً هبط فيه صافي الربح أكثر من النصف على أساس سنوي بفعل توقف مصنع معالجة استمر نحو أربعة أشهر. اختباره الفعلي لن يكون خبرته بالشركة، بل قدرته على منع تكرار انقطاع كهذا، واستعادة نمو الأرباح، وتحويل موارد جبل قرن – إن ثبتت جدواها – إلى مشروع تعديني فعلي لا رقم على ورق.
الاختبار الأول: من موارد على الورق إلى مشروع قائم
أظهر التقدير المستقل الذي أعدته شركة كيوب للاستشارات المحدودة الأسترالية ("كيوب كونسلتينغ")، ونشرته أماك في 31 آب/أغسطس 2026، وجود نحو 14 مليون طن من المواد المتمعدنة في مشروع جبل قرن، منها 11.3 مليون طن مصنفة موارد معدنية وفق مدونة جورك لعام 2012، إضافة إلى نحو 2.7 مليون طن من مواد متمعدنة لم تصنف بعد ضمن الموارد. ويأتي الإعلان متابعة لإفصاح سابق نشرته الشركة في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 عن اكتشاف موارد معدنية اقتصادية محتملة من خامات النحاس والزنك والذهب والفضة ضمن إحدى رخص الكشف التابعة لها في نجران، الواقعة على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غرب مجمع المصانع.
وتنقسم الموارد المصنفة، بحسب درجة الثقة الجيولوجية، إلى 7.1 مليون طن ضمن فئة "مشار إليها" الأكثر تأكيداً، و4.1 مليون طن ضمن فئة "مستنتجة" الأقل تأكيداً، وتحتوي إجمالاً على نحو 33 ألف طن من النحاس، و118 ألف طن من الزنك، و281 ألف أونصة من الذهب (نحو 8.7 طن)، و3.739 مليون أونصة من الفضة (نحو 116 طناً). وتتوزع على نوعين من التمعدن: 9.7 مليون طن متعدد المعادن بمتوسط 1.38% مكافئ نحاس، و1.5 مليون طن تمعدن ذهب بمتوسط 1.10 غرام لكل طن.
لكن هذا الرقم، مهما بدا كبيراً، لا يمثل بعد اختباراً ناجحاً؛ فالموارد المعدنية ليست احتياطيات قابلة للاستخراج بالمعنى التجاري. وتحويل جزء منها إلى احتياطيات مؤكدة يتطلب حفراً ودراسات فنية واقتصادية إضافية، تمهيداً لتحويل رخصة الكشف الحالية إلى رخصة تعدين – وهي خطوة قالت أماك إنها لا تزال تعمل عليها. وقالت الشركة إن أعمال الحفر الإضافية ستركز على دراسة امتداد التمعدن في المناطق المحيطة وعلى أعماق أكبر، إلى جانب استكشاف مناطق واعدة أخرى ضمن نطاق المشروع. الاختبار هنا ليس جيولوجياً بل إدارياً: هل تستطيع قيادة ساهين تسريع هذا المسار وتحويله إلى قرار استثماري واضح، أم يبقى جبل قرن أصلاً كامناً بلا جدول زمني؟
الاختبار الثاني: وقف تكرار انقطاعات الإنتاج
الأرقام التي ورثها ساهين ليست مشجعة. تراجعت إيرادات النصف الأول من 2026 بنسبة 4.8% إلى 455.4 مليون ريال سعودي (121.4 مليون دولار)، وهبط الربح الإجمالي 21.1% إلى 153.4 مليون ريال سعودي (40.9 مليون دولار)، والربح التشغيلي 26.8% إلى 116.5 مليون ريال سعودي (31.1 مليون دولار). وانخفض صافي الربح العائد إلى المساهمين 26.1% إلى 94.8 مليون ريال سعودي (25.3 مليون دولار)، من 128.3 مليون ريال في الفترة المماثلة من 2025، وهبطت ربحية السهم إلى 1.07 ريال من 1.45 ريال.
وفي الربع الثاني وحده، هبط صافي الربح 52.6% على أساس سنوي إلى 34.7 مليون ريال سعودي (9.2 مليون دولار)، وتراجع 42.3% مقارنة بالربع الأول من العام نفسه. وعزت أماك التراجع أساساً إلى توقف مؤقت لمصنع المعالجة التابع لمنجم المصانع، أُعلن عنه في 22 كانون الثاني/يناير 2026 واستمر حتى استئناف التشغيل في 13 أيار/مايو 2026، ما خفض الكميات المباعة من النحاس والزنك والذهب. وقالت الشركة إن ارتفاع أسعار هذه المعادن خلال الفترة خفف جزئياً من الأثر، بينما ارتفعت المصاريف العمومية والإدارية، وخفف انخفاض مصاريف رسوم الامتياز جزئياً من وطأة التراجع.
بعبارة أخرى: الشركة لم تُشر إلى ضعف الطلب أو تراجع الأسعار كسبب للتراجع؛ بل أرجعته أساساً إلى انقطاع تشغيلي واحد داخل الشركة نفسها، مع الإشارة إلى أن أسعار النحاس والزنك والفضة والذهب كانت جميعها في ارتفاع خلال الفترة. وهذا يجعل الاختبار الثاني لساهين أكثر تحديداً من الأول: منع تكرار توقفات كهذه، لا التعامل مع دورة سوقية خارجة عن سيطرته.
عائد إلى شركة يعرفها، في ظرف لا يعرفه
خلال فترته الأولى رئيساً تنفيذياً بين 2017 وديسمبر 2021، قالت أماك إن ساهين أعاد هيكلة منجم المصانع، وطوّر منجم قيان، وبدأ تشييد منجم معيض، وأشرف على تجهيز الشركة لطرحها العام الأولي الناجح في مطلع 2022. وهو عضو في مجلس إدارة أماك منذ 9 كانون الثاني/يناير 2022، ويملك خبرة تتجاوز 28 عاماً في قطاع التعدين في تركيا وأستراليا والسعودية.
هذه الخبرة تمنحه ميزة معرفية واضحة بأصول الشركة وعملياتها، تقلّص عادة فترة التعرف التي يحتاجها أي رئيس تنفيذي جديد كلياً. لكنها لا تضمن نجاحه في ظرف مختلف جوهرياً عن الفترة التي عرفها: شركة عامة الآن لا خاصة، تخضع لرقابة السوق ربعاً بعد ربع، وتحمل مشروعاً استكشافياً جديداً لم يكن قائماً حين غادر، ونتائج مالية ضعيفة تحتاج عكس مسارها بسرعة أكبر مما تحتاجه أي استراتيجية طويلة الأمد.
الصورة الأكبر: ماذا يعني النجاح هنا؟
نجاح ساهين في هذا الاختبار لن يُقاس بعبارات عامة عن "الاستقرار" أو "الثقة"، بل بثلاثة مؤشرات ملموسة يمكن للمستثمرين تتبعها في الأرباع المقبلة: استمرار تشغيل مصنع المعالجة من دون انقطاعات جديدة، تحوّل موارد جبل قرن من تصنيف جيولوجي إلى خطوات ملموسة نحو رخصة تعدين، وعودة نمو الأرباح إلى مستويات تقارب ما كانت عليه قبل توقف الإنتاج. إلى أن تتحقق هذه المؤشرات، تبقى أماك في مرحلة انتقالية، تراهن على أن معرفة قائدها بالشركة تكفي لتقصير الطريق نحو التعافي، من دون أن تضمن الوصول إليه.
نبض