التغير المناخي يهدد الاقتصاد الأزرق!

اقتصاد وأعمال 01-09-2026 | 12:37

التغير المناخي يهدد الاقتصاد الأزرق!

يستعرض المقال تأثير التغير المناخي على اقتصاد المحيطات، من ارتفاع الحرارة إلى تحمّض المياه وتأثير ذلك على الصيد والسياحة والتجارة البحرية.

التغير المناخي يهدد الاقتصاد الأزرق!
إنقاذ الثروة السمكية من الصيد الجائر أهم أسس تعزيز الاقتصاد الأزرق. (أ ف ب)
Smaller Bigger

المحيطات هي أولى ساحات التغير المناخي، وربما أكثرها كلفة اقتصادياً. فهي تمتص أكثر من 90% من الحرارة الزائدة في النظام المناخي ونحو 30% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون البشرية منذ ثمانينيات القرن الماضي. هذه الوظيفة التي خففت حتى الآن من سرعة الاحترار فوق اليابسة جعلت البحار تدفع جزءاً كبيراً من الثمن: مياه أكثر سخونة، محيطات أكثر حموضة، شعاب مرجانية تموت، أنواع بحرية تغير موائلها، ومستوى بحر يرتفع تدريجياً نحو المدن والموانئ والمنتجعات الساحلية.

المشكلة أن كل ذلك يحدث فيما يتحول "الاقتصاد الأزرق" إلى أحد أكبر محركات النمو العالمي. تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تضع القيمة المضافة للاقتصاد البحري العالمي عند نحو 2.3 إلى 2.6 تريليون دولار في 2020، فيما بلغت تجارة السلع والخدمات المرتبطة بالمحيطات نحو 2.5 تريليون دولار في 2025. وفي حال استمرار الاتجاهات التاريخية، قد ترتفع القيمة المضافة إلى نحو 5.1 تريليونات دولار بحلول 2050. لكن، هل يستطيع المناخ المتغير أن يسمح بهذا النمو؟

 

المحيط يسخن والاقتصاد يتغير معه

ارتفاع حرارة المياه ليس مجرد مؤشر علمي. إنه يعيد توزيع الثروة البحرية نفسها. فالأسماك تتحرك نحو مناطق أبرد أو أعماق أكبر، والمخزونات التي اعتمدت عليها مجتمعات ساحلية لعقود قد تعبر إلى مياه دولة أخرى. بذلك يتحول الاحترار العالمي إلى مسألة تجارة وحدود وسيادة وأمن غذائي.

بلغ الإنتاج العالمي من مصايد الأسماك والاستزراع المائي 223.2 مليون طن في 2022 بقيمة أولية تقارب 472 مليار دولار، ويعمل نحو 61.8 مليون شخص مباشرة في القطاع. لكن هذه الثروة تتعرض لضغط مزدوج: الصيد المفرط من جهة والتغير المناخي من جهة أخرى.

ويظهر تقييم منظمة الأغذية والزراعة (FAO) لعام 2025 أن 35.5% من المخزونات السمكية التي شملها التقييم تتعرض بالفعل للصيد المفرط. وحين يضاف إلى الاستنزاف ارتفاع الحرارة وتغير التيارات وتحمّض المياه، تتراجع قدرة النظم البحرية على التعافي.

 

التحمّض: الخطر الأقل ظهوراً

من أخطر آثار التغير المناخي ما يحدث بصمت تحت سطح البحر. فامتصاص المحيطات لثاني أكسيد الكربون يزيد حموضة المياه. ووجدت دراسة دولية منشورة في 2025 أن تحمّض المحيطات طال نحو 40% من المياه السطحية و60% من المياه حتى عمق 200 متر، فيما تراجعت الموائل الملائمة للشعاب المرجانية الاستوائية وشبه الاستوائية بنحو 43%.

هذه ليست مسألة تخص العلماء فقط. فالمحار والقشريات والشعاب المرجانية تمثل حلقات أساسية في سلاسل الغذاء ومصادر دخل للسياحة والصيد.

وتكمن المفارقة في أن الشعاب المرجانية تغطي أقل من 1% من قاع البحار، لكنها تدعم ما لا يقل عن 25% من الأنواع البحرية، فيما تقدر قيمة السلع والخدمات التي توفرها بنحو 2.7 تريليون دولار سنوياً.

لكن الأمم المتحدة تحذر من احتمال فقدان ما يصل إلى 90% من الشعاب المرجانية بحلول 2050 حتى إذا اقتصر الاحترار على 1.5 درجة مئوية.

 

السياحة الساحلية تفقد أصلها الطبيعي

بلغت صادرات السياحة البحرية والساحلية نحو 785 مليار دولار في 2025، وكانت هذه الأنشطة توظف نحو 79 مليون شخص بدوام كامل قبل الجائحة.

لكن موجات الحر البحرية وابيضاض الشعاب المرجانية وتآكل الشواطئ وارتفاع مستوى البحر تعني أن القطاع قد يخسر بالتدريج الأصل الذي يبيع تجربته السياحية على أساسه.

بالنسبة إلى الاقتصادات الجزرية الصغيرة، قد يتحول اختفاء شاطئ أو تدهور حاجز مرجاني إلى صدمة في الناتج المحلي والتوظيف وميزان المدفوعات دفعة واحدة.

وهنا يظهر الوجه الاقتصادي الحقيقي للتغير المناخي: لا يحتاج إلى تدمير دولة كاملة كي يصبح أزمة مالية؛ يكفي أن يزيل جزءاً من الشاطئ أو يدمر موسماً سياحياً أو يرفع كلفة التأمين والبنية التحتية.

 

الموانئ في مواجهة البحر نفسه

يمر أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية عبر البحر، وتتعامل الموانئ مع أكثر من 11 مليار طن من البضائع سنوياً. لكن ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف والفيضانات الساحلية يجعل هذه البنية التحتية أكثر عرضة للخطر. وقد تتراوح كلفة رفع الموانئ وحمايتها من ارتفاع المياه بين 30 و200 مليون دولار لكل كيلومتر مربع، بحسب الموقع والمنشأة.

وفي الوقت نفسه، يواجه قطاع الشحن تناقضاً صعباً: عليه أن يتكيف مع آثار التغير المناخي وأن يخفض مساهمته فيه. وتقدر "أونكتاد" أن إزالة الكربون من الأسطول العالمي قد تتطلب بين 8 و28 مليار دولار إضافية سنوياً حتى 2050، إلى جانب عشرات المليارات لبناء البنية التحتية للوقود منخفض أو عديم الكربون.

 

اقتصاد ينمو فوق قاعدة تهتز

لهذا لم يعد ممكناً التعامل مع حماية المحيطات بوصفها ملفاً بيئياً منفصلاً عن الاقتصاد. فالتغير المناخي يعيد تسعير الأصول البحرية نفسها: الأسماك، والشعاب، والشواطئ، والموانئ، وحتى المدن الساحلية.

السياسات الدولية بدأت تستجيب، من اتفاق الحد من دعم الصيد الضار إلى اتفاق التنوع البيولوجي في أعالي البحار، لكن فجوة التمويل لا تزال ضخمة، إذ تقدر الحاجة إلى تمويل اقتصاد محيطات مستدام بنحو 550 مليار دولار سنوياً. المفارقة أن الاقتصاد الأزرق قد يكون من أسرع اقتصادات العالم نمواً، لكنه أيضاً من أكثرها اعتماداً على مناخ مستقر.

ولهذا، فإن أكبر خطر على اقتصاد المحيطات ليس أن يتوقف نموه، بل أن يستمر بالنمو فوق نظام طبيعي يفقد قدرته على الاحتمال. عندها لن تكون الأزمة بيئية فحسب، بل انهياراً في رأس مال طبيعي تساوي قيمته تريليونات الدولارات.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/29/2026 8:48:00 PM
عاد صانع المحتوى معتذراً للطيار والشعب السوري في مقطع فيديو آخر، مؤكداً أن الموقف كان عفوياً وأنه لم يقصد الإساءة.
المشرق-العربي 8/30/2026 6:52:00 PM
تمت مداهمة مكان اختبائه في مدينة صافيتا بريف طرطوس.‏
آراء 8/30/2026 1:13:00 PM
ماذا يحدث عندما تنشأ قطيعة خطيرة وغير قابلة للإصلاح بين البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية، ويرفض البطريرك، رغم طلب السينودس، تقديم استقالته؟
لبنان 8/31/2026 2:14:00 PM
أعلنت وزارة الطاقة والمياه عن تسعيرة المولدات الكهربائية الخاصة لشهر آب 2026 مع تفاصيل الأسعار وآلية الضبط والالتزام بالتسعيرة الرسمية في لبنان