الذكاء الاصطناعي يضغط على اشتراكات البرمجيات... هل يتراجع الدفع الشهري؟

اقتصاد وأعمال 03-09-2026 | 12:01

الذكاء الاصطناعي يضغط على اشتراكات البرمجيات... هل يتراجع الدفع الشهري؟

يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة استخدام الشركات للبرمجيات، إذ بات قادراً على تنفيذ مهام كانت تتطلب التنقل بين تطبيقات متعددة. لكن هذا التحول لا يعني نهاية الاشتراكات الشهرية، بقدر ما ينذر بتراجع التسعير بحسب عدد المستخدمين وصعود الدفع في مقابل الاستخدام أو النتيجة.

الذكاء الاصطناعي يضغط على اشتراكات البرمجيات... هل يتراجع الدفع الشهري؟
ثورة الذكاء الاصطناعي (رويترز)
Smaller Bigger

أعاد صعود الذكاء الاصطناعي رسم خريطة سوق البرمجيات، بعدما انتقل تدريجياً من أداة تساعد المستخدم في أداء عمله إلى تقنية تستطيع تنفيذ بعض المهام نيابة عنه. هذا التحول يفرض ضغوطاً متزايدة على النموذج الذي اعتمدت عليه شركات البرمجيات خلال العقدين الماضيين من الزمن، والقائم على اشتراكات شهرية أو سنوية تُحتسَب في الأغلب بحسب عدد المستخدمين.

 

ويبرز في قلب هذا التحول ما يُعرف بـ"الذكاء الاصطناعي الوكيل"، أي الأنظمة القادرة على التخطيط للمهمات وتنفيذها بدرجة من الاستقلالية، عبر التعامل مع تطبيقات وقواعد بيانات مختلفة للوصول إلى النتيجة المطلوبة.

 

وقد تمكّن هذه الأنظمة الشركات من إنجاز أعمال كانت تستلزم استخدام عدة برامج أو التنقل بين واجهات متعددة. لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء تلك البرامج، إذ قد تظل تعمل في الخلفية وتوفر البيانات والبنية التشغيلية التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي الوكيل.

 

الاشتراك تحت الضغط

 

يهدد هذا التطور خصوصاً نموذج التسعير القائم على عدد المستخدمين. فإذا استطاع ذكاء اصطناعي وكيل تنفيذ عمل كان يتطلب دخول عدد من الموظفين إلى البرنامج، تصبح العلاقة التقليدية بين زيادة عدد المستخدمين وارتفاع إيرادات شركة البرمجيات أقل وضوحاً.

 

ومع اتساع استخدام هذه الأنظمة، تتزايد احتمالات انتقال القطاع إلى نماذج تسعير تعتمد على حجم الاستهلاك، أو عدد المهمات المنجزة، أو النتائج المتحققة، بدلاً من الاكتفاء باشتراك ثابت في مقابل الوصول إلى البرنامج.

 

تَظهَر مؤشرات هذا التحول بوضوح في المؤسسات المالية، التي بدأت تنتقل من اختبار تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى إدماجها في بعض عملياتها الأساسية.

 

وفق تقرير "دليل الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية"، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع شركة الاستشارات "أكسنتشر" في حزيران/يونيو 2026، تعيد مؤسسات مالية تصميم عملياتها حول أنظمة ذكية قادرة على تولي مهمات أكثر تعقيداً، مع تقليل التدخل البشري المباشر والإبقاء على الرقابة والمساءلة.

 

واستناداً إلى تقديرات مؤسسة البيانات الدولية "آي دي سي"، يشير التقرير إلى أن قيمة سوق الذكاء الاصطناعي العالمية قد تتجاوز 631 مليار دولار بحلول عام 2028. لكن هذه التقديرات، على أهميتها، تحتاج إلى التعامل معها بحذر، نظراً إلى اختلاف تعريفات السوق وسرعة تغيرها.

 

هذه الأرقام لا تعني أن الذكاء الاصطناعي حل محل البرمجيات التقليدية، لكنها تكشف اتساع حضوره في ميزانيات الشركات وقدرته على التأثير في طريقة تصميم البرمجيات وتسعيرها.

 

234 مليار دولار أمام إعادة التوزيع

 

تعطي تقديرات مؤسسة "غارتنر" صورة أوضح عن حجم التحول المحتمل. لقد توقعت المؤسسة أن يصبح ما يصل إلى 234 مليار دولار من الإنفاق على برمجيات تطبيقات المؤسسات عرضة لإعادة التوزيع أو إعادة التسعير بفعل الذكاء الاصطناعي الوكيل حتى عام 2030.

 

ويمثل هذا المبلغ نحو 20 في المئة من الإنفاق المتوقع على تطبيقات المؤسسات المقدمة وفق نموذج "البرمجيات كخدمة" في ذلك العام.

 

ولا يعني وصف هذا الإنفاق بأنه "معرض إلى الخطر" اختفاءه بالكامل، بل احتمال انتقال جزء منه من برامج واشتراكات تقليدية إلى أدوات جديدة، أو إعادة تسعيره على أساس الاستخدام والمهمات والنتائج بدلاً من عدد الموظفين المرخص لهم باستخدام البرنامج.

 

ولا يقتصر التحول على طريقة استخدام البرمجيات. وفق شركة الاستشارات "ماكينزي أند كومباني"، ازداد عدد شركات البرمجيات التي تتبنى التسعير القائم على الاستهلاك بأكثر من الضعف بين عامي 2015 و2024.

 

ويعكس ذلك اتجاهاً كان قائماً قبل الطفرة الأخيرة في الذكاء الاصطناعي، لكنه اكتسب زخماً إضافياً معها؛ ينطوي تقديم خدمات الذكاء الاصطناعي على تكاليف تشغيل متغيرة، كما أن القيمة التي يحصل عليها العميل لم تعد مرتبطة دائماً بعدد المستخدمين، بل بحجم العمل الذي ينجزه النظام.

 

مرحلة انتقالية

 

يأتي هذا التطور امتداداً لتحول أوسع شهدته صناعة البرمجيات خلال العقود الماضية. يوضح عاصم جلال، الاستشاري في العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات لدى "جي آند كيه"، في تصريحات خاصة، أن نموذج عمل شركات البرمجيات "انتقل خلال العقدين الماضيين من شراء البرنامج مرة واحدة إلى الاشتراكات الشهرية والسنوية، المعروفة بنموذج 'البرمجيات كخدمة'، الذي يمنح العميل حق الاستخدام المستمر إلى جانب التحديثات والدعم الفني".

 

ويقول جلال: "تتمثل المفارقة الحالية في أن العملاء أصبحوا يدفعون اشتراكات مستقلة في مقابل الحصول على أدوات الذكاء الاصطناعي، فيما تستطيع هذه الأدوات نفسها توفير حلول لعدد متزايد من المهمات اليومية، بدءاً من تلخيص المستندات وزيادة الإنتاجية، وصولاً إلى تحويل الملفات وتحليل البيانات وبناء تطبيقات بسيطة".

 

ويرى جلال أن البرامج الأكثر تعرضاً إلى الضغط هي الأدوات التي تؤدي مهمة واحدة محددة يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذها عند الطلب، "فالمستخدم قد لا يعود مستعداً لدفع اشتراك منفصل في برنامج لتحويل الملفات، وآخر لتلخيص النصوص، وثالث لإعداد العروض، إذا استطاعت أداة واحدة إنجاز الجزء الأكبر من هذه المهمات".

 

ومع ذلك، يشير جلال إلى أن السوق لا تزال في مرحلة انتقالية، ولم يتبلور بعد نموذج تسعير مستقر يمكن أن يحل محل الاشتراكات التقليدية.

 

إنفاق يتسارع من قاعدة محدودة

 

يعزز نمو الإنفاق على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الضغوط الواقعة على شركات البرمجيات. وفق تحليل نشرته "ماكينزي" في 2025، استناداً إلى تقديرات سوقية تعود إلى عام 2024، قفز الإنفاق العالمي للمؤسسات على تطبيقات الذكاء الاصطناعي بنحو ثمانية أضعاف خلال سنة واحدة، مقترباً من خمسة مليارات دولار.

 

وعلى الرغم من سرعة هذا النمو، ظل الرقم يمثل أقل من واحد في المئة من إجمالي الإنفاق على تطبيقات البرمجيات. يكشف ذلك أن الذكاء الاصطناعي لم يحل محل نموذج البرمجيات كخدمة على نطاق واسع، لكنه بدأ يعيد توجيه جزء من الإنفاق ويدفع الشركات إلى مراجعة منتجاتها وطرق تحقيق الإيرادات منها.

 

أما الإنفاق على الذكاء الاصطناعي نفسه فلا يخرج بالضرورة من نموذج الاشتراك. يُبَاع كثير من الأدوات الذكية حالياً باشتراكات شهرية، فيما تعتمد أدوات أخرى على عدد الرموز المستخدمة أو المهمات المنفذة، وتجمع فئة ثالثة بين رسم اشتراك أساسي وتكلفة إضافية بحسب الاستهلاك.

 

أي البرامج أكثر صموداً؟

 

لا تتساوى البرمجيات كلها في درجة تعرضها إلى هذا التحول. فالأنظمة المؤسسية الكبرى، مثل برامج تخطيط موارد المؤسسات وإدارة الموارد البشرية وإدارة علاقات العملاء، تبدو أقل قابلية للاستبدال السريع.

 

ولا تكمن قيمة هذه الأنظمة في واجهتها أو خصائصها التقنية وحدها، بل في البيانات المتراكمة داخلها، وتكاملها مع أنظمة الشركة، وقدرتها على الامتثال للأنظمة، فضلاً عن متطلبات الأمان والمساءلة ودقة السجلات المالية والإدارية.

 

ولهذا يرجح جلال أن يُدمَج الذكاء الاصطناعي داخل هذه الأنظمة بدلاً من أن يحل محلها بالكامل، "وقد يتعامل الموظف مستقبلاً مع وكيل ذكي بدلاً من فتح صفحات وقوائم متعددة، لكن الوكيل سيظل في حالات كثيرة معتمداً على النظام المؤسسي نفسه للحصول على البيانات وتنفيذ الأوامر وتوثيقها".

 

في المقابل، تواجه الأدوات البسيطة والمستقلة، ولاسيما تلك التي تؤدي وظيفة واحدة ولا تحتفظ ببيانات حيوية أو ترتبط بعمليات مؤسسية معقدة، منافسة أشد من المنصات العامة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

 

الاشتراك لن يختفي

 

لا يتوقع جلال انتهاء الاشتراكات الشهرية، بل يرجح ظهور نماذج هجينة تجمع بين الاشتراك الأساسي والدفع بحسب الاستخدام أو المهمة أو النتيجة.

 

يقول: "قد تدفع الشركات رسماً ثابتاً في مقابل الوصول إلى المنصة والحصول على الأمان والدعم والتحديثات، ثم تسدد رسوماً إضافية في مقابل ما تنفذه أنظمة الذكاء الاصطناعي من عمليات، وفي حالات أخرى، قد يرتبط السعر بعدد المعاملات المعالجة أو الوثائق التي جرى تحليلها أو الوقت الذي وفره النظام".

 

هذه النماذج تواجه بدورها تحديات، إذ يمنح الاشتراك الثابت الشركات قدرة أكبر على توقع نفقاتها، بينما قد يجعل التسعير بحسب الاستهلاك الفاتورة الشهرية أكثر تقلباً. ولهذا يبدو النموذج الهجين أقرب إلى الانتشار من الانتقال الكامل إلى الدفع بحسب النتائج.

 

وبالتالي، لا تشير التحولات الراهنة إلى نهاية وشيكة للاشتراكات الشهرية، بل إلى تراجع تدريجي في نموذج يقوم على فرض رسم ثابت عن كل مستخدم، بصرف النظر عن مقدار القيمة التي يحصل عليها.

 

لقد بدأ السؤال يتغير: لم يعد العميل يسأل فقط عن عدد الموظفين الذين يستطيعون الدخول إلى البرنامج، بل عن العمل الذي يمكن للنظام إنجازه، والتكلفة التي يوفرها، والنتيجة التي يتحمل مسؤوليتها. وهنا تحديداً تكمن المعركة المقبلة في سوق البرمجيات: لن يختفي الاشتراك، لكنه قد لا يبقى بالشكل الذي عرفناه.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/2/2026 12:14:00 PM
لم تتسلّم عناصر "الحرس الوطني" رواتبها لمدة 5 أشهر بسبب تراجع إرسال الأموال من إسرائيل. لكن المصدر يرصد عودة تقاضي العناصر للرواتب منذ بداية آب الماضي.
المشرق-العربي 9/2/2026 11:25:00 PM
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق.
لبنان 9/1/2026 10:41:00 AM
"هيئة البث الإسرائيلية": القيادة الأمنية العليا ناقشت أخيراً مسألة استمرار السيطرة على مرتفعات علي الطاهر أو تسليمها إلى الجيش اللبناني