خريطة الطاقة الجديدة: لماذا تتوسع مصافي النفط في عصر التحول الأخضر؟
تستثمر دول الخليج العربي في زيادة قدرات التكرير وتحديث المنشآت وربطها بالبتروكيماويات، فيما تتوسع الصناعة في آسيا وأفريقيا. وتضيف أزمة هرمز سؤالاً ملحّاً: ما جدوى امتلاك النفط والمصافي إذا تعثّر وصول الوقود إلى الأسواق؟
قد تبدو مصفاة نفط جديدة، بتكلفتها الباهظة وعمرها التشغيلي الطويل، استثماراً يصعب تفسيره في عالم يتوسع في السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة. لكن الوقود الذي تحتاج إليه الطائرات والشاحنات والسفن لا يزال يأتي بمعظمه من النفط، فيما تسعى الدول المنتجة إلى تصنيع جزء أكبر من مواردها، بدلاً من الاكتفاء بتصدير الخام.
لذلك، لا يتراجع التكرير بالوتيرة نفسها في كل مكان. تُغلَق منشآت وتُبنَى أخرى، وتنتقل الاستثمارات إلى مواقع أقرب إلى الخامات والأسواق، أو أقل تكلفة في التشغيل. كانت وكالة الطاقة الدولية قد توقعت، في تقرير "النفط 2025"، إضافة طاقات تكريرية تبلغ 4.2 ملايين برميل يومياً حتى عام 2030، في مقابل إغلاقات بنحو 1.6 مليون. لكنها حذّرت من أن نمو القدرات سيتجاوز نمو الطلب على المنتجات المكررة. لكن هذه تقديرات سبقت اضطرابات عام 2026.
أعادت أزمة هرمز طرح سؤال يتجاوز امتلاك النفط والمصافي: كيف يصل الوقود إلى المستهلك إذا تعطلت طرق الشحن؟ لا يحمي بناء مصفاة في الخليج صادراتها تلقائياً من اختناق المضيق، لأن المنتجات المكررة تحتاج بدورها إلى طريق آمن للخروج. لذلك، يشمل التحوط تنويع مواقع المعالجة ومنافذ التصدير، وتوفير المخزونات ومسارات النقل البديلة. لا يعني ذلك أن المشاريع الكبرى أُنشِئت استجابة للأزمة الأخيرة؛ لقد سبقتها بسنوات، لكن الاضطرابات أبرزت أهمية الخيارات التي تتيحها.
الخليج يبحث عن قيمة أكبر
توضح التجارب الخليجية أن تطوير الصناعة لا يعني دائماً بناء مصفاة أو زيادة كمية الخام التي تعالجها. في دولة الإمارات العربية المتحدة، يتيح مشروع "مرونة النفط الخام" في الرويس بأبوظبي، الذي أعلنت "أدنوك" اكتماله، معالجة ما يصل إلى 420 ألف برميل يومياً من خامات أثقل وأعلى محتوى كبريتياً. ولا يمثل الرقم إضافة مماثلة إلى الطاقة الإجمالية، بل تطويراً يمنح الشركة خيارات أوسع في تحديد الخامات التي تكررها وتلك التي تصدّرها، بحسب ظروف السوق.
وفي المملكة العربية السعودية، يجسد مشروع "أميرال" التوجه نحو التكامل البتروكيماوي. اتخذت "أرامكو السعودية" و"توتال إنرجيز" قرار الاستثمار فيه في عام 2022، بنحو 11 مليار دولار، ليتكامل مع مصفاة "ساتورب" في الجبيل، ويشمل إنتاج 1.65 مليون طن من الإيثيلين سنوياً. والهدف توسيع تصنيع مواد تدخل في منتجات استهلاكية وصناعية، إلى جانب نشاط الوقود.
أما دولة الكويت، فأضافت مصفاة الزور بطاقة تصميمية تبلغ 615 ألف برميل يومياً عند معالجة الخام الكويتي الخفيف. ويجمع المشروع بين توفير وقود مخفوض الكبريت لمحطات الكهرباء المحلية وإنتاج مشتقات للأسواق الخارجية، بما يخدم احتياجات البلاد وطموحاتها التصديرية معاً.
وفي سلطنة عُمان، تقدم مصفاة الدقم مثالاً على التعاون الخليجي، بشراكة متساوية بين "أوكيو" و"مؤسسة البترول الكويتية العالمية". افتُتحت في عام 2024 بطاقة أولية تبلغ 230 ألف برميل يومياً، رُفِعت لاحقاً إلى نحو 255 ألفاً. ويمنحها موقعها على بحر العرب ميزة في مواجهة اضطرابات هرمز، إذ تصل إليها الناقلات من المحيط الهندي من دون عبور المضيق. هنا، تصبح جغرافيا المصفاة جزءاً من قيمتها الاقتصادية والأمنية.
وتراهن مملكة البحرين على تحديث منشآتها؛ تذكر "بابكو إنرجيز" أن برنامج التحديث رفع طاقة المصفاة إلى 405 آلاف برميل يومياً، مع تحسين كفاءة الطاقة. وفي دولة قطر، تبرز معالجة المكثفات المرتبطة بإنتاج الغاز: لقد ضاعف تشغيل "لفان 2" في نهاية عام 2016 طاقة مصفاتي لفان إلى 292 ألف برميل يومياً. وهي تجربة أقدم، لكنها توضح تنوع سبل زيادة قيمة الموارد الهيدروكربونية.
التوسع لا يضمن الربح
خارج الخليج، تستحوذ الصين والهند على جانب رئيسي من إضافات الطاقة المتوقعة. وفي أفريقيا، تمثل مصفاة دانغوتي النيجيرية، المصممة أساساً لمعالجة 650 ألف برميل يومياً، مشروعاً لتقليص الاعتماد على الوقود المستورد. لكن نجاحها يرتبط أيضاً بتأمين الخام بتكلفة تنافسية وإيصال المنتجات إلى المشترين.
في المقابل، تستمر إغلاقات بعض المنشآت الغربية. وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن إغلاق مصفاتين خلال عام 2025 أزال نحو 400 ألف برميل يومياً من الطاقة المتاحة. وتتداخل في هذه القرارات تكلفة التشغيل والصيانة وتوقعات الطلب والمتطلبات البيئية؛ لا يفسرها عامل واحد.
لا يلغي هذا التوسع التحول الأخضر، ولا يعفي الصناعة من تحديات الانبعاثات. هو يعكس استمرار الحاجة إلى الوقود، واختلاف سرعة التحول بين الأسواق. والمصفاة التي تبدو مربحة في أزمة إمدادات قد تواجه منافسة أشد حين تستقر السوق. لذلك، يتوقف نجاح الاستثمار على كفاءة المنشأة ومرونتها، وعلى قدرتها على تأمين الخام وإيصال منتجاتها بعائد مجدٍ طوال عمرها. وقد أكدت أزمة هرمز أن الطريق إلى السوق لا يقل أهمية عن القدرة على الإنتاج.
نبض