لبنان - فجوة التمويل تهدّد الـ100 ألف دولار... فهل تتعثر إعادة الودائع؟
لا يزال النقاش في مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع المعروف بـ"قانون الفجوة المالية" يراوح مكانه، وتتزايد الاعتراضات عليه، ما يهدّد بإعادته إلى المربع الأول. فبعض مندرجات المشروع سقطت في لجّة المزايدات والحسابات الضيّقة بين القطاع المصرفي من جهة، والدولة اللبنانية من جهة أخرى، في وقت ينقسم فيه مجلس النواب بين متبنٍّ لتوجّهات المصارف ومطالبها، ومؤيّد لتوجّهات الدولة وطرحها.
فالعقدة المثيرة للجدل التي يواجهها المشروع حالياً تتمثل في "شريحة الـ100 ألف دولار" التي تطال جميع المودعين. فهل سيُحسم ما تقاضاه المودع سابقاً عبر التعميمين 158 و166 من أصل هذا المبلغ، أم ستُعتبر تلك السحوبات خارج الحسبة، ويسدّد للمودع كامل مبلغ الـ100 ألف دولار المقرّر؟
إضافة إلى ذلك، يحاول بعض النواب والوزراء والسياسيين ورجال الأعمال النافذين عرقلة مقترح يطالهم مباشرة، يقضي بفرض ضريبة نسبية قد تصل إلى 20% على من سدّد قروضه بالدولار الأميركي عبر شراء شيكات من السوق، وليس من وديعته، بما أتاح له تحقيق أرباح على حساب المودعين، ولا سيما أن غالبية هذه القروض تتجاوز المليون دولار، فيما يبلغ بعضها عشرات الملايين.
وتكمن إحدى نقاط الجدل في أن مشروع القانون، الذي سيبدأ مجلس النواب ولجانه بدراسته، تناول بصورة أساسية القروض التي سُدّدت بالليرة على أساس سعر 1500 ليرة للدولار، فيما أغفل، عمداً أو عن غير قصد، الأرباح التي تحققت من شراء شيكات مصرفية بأسعار متدنية واستخدامها لتسديد القروض بالدولار. وهنا يكمن دور مجلس النواب في تعديل هذا الخلل الفاضح.

صندوق النقد يراقب
هذا الخلاف يهدّد إمّا بتأخير إقرار قانون الفجوة المالية في المجلس النيابي، أو بإسقاط صيغة الـ100 ألف دولار وإعادة المودعين إلى نقطة الصفر. وفيما يجمع المحللون والخبراء على خطورة هذا التعثر وتشرذم الموقف الرسمي، يقف صندوق النقد الدولي مراقباً ما ستقرره الدولة والبرلمان، فيما باتت التحذيرات من تداعيات تأخير الحلّ على علاقة لبنان بالصندوق وعلى فرص التعافي معروفة.
ويقترح مشروع القانون المطروح ضمان استرداد أول 100 ألف دولار لكل مودع، من دون حسم المبالغ التي سبق أن حصل عليها المودعون بموجب التعميمين 158 و166. غير أن تطبيق هذا البند، وفق المعطيات المتوافرة، يصطدم بفجوة تمويلية كبيرة، إذ إن إعادة 100 ألف دولار لكل مودع تحتاج إلى نحو 16 مليار دولار، بينما لا تتوافر حالياً الموارد الكافية لتغطية هذا المبلغ.
وتبلغ موجودات مصرف لبنان القابلة للاستخدام نحو 11.5 مليار دولار، منها نحو ملياري دولار تعود للدولة، فيما يُفترض الإبقاء على نحو 4 مليارات دولار في الحد الأدنى من الاحتياطي. وبذلك، لا يستطيع مصرف لبنان تخصيص أكثر من نحو 6 مليارات دولار للمودعين خلال السنوات الأربع المقبلة. أما المصارف، فتقدّر قدرتها القصوى على المساهمة بنحو 4.5 مليارات دولار، ما يرفع إجمالي الموارد المتاحة إلى نحو 10.5 مليارات دولار. ومع مساهمة الدولة بنحو ملياري دولار، يصل المجموع إلى نحو 12.5 مليار دولار، وهو أقل من الكلفة المطلوبة لضمان 100 ألف دولار لكل مودع بنحو 4 مليارات دولار.
وتبرز كذلك مشكلة تتعلق بالعدالة بين المودعين. فعدم احتساب ما حصل عليه بعض المودعين بموجب التعميمين 158 و166 ضمن مبلغ الـ100 ألف دولار يعني أن مودعاً استفاد سابقاً من هذه الآليات سيفيد بأكثر من 100 ألف دولار، فيما يحصل مودع آخر لم يفد من التعاميم على 100 ألف دولار فقط.

3 حلول في التداول
تُطرح 3 حلول عملية: تمديد فترة سداد الـ100 ألف دولار من 4 إلى نحو 6 سنوات في الحد الأدنى، أو خفض المبلغ المضمون إلى نحو 75 ألف دولار لجميع المودعين، أو زيادة مساهمة الدولة إلى نحو 5 مليارات دولار خلال 4 سنوات، وهو خيار يبدو صعباً في ظل الوضع المالي للدولة والتزاماتها المستقبلية.
أما بالنسبة إلى الودائع التي تتجاوز 100 ألف دولار، فيُفترض أن يحصل صاحب الوديعة على المبلغ المضمون أولاً، أي 100 ألف دولار حسب مشروع القانون، فيما يعاد الجزء الباقي على المدى الطويل من خلال سندات معززة بموجودات مصرف لبنان، وتستحق هذه السندات خلال 10 أو 15 أو 20 سنة، بحسب قيمة الوديعة. ويقوم مشروع القانون على مبدأ أن يضمن مصرف لبنان نحو 80% من الودائع الباقية، فيما تتحمّل المصارف النسبة الباقية، أي 20%.
ومن بين المقترحات التي يمكن أن تسهم في تأمين الموارد اللازمة لرفع سقف الودائع المضمونة، فرض ضريبة تصاعدية على الأرباح التي تحققت من تسديد قروض كبيرة عبر شراء شيكات مصرفية بأسعار تقل كثيراً عن قيمتها الفعلية.
عقدة تسديد القروض بالشيكات
وفي التفاصيل، يتضمّن أحد الاقتراحات فرض ضريبة بنسبة 10% على من سدّد قرضه في عام 2020، و15% على من سدّده في عام 2021، و20% على من سدّده اعتباراً من عام 2022، باعتبار أن الانخفاض الأكبر في قيمة الشيكات حصل لاحقاً، ما أتاح تحقيق أرباح أكبر للمستفيدين من هذه العمليات. وبالطبع، تحوَّل عائدات هذه الضريبة إلى صندوق استرداد الودائع.
وبحسب التقديرات المطروحة، يمكن أن تؤمّن هذه الضريبة ما بين ملياري دولار و3 مليارات دولار، بما يسهم في سدّ جزء كبير من الفجوة التمويلية، ورفع إمكانية ضمان الـ100 ألف دولار للمودعين.
نبض