100 يوم على حكومة الزيدي: اقتصاد العراق أمام اختبار هرمز والنفط والسيولة

اقتصاد وأعمال 31-08-2026 | 11:04

100 يوم على حكومة الزيدي: اقتصاد العراق أمام اختبار هرمز والنفط والسيولة

يواجه الاقتصاد العراقي تحديات كبيرة بسبب تراجع صادرات النفط وأزمة السيولة، مع جهود لإصلاح الاقتصاد وتنويعه.

100 يوم على حكومة الزيدي: اقتصاد العراق أمام اختبار هرمز والنفط والسيولة
اجتماع للحكومة العراقية برئاسة على الزيدي. (أ ف ب)
Smaller Bigger

بعد مرور 100 يوم على منح مجلس النواب الثقة لحكومة رئيس الوزراء علي الزيدي في 14 أيار/مايو 2026، تجد السلطة التنفيذية نفسها أمام أحد أصعب الاختبارات الاقتصادية والمالية خلال السنوات الأخيرة، في ظل تزامن اختلالات مزمنة في بنية الاقتصاد العراقي مع صدمة خارجية مفاجئة تمثلت في إغلاق مضيق هرمز وتراجع الصادرات النفطية الجنوبية، التي تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الخزينة العامة.

وتراجعت الصادرات النفطية العراقية بنحو 75%، فلم تعد البلاد تصدّر سوى قرابة ربع الكميات التي كانت تصدّرها قبل اندلاع الحرب. وانعكس ذلك مباشرة على الإيرادات العامة والسيولة وقدرة الحكومة على تمويل الإنفاق، وأعاد إلى الواجهة هشاشة الاقتصاد الريعي ومدى تعرض المالية العراقية للصدمات الخارجية.

وتكشف أرقام تنفيذ الموازنة حجم هذه الهشاشة. فقد بلغت الإيرادات العراقية نحو 35.95 تريليون دينار حتى نهاية حزيران/يونيو 2026، شكّلت الإيرادات النفطية نحو 80% منها، فيما لم تتجاوز الإيرادات غير النفطية الخُمس تقريباً. وكانت نسبة الاعتماد على النفط أعلى خلال الأشهر السابقة، إذ بلغت 84% حتى نهاية أيار/مايو، فيما أظهرت بيانات عام 2025 أن النفط وفّر نحو 90% من إجمالي إيرادات الدولة.

وتتحول هذه النسب إلى أزمة سيولة حقيقية عند مقارنتها بحجم الالتزامات الشهرية للحكومة. فالدولة تحتاج إلى نحو 10.8 تريليونات دينار شهرياً لتغطية الرواتب والالتزامات الأساسية، فيما قُدّرت فاتورة الرواتب والأجور والتقاعد والرعاية الاجتماعية والمدفوعات المرتبطة بها بنحو 8 تريليونات دينار، أي ما يعادل نحو 6.1 مليارات دولار شهرياً، وفق تقديرات حكومية أخرى.

وتشمل هذه الالتزامات نحو 10 ملايين مستفيد من الدخل الحكومي، إلى جانب متطلبات السلة الغذائية التي يستفيد منها نحو 40 مليون عراقي، ما يجعل تقليص الإنفاق الجاري مهمة شديدة الحساسية سياسياً واجتماعياً.

ومن هنا، لم يعد ملف الرواتب مجرد بند تقليدي في الموازنة، بل تحول خلال الأشهر الأولى من عمر الحكومة إلى مؤشر مباشر على قدرتها على إدارة السيولة والحفاظ على الاستقرار المالي.

 

العراق يواجه أزمة سيولة. (أ ف ب)
العراق يواجه أزمة سيولة. (أ ف ب)

 

وظهرت بالفعل مؤشرات مبكرة على صعوبة التمويل، مع تعثر رواتب موظفي دوائر التمويل الذاتي في آذار/مارس بالتزامن مع تداعيات إغلاق مضيق هرمز، قبل أن تتزايد المخاوف لاحقاً مع اتساع فجوة الإيرادات. وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن رواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكات الرعاية الاجتماعية ما زالت مؤمّنة، لكن ذلك يجري في ظل اللجوء إلى أدوات تمويل واقتراض وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق.

 

الإنفاق الاستثماري يدفع الثمن

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على السيولة، إذ فرض انخفاض الإيرادات النفطية على الحكومة تجميد أو تقليص جانب مهم من الإنفاق الاستثماري، في وقت يحتاج فيه العراق إلى استثمارات واسعة في الكهرباء والمياه والبنية التحتية والصناعة والزراعة.

ووفق المعطيات الحكومية، دفعت الضغوط على الإيرادات الدولة إلى إعطاء الأولوية للنفقات التشغيلية، وفي مقدمتها الرواتب والأجور والمعاشات والرعاية الاجتماعية والأمن والخدمات الأساسية، على حساب الإنفاق الاستثماري، مع اتجاه الحكومة إلى الاقتراض لتغطية جزء من التزاماتها.

وتضع هذه المعادلة الحكومة أمام تحدٍّ مزدوج: فمن جهة، يتعين عليها حماية الإنفاق الاجتماعي والخدمات الأساسية لمنع انعكاس الأزمة على المواطنين، ومن جهة أخرى، تحتاج إلى مواصلة الإنفاق الاستثماري الضروري لتحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل وتقليل الاعتماد على النفط.

 

محاولة لتوسيع الإيرادات

في مواجهة هذه الضغوط، تحاول حكومة الزيدي تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة ترتيب الاقتصاد العراقي، عبر دفع ملفات الإصلاح المصرفي، وإعادة هيكلة القطاعين المصرفي والتأميني، والإصلاح الضريبي والجمركي، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتشجيع القطاع الخاص والاستثمار وتنويع مصادر الدخل.

كما بدأت الحكومة إجراءات تتعلق بتحصيل الضرائب والرسوم الجمركية وتنظيم التحويلات الخارجية، في محاولة لتقليص الاقتصاد النقدي ومكافحة الهدر والتهرب وتعزيز موارد الخزينة.

غير أن هذه الإجراءات تحتاج إلى وقت حتى تتحول إلى موارد مالية قادرة على تعويض الانخفاض الحاد في الإيرادات النفطية، ما يجعل قدرة الحكومة على إدارة المرحلة الانتقالية عاملاً حاسماً في نجاح برنامجها الاقتصادي.

وفي هذا السياق، يقول المستشار الاقتصادي والمالي لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح لـ"النهار" إن "حكومة الزيدي تتعامل مع التحديات الاقتصادية والمالية الحالية باعتبارها مرحلة استثنائية تتطلب إجراءات عاجلة ومتوازنة، والحكومة تعمل على تأمين الالتزامات الأساسية للدولة، وفي مقدمتها رواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكات الحماية الاجتماعية، بالتوازي مع معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي".

ويضيف صالح أن "توقف أو تراجع صادرات النفط عبر مضيق هرمز فرض ضغوطاً كبيرة على الإيرادات والسيولة النقدية، إلا أن الحكومة وضعت مجموعة من الإجراءات للتعامل مع تداعيات الأزمة وتقليل آثارها على المالية العامة. والأولوية في المرحلة الحالية تتمثل في الحفاظ على الاستقرار المالي وعدم السماح بانعكاس الأزمة النفطية بصورة مباشرة على دخل المواطنين والخدمات الأساسية".

وأوضح أن "الحكومة تعمل في الوقت نفسه على زيادة الإيرادات غير النفطية من خلال تطوير آليات التحصيل الضريبي والجمركي، ومكافحة التهرب والهدر المالي، وتنظيم حركة الأموال والتحويلات الخارجية، بما يعزز موارد الخزينة ويحد من الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية".

 

إصلاح مصرفي وتنويع اقتصادي

وأكد صالح أن "ملف إصلاح القطاع المصرفي يمثل أحد المحاور الأساسية في البرنامج الاقتصادي للحكومة، والعمل يجري باتجاه إعادة تنظيم القطاع المصرفي ورفع كفاءته وتعزيز دوره في تمويل الاقتصاد والاستثمار، إلى جانب تطوير قطاع التأمين وتحسين البيئة المالية بما يسمح للقطاع الخاص بأداء دور أكبر في النشاط الاقتصادي".

وتابع أن "الحكومة لا تنظر إلى الأزمة الحالية باعتبارها أزمة سيولة فقط، وإنما فرصة لإعادة ترتيب أولويات الاقتصاد العراقي. واستمرار الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات يجعل المالية العامة عرضة للصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية".

وشدد على أن "الحكومة تسعى إلى حماية الإنفاق الضروري، مع إعادة النظر في أوجه الإنفاق غير ذات الأولوية، بما يضمن توجيه الموارد المتاحة نحو الرواتب والخدمات والمشاريع ذات الأهمية الاقتصادية، وعدم تحميل الدولة التزامات مالية جديدة لا تتناسب مع مستوى الإيرادات المتحققة".

وأضاف أن "الحكومة تعمل كذلك على تحسين بيئة الاستثمار ودعم القطاع الخاص، باعتبارهما من الأدوات الأساسية لتنويع الاقتصاد وخلق فرص العمل وزيادة الإيرادات. فمعالجة البيروقراطية وتسهيل الإجراءات وتوفير بيئة مصرفية وتمويلية مستقرة ستكون من الملفات التي تحظى باهتمام حكومي خلال المرحلة المقبلة".

وشدد المستشار الحكومي على أن "الحكومة تدرك حجم التحديات، ولا سيما في ظل استمرار تداعيات أزمة صادرات النفط، لكنها في الوقت نفسه تمتلك مجموعة من الأدوات المالية والاقتصادية للتعامل معها. والعمل الحكومي يتركز حالياً على عبور المرحلة الاستثنائية بأقل كلفة ممكنة، مع تأسيس إصلاحات تمنع تكرار الأزمات ذاتها مستقبلاً".

وختم صالح بالقول إن "تقييم الحكومة بعد مرور 100 يوم لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإنفاق أو مستوى الإيرادات، وإنما يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة الظروف الاستثنائية التي واجهتها، ومدى قدرتها على الحفاظ على الاستقرار المالي والاجتماعي، والبدء بإصلاحات اقتصادية حقيقية تقلل تدريجياً من اعتماد العراق على النفط".

 

الصادرات النفطية العراقية متعثرة (أ ف ب)
الصادرات النفطية العراقية متعثرة (أ ف ب)

 

هرمز يكشف هشاشة نموذج التصدير

تزداد صعوبة المهمة مع اعتماد العراق على ممر بحري واحد لتصدير الجزء الأكبر من إنتاجه النفطي. وتشير التقديرات الحكومية إلى أن نحو 85% من النفط العراقي يمر عبر مضيق هرمز، فيما تتجه قرابة 70% من الصادرات النفطية العراقية إلى الأسواق الآسيوية.

ومع استمرار الأزمة، طرحت بغداد مسارات بديلة للتصدير، من بينها تطوير خطوط باتجاه ميناء جيهان التركي، ودراسة مسارات أخرى عبر سوريا والأردن. إلا أن هذه الخيارات تحتاج إلى بنى تحتية واتفاقات سياسية وفنية، ولا تستطيع تعويض الكميات المفقودة بصورة فورية.

وتكشف هذه المعادلة أن أزمة هرمز لم تكن مجرد أزمة تصدير نفطي، بل اختباراً عملياً لقدرة الاقتصاد العراقي على الصمود أمام أي اضطراب في طرق تصدير الخام، خصوصاً مع محدودية البدائل وسرعة انعكاس انخفاض الصادرات على الخزينة.

 

إرث مالي يصعب تغييره خلال أشهر

ولا ترتبط الأزمة التي تواجه حكومة الزيدي بمئة يوم فقط، بل بإرث مالي واقتصادي تراكم على مدى سنوات. فقد أظهرت بيانات عام 2025 أن النفقات الجارية تجاوزت 96.3 تريليون دينار خلال الأشهر العشرة الأولى، بينها نحو 55 تريليون دينار لرواتب الموظفين، و15.99 تريليون دينار للمتقاعدين، و4.73 تريليونات دينار للرعاية الاجتماعية.

وتوضح هذه الأرقام حجم الالتزامات الثابتة التي يصعب خفضها سريعاً عندما تتراجع الإيرادات النفطية، خصوصاً أن جانباً كبيراً من الإنفاق العام يرتبط برواتب وأجور ومعاشات وبرامج دعم اجتماعي لا يمكن التعامل معها باعتبارها نفقات قابلة للتقليص الفوري.

وعليه، تدخل حكومة الزيدي مرحلة ما بعد المئة يوم أمام سؤال اقتصادي يتجاوز مجرد تأمين رواتب شهر أو سد فجوة مالية مؤقتة: هل تستطيع بغداد إعادة بناء نموذج مالي أكثر تنوعاً وأقل ارتهاناً للنفط، أم أن أزمة هرمز ستبقى تكشف هشاشة الاقتصاد العراقي في كل مرة تتعرض فيها صادرات الخام لصدمة خارجية؟

فالاختبار الحقيقي للحكومة لن يكون فقط في قدرتها على عبور أزمة السيولة الحالية، وإنما في قدرتها على استثمارها لإعادة صياغة العلاقة بين الإيرادات والإنفاق، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وخلق قطاع خاص أكثر قدرة على النمو، بما يحول دون بقاء الموازنة العراقية رهينة لتقلبات سوق النفط ومسارات تصديره.

أبقيتُ الاقتباسات المنسوبة إلى مظهر محمد صالح كما وردت، مع تنقيح لغوي محدود فقط، ولم أغيّر مضمون الأرقام أو المعلومات الواردة في النص.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/29/2026 8:48:00 PM
عاد صانع المحتوى معتذراً للطيار والشعب السوري في مقطع فيديو آخر، مؤكداً أن الموقف كان عفوياً وأنه لم يقصد الإساءة.
المشرق-العربي 8/30/2026 6:52:00 PM
تمت مداهمة مكان اختبائه في مدينة صافيتا بريف طرطوس.‏
آراء 8/30/2026 1:13:00 PM
ماذا يحدث عندما تنشأ قطيعة خطيرة وغير قابلة للإصلاح بين البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية، ويرفض البطريرك، رغم طلب السينودس، تقديم استقالته؟
العالم 8/29/2026 4:03:00 AM
تُوّج روكيدي الرابع ملكاً في 12 أيلول/سبتمبر 1995، وهو في الثالثة من عمره، عقب وفاة والده روكيراباسايجا باتريك ديفيد ماثيو كابويو أوليمي الثالث.