الدول تغرق في الديون… فمن يربح؟
يمكن للأسواق أن تستمر في استيعاب الإصدارات الحكومية، خصوصاً في الاقتصادات الكبرى، لكن بعوائد أعلى. فالسعر والعائد هما الآلية التي توازن بين حجم المعروض من الدين والطلب المتاح عليه.
مع ارتفاع ديون الحكومات واحتياجاتها المتزايدة إلى التمويل، يبرز سؤال أساسي: من سيشتري كل هذه الديون؟ فالحكومات تموّل جزءًا من احتياجاتها عبر إصدار السندات في الأسواق، فيما يتولى المستثمرون شراء هذه السندات مقابل عائد على استثمارهم. لذلك، لا تكمن المشكلة بالضرورة في غياب الطلب على الدين الحكومي، بل في العائد الذي يطلبه المستثمرون لتمويله.
ومع ارتفاع مخاطر التضخم وكثرة الإصدارات وتزايد المخاوف المالية والسياسية، ترتفع العوائد المطلوبة، وترتفع معها كلفة الاقتراض على الحكومات. وبين حكومات تحتاج إلى التمويل ومستثمرين يعيدون تقييم العائد الذي يستحقه هذا التمويل، تصبح سوق السندات الحكومية ساحة رئيسية لتحديد كلفة الدين عالمياً.
وفق صندوق النقد الدولي، ارتفع الدين العام العالمي إلى نحو 94% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025؛ ومن المتوقع أن يصل إلى 100% بحلول 2029، في ظل ضغوط متزايدة على المالية العامة وارتفاع أعباء الفائدة.
تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يصل اقتراض الحكومات والشركات من أسواق السندات إلى 29 تريليون دولار في 2026، بزيادة 17% مقارنة بعام 2024. والأهم أن جزءاً كبيراً من هذا الاقتراض سيذهب إلى إعادة تمويل ديون قائمة؛ فقد بلغت احتياجات إعادة التمويل لدى حكومات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو 13.5 تريليون دولار في 2025، أي ما يقارب 80% من إجمالي الاقتراض.
من يشتري هذا الدين؟
المشترون ليسوا جهة واحدة، بل هم طيفٌ من الأشخاص والكيانات تشمل: البنوك، شركات التأمين، صناديق التقاعد، مديري الأصول والمستثمرين الأجانب، إلى جانب البنوك المركزية. لكن بحسب كبير محلّلي الأسواق المالية في FxPro، ميشال صليبي، لا تكمن المشكلة حالياً في غياب المشترين، بل في تسعير السندات. فالمستثمرون ما زالوا موجودين، لكنهم أصبحوا أكثر انتقائية، ويطالبون بعائد أعلى مقابل المخاطر المرتبطة بالتضخم وكثافة الإصدارات والأوضاع المالية والسياسية.
ولا يعني ارتفاع الدين وحده أن الدولة أصبحت أكثر عرضة لأزمة؛ فالمعيار يعتمد أيضاً على عدّة عوامل منها: سعر الفائدة، معدل النمو الاقتصادي، الإيرادات العامة، آجال استحقاق الدين وقدرة الدولة على إعادة تمويله. فقد تتحمّل دولة ديناً مرتفعاً لسنوات إن كان اقتصادها ينمو ولديها قاعدة واسعة من المستثمرين، بينما قد تواجه دولة ذات دين أقلّ ضغوطاً أسرع إن كان جزء كبير من ديونها قصير الأجل أو مقوّماً بعملة أجنبية.
موجة بطيئة لإعادة تسعير الدين
لا ينتقل ارتفاع أسعار الفائدة فوراً إلى كامل الدين الحكومي. فالسندات القديمة ذات الكلفة المنخفضة تستمر حتى موعد استحقاقها، قبل أن تُستبدل تدريجاً بإصدارات جديدة ذات عوائد أعلى. ويصف صليبي هذه العملية بأنها "موجة بطيئة من إعادة تسعير الدين".
هنا، يصبح الخطر أكثر إلحاحاً عندما يبقى معدل الفائدة الفعلي على الدين أعلى من معدل نمو الاقتصاد لفترة طويلة، خصوصاً إن كانت الحكومة تسجّل عجزاً، لأن نسبة الدين إلى الناتج يمكن أن تستمرّ في الارتفاع حتى من دون أزمات أو برامج إنفاق استثنائية.
ارتفاع العائد… فرصة أم إشارة خطر؟
ارتفاع عوائد السندات يحمل وجهين؛ فهو يعني للمستثمر عائداً أعلى، لكنه يعني للحكومة كلفة اقتراض أكبر. ويرى صليبي أن ارتفاع العوائد قد يكون فرصة استثمارية ومؤشرَ خطر في الوقت نفسه، بحسب سبب الارتفاع والجهة المصدرة للسند.
فإذا ارتفعت العوائد بسبب السياسة النقدية أو التضخم، فقد تمثل فرصة، خصوصاً إن كانت أسعار الفائدة تقترب من ذروتها، وبدأ التضخم بالتراجع. أما إذا ارتفعت بسبب تدهور الجدارة الائتمانية أو المخاوف المالية، فقد يكون العائد المرتفع تعويضاً للمستثمر عن مخاطر أكبر، مثل انخفاض قيمة العملة أو التضخم أو إعادة هيكلة الدين.
أميركا… حين يصبح السعر هو الرسالة
تقدّم الولايات المتحدة مثالاً واضحاً على هذه المعادلة. فقد تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً 5.3% في آب/أغسطس، مسجّلاً أعلى مستوى له منذ عام 2007، وسط ضغوط مرتبطة بزيادة الإصدارات الحكومية والمخاوف بشأن الدين والإنفاق والتضخم.
ولا تعني هذه المستويات أن المستثمرين توقّفوا عن شراء الديون الأميركية، بل إن ارتفاع العائد يمثل - في جوهره - السعر الذي يطلبه المستثمر مقابل الاحتفاظ بدين طويل الأجل في بيئة تتزايد فيها احتياجات الاقتراض والمخاطر.
المشكلة في الكلفة لا في الطلب
يمكن للأسواق أن تستمر في استيعاب الإصدارات الحكومية، خصوصاً في الاقتصادات الكبرى، لكن بعوائد أعلى. فالسعر والعائد هما الآلية التي توازن بين حجم المعروض من الدين والطلب المتاح عليه. وبالتالي، لا تحتاج الحكومة بالضرورة إلى فقدان المشترين حتى تواجه مشكلة، إذ يمكن أن يستمر الطلب على سنداتها، بينما ترتفع الكلفة التي تدفعها مقابل هذا التمويل.
في الوقت نفسه، تغيّر هيكل سوق السندات. فقد تراجعت حصة البنوك المركزية من السندات الحكومية إلى نحو 20% في 2025، مقارنة بذروة بلغت 30% في 2021، ما عزّز دور المستثمرين الآخرين، وبينهم المستثمرون الأكثر حساسية للأسعار، في استيعاب الإصدارات الجديدة.
وهكذا، قد لا تكون المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الحكومات على العثور على مشترين بقدر ما ستكون اختباراً لقدرتها على الحصول على التمويل بكلفة يمكن تحمّلها. فمع استمرار ارتفاع الدين وإعادة تمويل كميات ضخمة من السندات، لا يعود السؤال الأهم فقط: كم تقترض الحكومات؟ بل هل يستطيع نموّ الاقتصاد وإيراداته مواكبة كلفة هذا الدين؟
نبض