قنبلة صامتة في قاع الأطلسي: 200 ألف برميل من النفايات المشعة... وبعضها بدأ يتسرّب

العالم 31-08-2026 | 10:05

قنبلة صامتة في قاع الأطلسي: 200 ألف برميل من النفايات المشعة... وبعضها بدأ يتسرّب

هناك بالفعل تسرب من بعض الحاويات، لكن لا يوجد حتى الآن دليل على كارثة إشعاعية واسعة النطاق؛ والخطر الحقيقي هو معرفة ما إذا كانت المواد المشعة تتسرب إلى السلسلة الغذائية البحرية.

قنبلة صامتة في قاع الأطلسي:  200 ألف برميل من النفايات المشعة... وبعضها بدأ يتسرّب
أحد البراميل المتهالكة وفيها نفايات نووية مشعة في قاع الأطلسي. (بعثة مسح ورصد موقع التفريغ النووي في المحيط)
Smaller Bigger

على عمق يقارب خمسة كيلومترات تحت سطح شمال شرقي الأطلسي، ترقد واحدة من أغرب تركات العصر النووي: أكثر من 200 ألف برميل من النفايات المشعة، ألقتها دول أوروبية في البحر خلال النصف الثاني من القرن العشرين. لعقود مضت، كانت هذه البراميل مشكلة منسية. أما في صيف 2026، فقد وصل العلماء إليها، وشاهدوا للمرة الأولى وبوضوح كبير براميل متآكلة وممزقة، وبعضها يفرغ محتوياته مباشرة في قاع المحيط، وسجلوا "نويدات مشعة" مرتبطة بالنفايات بمستويات أعلى من المتوقع محلياً. أما حجم الضرر البيئي الفعلي، فلا يزال قيد التحليل.

 

كان المحيط جزءاً من خطة التخلص من النفايات

القصة تعود إلى بدايات الصناعة النووية. بين عامي 1949 و1982، استخدمت دول أوروبية قاع شمال شرقي الأطلسي للتخلص من نفايات منخفضة ومتوسطة النشاط الإشعاعي. وتشير بيانات لجنة OSPAR (مسماة تيمناً باتفاقيات أوسلو وباريس أو Oslo and Paris Conventions) إلى إلقاء أكثر من 150 ألف طن من المواد بنشاط إشعاعي إجمالي قُدّر آنذاك بنحو 42.4 بيتابكريل. وكانت البراميل تُملأ بمواد مشعة ممزوجة بالإسمنت أو البيتومين، ثم تُلقى إلى أعماق تراوح غالباً بين 3000 و5000 متر.

 

التفصيل الأشد إثارة للقلق اليوم هو أن هذه البراميل لم تُصمَّم أصلاً لتبقى محكمة الإغلاق إلى الأبد. تقول وثيقة OSPAR إن الهدف كان "إبقاء المحتويات داخل الحاوية خلال السنوات الأولى، كي تتحلل النظائر قصيرة العمر، على أن يصبح لاحقاً التحرر البطيء للنفايات وانتشارها في البيئة البحرية جزءاً من مفهوم التخلص نفسه". بمعنى آخر، كان الرهان العلمي حينها على التخفيف الهائل الذي توفره مياه المحيط.

 

لم يكن ما أُلقي وقوداً نووياً عالي النشاط، وفق البيانات المتاحة، بل نفايات منخفضة ومتوسطة النشاط: راتنجات ومرشحات ومعدات ومواد ملوثة ومخلفات منشآت نووية وغيرها. لكن "منخفض النشاط" لا يعني قصير العمر بالضرورة؛ فبعض نظائر البلوتونيوم يمكن أن يبقى مشعاً عشرات أو مئات آلاف السنين.

 

العلماء يعودون بعد نصف قرن

التحول الحقيقي بدأ مع مشروع بعثة مسح ورصد موقع التفريغ النووي في المحيط (NODSSUM – Nuclear Ocean Dump Site Survey and Monitoring) الذي يقوده المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) بمشاركة مؤسسة Ifremer البحثية وهيئة الأمان النووي والحماية من الإشعاع الفرنسية ومؤسسات أوروبية أخرى.

 

في حملة عام 2025، استخدم العلماء الروبوت المستقل (UlyX) القادر على الغوص حتى 6000 متر. والمنطقة التاريخية موضع الدراسة هائلة، وتبلغ مساحتها نحو 14,500 كيلومتر مربع، لكن الروبوت رسم بدقة نحو 165 كيلومتراً مربعاً فقط، أي أقل من اثنين في المئة منها. ورغم ذلك، عثر على أكثر من 3500 برميل، ظهرت أعداد منها مصطفة تقريباً وفق مسارات كانت تسلكها سفن الإغراق، وفقاً لمجموعة Connaissance des Énergies التي تعمل على تعزيز الوعي العام بجميع الموضوعات المتعلقة بالطاقة. وجمعت الحملة نحو 5000 ليتر من المياه، ومئات العينات من الرواسب، إضافة إلى أسماك وقشريات، فيما أظهرت الصور تفاوتاً هائلاً في حالة البراميل: بعضها بدا متماسكاً، وبعضها متآكلاً أو مشوهاً أو مفتوحاً، بحسب معهد Thünen Institute البيئي.

 

صورة متخلية للبراميل المشعة بقاع الأطلسي، مولدة بالذكاء الاصطناعي
صورة متخلية للبراميل المشعة بقاع الأطلسي، مولدة بالذكاء الاصطناعي

 

ثم جاءت المرحلة الأخطر في الفترة بين 27 أيار/مايو و28 حزيران/يونيو 2026: نحو 30 عالماً على متن السفينة الفرنسية "Pourquoi Pas?"، و20 غوصة بالغواصة المأهولة "Nautile" إلى أكثر من 4700 متر عمقاً. هذه المرة، لم يكن الهدف النظر من بعيد، بل الوصول إلى محيط البراميل مباشرة وأخذ عينات ملاصقة لها.

 

نعم، بعض البراميل يسرّب مواد مشعة!

المشاهد كانت حاسمة: حاويات شديدة التآكل، ومواد خرجت بالفعل من بعضها وانتشرت فوق الرواسب المحيطة. كما اكتشف الفريق أن البراميل نفسها تحولت خلال العقود الماضية إلى ما يشبه "جزر صلبة" وسط القاع الطيني، فاستوطنتها الطحالب والإسفنج والسرطانات وكائنات أخرى، بحسب Connaissance des Énergies. وهنا تكمن المسألة البيئية الأهم: هل صارت المواد المشعة المتسربة متاحة بيولوجياً للكائنات الحية؟ وهل تنتقل من الرواسب إلى الميكروبات، ثم اللافقاريات والأسماك، ومنها إلى البشر من خلال السلسلة الغذائية؟

 

يقول تقرير نشره الموقع الخاص بمجموعة Connaissance des Énergies: "رصدت أجهزة القياس الميدانية إشارات واضحة لـلكوبالت-60 والنيوبـيوم-94 المرتبطين بالنفايات، إضافة إلى السيزيوم-137 والأميريسيوم-241 بمستويات أعلى من الخلفية المتوقعة في الموقع. وفي الوقت نفسه يشدد العلماء على أن النشاط المقاس بقي محدوداً بما يكفي بحيث لم يتطلب التعامل مع العينات إجراءات استثنائية للحماية من الإشعاع. وهذه نقطة مهمة: وجود تلوث إشعاعي قابل للقياس لا يساوي حتى الآن إثبات كارثة إشعاعية واسعة النطاق".

 

وبحسب آخر تحديث رسمي في 18 آب/أغسطس 2026، انتقلت أجزاء من العينات إلى مختبرات متخصصة، بينها المركز الوطني للمسرّعات وجامعة إشبيلية، لتحليل النظائر شديدة الانخفاض في التركيز. أي أن الحكم النهائي على مقدار الانتقال داخل النظام البيئي لا يزال سابقاً لأوانه.

 

هل تصل المشكلة إلى شواطئ أوروبا؟

ليس هناك حالياً ما يبرر سيناريو "سحابة إشعاعية بحرية" تتجه نحو فرنسا أو إسبانيا. العمق الكبير، والتيارات البطيئة، وقدرة بعض "النويدات" على الارتباط بالرواسب قد تحد من الإبحار مسافات بعيدة. والمراقبة التي أجريت في العقود السابقة لم تجد جرعات إشعاعية ذات دلالة صحية على السكان.

 

لكن هذا لا يحسم المسألة بيئياً. ما لم يكن معروفاً جيداً في السبعينيات هو أن الأعماق السحيقة ليست صحارى بيولوجية. ثمة نظم بيئية معقدة وبطيئة النمو، وبعض الكائنات يعيش عشرات أو مئات السنين. فإذا أصبحت نظائر طويلة العمر قابلة للامتصاص بيولوجياً، فقد تتحول المشكلة من تسرب كيميائي بطيء إلى عملية تدوير إشعاعي داخل النظام البيئي تستمر أجيالاً. وهذا بالتحديد ما تحاول بعثة NODSSUM قياسه.

 

لماذا لم تُنتشل البراميل؟

نظرياً، يمكن انتشال برميل نووي من الأعماق. فالولايات المتحدة نجحت بالفعل في سبعينيات القرن الماضي في استعادة حاويات من مواقع على عمق 2800 و3800 متر باستخدام غواصات ومعدات رفع خاصة. لكن العملية كانت معقدة حتى عندما كان عمر البراميل أقل كثيراً وحالتها أفضل كثيراً.

 

أما اليوم، فإن محاولة رفع برميل صدئ عمره نصف قرن قد تؤدي إلى تفككه أثناء الإمساك به أو صعوده، وبالتالي تفشي مواد ملوثة في الماء. وبعد وصوله إلى السطح، تظهر مشكلة أخرى: أين يوضع؟ وكيف يُنقل؟ وكيف يعالج؟ ثم اضرب هذه الصعوبات في مئات آلاف الحاويات المبعثرة على آلاف الكيلومترات المربعة. لهذا، لا توجد حالياً خطة فرنسية أو أوروبية لانتشال هذه البراميل. المهمة الحالية علمية وتشخيصية قبل أي شيء آخر.

 

سفينة مراقبة لمنظمة غرينبيس في الأطلسي. (أ ف ب)
سفينة مراقبة لمنظمة غرينبيس في الأطلسي. (أ ف ب)

 

ما الحلول الواقعية المطروحة؟

تتحدث المنظمات البيئية المتخصصة في أربعة مسارات، ليس بينها اي حل سحري:

 

المسار الأول هو الأكثر واقعية - المراقبة طويلة الأمد: ينبغي إكمال الخريطة، تحديد "النقاط الساخنة"، قياس التيارات والرواسب والأنواع الحية، ثم إنشاء خط أساس إشعاعي يسمح بمقارنة التغيرات كل عدة سنوات. هذا هو الاتجاه العملي لبعثة NODSSUM في مرحلته الحالية.

 

المسار الثاني هو الانتشال الانتقائي لا الجماعي: إذا أظهرت التحاليل وجود عدد محدود من الحاويات التي تشكل مصدراً مرتفعاً للتلوث، يمكن التفكير بروبوتات الأعماق في عزلها أو رفعها داخل حاويات احتواء خارجية. التجارب التاريخية تثبت إمكان ذلك تقنياً، لكن كل حالة تحتاج إلى تحليل مخاطر مستقل.

 

المسار الثالث هو العزل في الموقع لبعض البؤر شديدة التلوث: يتم ذلك من خلال تغطية الرواسب أو تثبيتها بمواد تمنع إعادة تعليقها وانتقال الملوثات. والتغطية، والتجريف الانتقائي، و"التعافي الطبيعي المراقَب" هي أدوات معروفة لمعالجة الرواسب الملوثة. لكنها لم تُعتمد بعد حلاً لهذا الموقع تحديداً، وتطبيقها على عمق يقارب خمسة كيلومترات سيكون تجربة هندسية هائلة بحد ذاتها.

 

أما المسار الرابع فسياسي وقانوني: إنشاء برنامج أوروبي دائم تموله الدول التي استخدمت الأطلسي كمكب، مع قاعدة بيانات علنية لكل البراميل والمواقع المعروفة، ومنع أي نشاط مستقبلي – كالتعدين في الأعماق – من تعريض المواقع الملوثة للاضطراب. وقد طالبت "غرينبيس إسبانيا" الاتحاد الأوروبي والحكومة الإسبانية بتحمل مسؤولية التحقيق المستمر في هذا الإرث النووي.

 

من سجلات "غرينبيس"!

لهذه القصة فصل يصعب تجاهله: منذ أواخر السبعينيات، كانت قوارب "غرينبيس" المطاطية تدخل فعلياً بين سفن النفايات والبحر. وفي عام 1982، أُلقي برميل فوق أحد قوارب الناشطين أثناء احتجاج على السفينة الهولندية "Rijnborg". ساهم الضغط الشعبي والسياسي في وقف الإغراق، وجاء الوقف الاختياري في عام 1983، ثم حظرت OSPAR إلقاء النفايات منخفضة ومتوسطة النشاط في شمال شرقي الأطلسي في عام 1992، واعتمدت اتفاقية لندن الحظر العالمي في عام 1993، ودخل حيز التنفيذ في عام 1994.

 

المفارقة أن الصور التي كان الناشطون البيئيون يلتقطونها على سطح البحر قبل أكثر من أربعين عاماً نجد امتدادها اليوم على عمق 4700 متر: البراميل نفسها، بعدما أكلها الصدأ واستوطنتها الكائنات البحرية.

 

الخلاصة العلمية، حتى نهاية آب/أغسطس 2026، واضحة لكنها غير مكتملة: هناك بالفعل تسرب من بعض الحاويات، وهناك "نويدات" مشعة من النفايات يمكن قياسها في محيطها. لكن، لا يوجد حتى الساعة دليل يثبت أن البراميل كلها، وعددها 200 ألف برميل، تتسرب جميعاً أو أن هناك خطراً إشعاعياً واسعاً على سكان أوروبا. المعركة الآن ليست لانتشال ربع مليون برميل دفعة واحدة، فهذا غير واقعي، بل لمعرفة أي البراميل أخطر، وإلى أين تذهب ملوثاتها، وهل تدخل في السلسلة الحية... ثم التدخل انتقائياً حيث تكون كلفة تركها أكبر من كلفة لمسها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/29/2026 8:48:00 PM
عاد صانع المحتوى معتذراً للطيار والشعب السوري في مقطع فيديو آخر، مؤكداً أن الموقف كان عفوياً وأنه لم يقصد الإساءة.
المشرق-العربي 8/30/2026 6:52:00 PM
تمت مداهمة مكان اختبائه في مدينة صافيتا بريف طرطوس.‏
آراء 8/30/2026 1:13:00 PM
ماذا يحدث عندما تنشأ قطيعة خطيرة وغير قابلة للإصلاح بين البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية، ويرفض البطريرك، رغم طلب السينودس، تقديم استقالته؟
العالم 8/29/2026 4:03:00 AM
تُوّج روكيدي الرابع ملكاً في 12 أيلول/سبتمبر 1995، وهو في الثالثة من عمره، عقب وفاة والده روكيراباسايجا باتريك ديفيد ماثيو كابويو أوليمي الثالث.