صعود اليمين المتطرف... هل يهدد الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو؟
تتقدم الأحزاب القومية والمتطرفة في بلدان أوروبية عدة، لكنها لا تشكل كتلة واحدة ولا تتبنى الموقف نفسه من الاتحاد واليورو. لذلك لا يبدو التفكك وشيكاً، لكن الخطر يكمن في تحويل الاتحاد إلى تكتل أبطأ أداء وأكثر انقساماً، وفي إثارة اضطرابات مالية إذا وصلت هذه القوى إلى الحكم في اقتصاد كبير مثل فرنسا أو ألمانيا.
لم يعد اليمين المتطرف قوة هامشية في أوروبا. حصدت الأحزاب القومية والمتشددة، بمختلف اتجاهاتها، نحو ربع الأصوات في انتخابات البرلمان الأوروبي في عام 2024. وتضم مجموعة "وطنيون من أجل أوروبا" حالياً 86 نائباً، ما يجعلها ثالث أكبر كتلة في البرلمان. لكن هذه الأحزاب لا تتحرك كجبهة موحدة؛ هي تختلف في شأن روسيا وأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي والإنفاق العام ومستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه، كما أن عدداً من أبرزها لم يعد يضع الخروج من الاتحاد الأوروبي أو منطقة اليورو في مقدمة أولوياته، بل يسعى إلى تقليص صلاحيات بروكسل وتقوية الحكومات الوطنية.
تخلى "التجمع الوطني" الفرنسي عن الدعوة الصريحة إلى خروج فرنسا من الاتحاد، فيما اختارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني التعاون مع المؤسسات الأوروبية والحفاظ على قدر من الانضباط المالي. وأظهرت تجربتها أن الوصول إلى الحكم قد يدفع الأحزاب المتشددة إلى الواقعية، وخصوصاً عندما تعتمد الدولة على التمويل الأوروبي وثقة الأسواق.
لكن الوضع مختلف في ألمانيا، حيث لا يزال حزب "البديل من أجل ألمانيا" يطرح الانسحاب من منطقة اليورو أو إعادة بناء الاتحاد جذرياً. وأظهرت استطلاعات حديثة تقدمه على المستوى الوطني وارتفاع تأييده إلى أكثر من 40 في المئة في ساكسونيا-أنهالت. ومع ذلك، لا يزال "جدار الحماية" الذي تفرضه الأحزاب الرئيسية يمنعه من المشاركة في الحكومة الاتحادية.
فرنسا... الاختبار الأصعب
تمثل الانتخابات الرئاسية الفرنسية في عام 2027 الاختبار الأكثر حساسية، لأن فرنسا ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو بعد ألمانيا وأحد محوري الاتحاد إلى جانبها. ولا يدعو "التجمع الوطني" حالياً إلى ترك العملة الموحدة، لكن وصوله إلى الحكم قد يفتح مواجهة مع بروكسل حول الإنفاق والتقاعد والهجرة وأولوية القانون الوطني.
وتزداد حساسية المشهد بسبب وضع المالية العامة. فقد يبلغ الدين الفرنسي نحو 118 في المئة من الناتج المحلي في عام 2026، مع عجز يقارب خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد يصل الدين إلى 130 في المئة بحلول عام 2030 إذا استمر المسار الحالي، وفق تقرير أعده اقتصاديون بتكليف حكومي.
لذلك قد يؤدي أي برنامج إنفاق واسع وغير ممول إلى ارتفاع عوائد السندات الفرنسية واتساع الفارق بينها وبين السندات الألمانية. ولن يعني ذلك انهيار اليورو تلقائياً، لكن احتواء أزمة ديون فرنسية سيكون أكثر صعوبة بسبب حجم الاقتصاد وتشابكه مع مصارف وأسواق المنطقة.
التهديد يأتي من الداخل
يستطيع صعود اليمين إبطاء عمل الاتحاد حتى من دون إسقاطه. قد تعطل الحكومات القومية قرارات تحتاج إلى الإجماع، مثل العقوبات والسياسة الخارجية والميزانية والتوسع. وقد تزيد الانقسام في شأن حجم الدعم لأوكرانيا، وتشدد الحدود على حساب حرية التنقل، وتبطئ سياسات المناخ، وتدفع نحو حماية الصناعات الوطنية ولو على حساب السوق الموحدة.
ولا يحتاج اليمين إلى الحكم منفرداً لكي يكبر أثره. يدفع نجاحه الانتخابي أحزاب الوسط إلى تبني مواقف أشد في الهجرة والمناخ والإنفاق، ما ينقل النقاش الأوروبي كله نحو اليمين. ومع ذلك، لا يبدو خروج جماعي من الاتحاد أو اليورو قريباً. ثمة قيود تفرضها المحاكم والدساتير والمؤسسات الأوروبية والأسواق، إضافة إلى استمرار التأييد الشعبي للعملة الموحدة.
الخطر الحقيقي، إذاً، ليس اختفاء الاتحاد، بل تغير طبيعته: أوروبا أقل اندماجاً وأبطأ في اتخاذ القرار وأكثر تعرضاً إلى الصدمات السياسية والمالية. ويتوقف حجم هذا التحول على ما إذا كان اليمين سيكسر عزلته في ألمانيا، ويصل إلى السلطة في فرنسا، ثم يختار الصدام مع أوروبا أو التكيف معها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
طقس نهاية الأسبوع في لبنان: ماطر بغزارة مع برق ورعد واحتمال تساقط حبات من البرد وتشكّل السيول
نبض