الدولار والسندات والذهب... أيّ ملاذ يصمد في زمن الحروب والتضخم؟

اقتصاد وأعمال 28-08-2026 | 12:15

الدولار والسندات والذهب... أيّ ملاذ يصمد في زمن الحروب والتضخم؟

تواجه الملاذات الآمنة اختباراً غير مألوف: الدولار يستفيد من الفائدة والسيولة العالمية لكنه يتأثر بمخاوف الدين، والسندات الأميركية تمنح عوائد مرتفعة لكن أسعارها تعاني، فيما يواصل الذهب صعوده على الرغم من أنه لا يدفع فائدة. أين تكمن الحماية الأفضل؟

الدولار والسندات والذهب... أيّ ملاذ يصمد في زمن الحروب والتضخم؟
الدولار والذهب: إيهما "الملاذ الآمن"؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تعد عبارة "الملاذ الآمن" تعني أصلاً واحداً يصلح للأزمات كلها. تتزامن حرب إيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز والعقوبات الأميركية والتوترات التجارية مع تضخم أميركي عنيد، ودين فيديرالي يتجاوز الـ 40 تريليون دولار، وقلق متزايد في سوق السندات. في هذه البيئة، قد يحمي أصلٌ المستثمر من الركود، لكنه يخسره عند ارتفاع التضخم، بينما يستفيد أصل آخر من الحرب، ثم يتراجع عند أول إشارة إلى رفع معدلات الفائدة. لذلك، لا يبدأ السؤال من تحديد "أفضل ملاذ" في صورة مطلقة، بل من معرفة الخطر الذي يريد المستثمر حماية أمواله منه.

 

استقرّ مؤشر الدولار في 28 آب/ أغسطس قرب 99.18 نقطة، حول أعلى مستوى له في أسبوع، مستفيداً من الطلب على السيولة وتوقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية. وكانت الأسواق تسعّر احتمالاً بنحو 35 في المئة لرفع الفائدة في أيلول/سبتمبر، ثم يرتفع الاحتمال إلى نحو 75 في المئة في الفترة الفاصلة بين أيلول ونهاية العام.

 

تنبع قوة الدولار من موقعه في قلب النظام المالي العالمي. هو العملة الرئيسية للتجارة والتمويل والاحتياطيات، كما أنه وجهة الشركات والمصارف والمستثمرين المعتادة عندما يحتاجون إلى سيولة سريعة خلال الأزمات. وتعزز العقوبات على إيران هذه المكانة في الأجل القريب؛ تهدد واشنطن بحرمان الدول والشركات التي تواصل التعامل مع طهران من الوصول إلى النظام المالي الدولاري. لكن استخدام العملة أداة ضغط بصورة متكرّرة قد يشجّع بعض الدول، على المدى البعيد، على تنويع احتياطياتها وتقليص اعتمادها على الدولار.

 

لا تعني قوة العملة في سوق الصرف أنها تحافظ بالضرورة على قوتها الشرائية. لقد ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي في الولايات المتحدة 3.7 في المئة على أساس سنوي في تموز/يوليو، مقارنة بهدف مجلس الاحتياطي الفيديرالي البالغ اثنين في المئة. وهكذا، قد يبقى الدولار قوياً أمام عملات أخرى، بينما تتآكل قيمته الحقيقية بفعل ارتفاع الأسعار.

 

السندات الأميركية ليست كلها متشابهة

 

الحديث عن قوة السندات الأميركية أو ضعفها يحتاج إلى التمييز بين آجالها. تختلف أذون الخزانة قريبة الأجل، التي تستحق خلال أشهر، جذرياً عن سندات العشر سنوات أو الثلاثين سنة. وتوفر الأذون عائداً مرتفعاً نسبياً مع تقلب سعريّ محدود، ما يجعلها من أقوى أدوات السيولة والحفاظ النسبي على القيمة الاسمية في الظروف الحالية. لكنها لا تضمن حماية القوة الشرائية إذا تجاوز التضخم العائد، كما أن المستثمر يواجه خطر انخفاض العائد عندما يحين موعد تجديدها، إذا بدأ مجلس الاحتياطي الفيديرالي خفض الفائدة.

 

أما السندات بعيدة الأجل، فتواجه معادلة أكثر صعوبة. يبلغ عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات نحو 4.68 في المئة؛ وارتفاع العائد يعني انخفاض سعر السند. ويعكس ذلك استمرار التضخم وكثرة الإصدارات الحكومية وطلب المستثمرين تعويضاً أكبر في مقابل إقراض واشنطن لسنوات طويلة.

 

تحاول وزارة الخزانة الأميركية تخفيف الضغط عبر زيادة عمليات إعادة شراء السندات بعيدة الاستحقاق. وأدى الإعلان في 19 آب إلى انخفاض العوائد وتراجع مؤشر الدولار 0.84 في المئة، فيما قفز الذهب بأكثر من أربعة في المئة. لكن إعادة الشراء لا تعني شطب الدين أو تقليص حجمه؛ هي تهدف أساساً إلى تحسين سيولة السوق، واستبدال بعض الإصدارات الأقلّ تداولاً. ولذلك، يمكن للعملية تهدئة الاضطراب، لكنها لا تعالج مصدر القلق المتعلق بالعجز وتراكم الاقتراض.

 

مع ذلك، لا ينبغي إعلان نهاية دور السندات بعيدة الاستحقاق بوصفها ملاذاً؛ فهي قد تصبح من أفضل الأصول أداءً إذا دخل الاقتصاد الأميركي في ركود واضح وتراجع التضخم، لأن خفض الفائدة يؤدي عادةً إلى ارتفاع أسعار السندات القائمة. أما إذا بقي التضخم مرتفعاً، واستمرت الإصدارات الضخمة، فقد تتعرض أسعارها إلى مزيد من الضغط.

 

وفي منطقة وسطى، تبرز سندات الخزانة المحمية من التضخم (تيبس)، التي ترتبط قيمتها الاسمية بمؤشر أسعار المستهلك. بلغ العائد الحقيقي على أجل عشر سنوات نحو 2.34 في المئة، ما يوفر حماية مباشرة نسبياً من التضخم إلى جانب عائد حقيقي إيجابي لمن يحتفظ بالسند حتى الاستحقاق. لكنها، على غرار بقية السندات، تظل عرضة إلى تقلّب السعر إذا بيعت قبل ذلك.

 

الذهب... تحوط من الحرب والدين

 

اتجه الذهب إلى الاستقرار قرب 4,604 دولارات للأونصة في 28 آب، بعدما بلغ نحو 4,696 دولارات في وقت سابق من الأسبوع. وكان مرتفعاً بنحو الثلث على أساس سنوي، مستفيداً من الحرب والعقوبات ومخاطر هرمز والقلق من الدين الأميركي ومستقبل العملات الورقية.

 

ويحصل المعدن على دعم إضافي من المصارف المركزية، التي اشترت صافياً نحو 289 طناً خلال الفصل الثاني من عام 2026، بزيادة سنوية بلغت 62 في المئة. لكن الصورة ليست صعودية بالكامل؛ بقيت المشتريات في النصف الأول من العام ككل عند أدنى مستوى منذ عام 2022، بعدما كان الطلب أضعف في الفصل الأول.

 

وتكمن قوة الذهب في أنه لا يمثل التزاماً على حكومة أو شركة. كذلك يقلّل الذهب المادي المحتفظ به مباشرة "مخاطر الطرف المقابل"، أي احتمال تعثر حامله عن التسديد، ما يعزز جاذبية المعدن في عالم تتوسع فيه العقوبات والانقسامات السياسية. أما الذهب المحفوظ لدى جهات أجنبية أو المستثمر فيه عبر صناديق وأدوات مالية، فقد يبقى عرضة لمخاطر الحجز أو القيود أو الطرف الوسيط.

 

لكن الذهب ليس مثالياً. هو لا يدرّ فائدة أو توزيعات؛ ولذلك يتعرض عادةً إلى ضغط عندما ترتفع العوائد الحقيقية. ويزيد صعوده الكبير احتمال التصحيح وجني الأرباح، إذا تشدّد مجلس الاحتياطي الفيديرالي أو هدأت المخاطر الجيوسياسية.

 

هرمز يبدل قواعد الملاذ الآمن

 

تؤثر اضطرابات مضيق هرمز في الملاذات من خلال النفط والتضخم في الوقت نفسه. تراجع خام "برنت" في 28 آب إلى نحو 89 دولاراً للبرميل، وكان متجهاً إلى خسارة أسبوعية تتجاوز الـ 5 في المئة، مع تحسّن صادرات دول الخليج إلى نحو 15-16 مليون برميل يومياً، وإن بقيت دون مستويات ما قبل الأزمة.

 

وإذا استمر تحسن الملاحة، فقد تنخفض علاوة الخطر في النفط والذهب، وتتراجع مخاوف التضخم. أما عودة المواجهة وتعطل الإمدادات، فستدعم الذهب والدولار في المرحلة الأولى، لكنها قد ترفع أسعار الطاقة والتضخم والعوائد، فتضغط على السندات بعيدة الأجل.

 

وهنا تظهر خصوصية الأزمة الحالية: الحرب لا تدفع الملاذات كلها في الاتجاه نفسه. قد يرتفع الذهب بسبب الخوف، بينما تنخفض السندات، لأن الحرب رفعت النفط والتضخم المتوقع.

 

أيّ ملاذ هو الأفضل؟

 

تعتمد الإجابة على نوع الصدمة. في أزمة جيوسياسية مفاجئة، توفر السيولة الدولارية وأذون الخزانة قريبة الأجل حماية سريعة. وفي مواجهة التضخم أو تراجع الثقة بالمالية الأميركية، يبدو الذهب والسندات المحمية من التضخم أكثر ملاءمة. أما في الركود والانكماش، فقد تتفوق سندات الخزانة بعيدة الاستحقاق.

 

ويمكن أن يؤدي الفرنك السويسري دوراً مكمّلاً عندما تكون المخاطر مرتبطة بالولايات المتحدة نفسها. لكن احتمال تدخل المصرف الوطني السويسري للحدّ من ارتفاع عملته يضع سقفاً لمكاسبها. أما الين الياباني، فقد أصبحت صفته الدفاعية أقلّ موثوقية، لأن اليابان تعتمد على استيراد الطاقة وتتضرر من ارتفاع النفط.

 

ولا يمكن وضع العملات المشفرة في المرتبة نفسها مع الذهب أو أذون الخزانة. قد تستفيد هذه العملات من المخاوف المتعلقة بالعملات والسياسات الحكومية، لكنها شديدة التقلب، وقد تهبط مع الأصول الخطرة عندما يحتاج المستثمرون إلى السيولة. ومن منظور إدارة المخاطر، يبدو الجمع بين السيولة وأذون الخزانة القريبة الاستحقاق والذهب والسندات المحمية من التضخم أكثر توازناً من الرهان على أصل واحد. الدولار يلبي الحاجة إلى السيولة، والأذون توفر عائداً قريب الأجل، والذهب يتحوط من الحرب وفقدان الثقة، بينما تساعد "تيبس" في حماية القوة الشرائية.

 

وفي عالم تتعدد فيه مصادر الخطر، لم يعد الملاذ الأفضل هو الأصل الذي لا يتراجع أبداً، فهذا الأصل غير موجود، بل المزيج القادر على الصمود أمام أكثر من سيناريو.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/26/2026 8:40:00 PM
عثر الأهالي عليه مقتولا بطلق ناري في الرأس على حافة أحد الطرق.
اقتصاد وأعمال 10/14/2025 11:12:00 AM

لا يكمن سرّ النهضة الاقتصادية في الأرقام المالية وحدها، بل في تطوير البنية التحتية لأحد أكثر القطاعات التي تحرّك الأسواق وتسرّع النمو: قطاع الخدمات اللوجستية.

لبنان 8/26/2026 5:00:00 PM
ضبطهما صاحب أحد محال المجوهرات أثناء قيامهما بسرقة مجوهرات بطريقة احترافيّة تعتمد على الخفّة
لبنان 8/26/2026 7:18:00 PM
أعلن المكتب الإعلامي للنائب اللبناني جبران باسيل أنه خضع لعملية جراحية بسيطة تكلّلت بالنجاح، مؤكداً أن وضعه الصحي ممتاز وأنه سيستأنف نشاطه السياسي المعتاد اعتباراً من الغد.