هل أصبح تسارع الذكاء الاصطناعي أسرع من قدرة أسواق العمل والحكومات على استيعابه؟

اقتصاد وأعمال 28-08-2026 | 14:09

هل أصبح تسارع الذكاء الاصطناعي أسرع من قدرة أسواق العمل والحكومات على استيعابه؟

يتقدم الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات وأسواق العمل على التكيّف معه، مهدداً بإزاحة وظائف وتوسيع عدم المساواة. وبينما يحمل فرصاً كبيرة للإنتاجية والصحة والتعليم، تتوقف عدالة توزيع مكاسبه على سرعة تطوير التعليم والتدريب والحماية الاجتماعية وتنظيم مخاطره.

هل أصبح تسارع الذكاء الاصطناعي أسرع من قدرة أسواق العمل والحكومات على استيعابه؟
تختلف ثورة الذكاء الاصطناعي عن التحولات الصناعية السابقة في عامل أساسي هو السرعة (رويترز)
Smaller Bigger

تتقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بوتيرة تبدو أسرع من قدرة المجتمعات وأسواق العمل والحكومات على مواكبتها. ويثير هذا التحول مخاوف من أن تتحول مكاسب التكنولوجيا إلى مصدر جديد للبطالة وعدم المساواة واتساع فجوة العدالة الاجتماعية في العالم.

ويعكس التحذير الأخير الذي أطلقه بيل غيتس، أحد مؤسسي "مايكروسوفت"، تحولاً لافتاً في خطاب أحد أبرز المتفائلين بالتكنولوجيا. ففي مقالة طويلة، حذّر من أن الذكاء الاصطناعي يتقدم بوتيرة أسرع من استعداد الحكومات والمجتمعات للتعامل مع تداعياته، مشيراً إلى أن هذه الثورة قد تعيد رسم خريطة الوظائف، وتفتح الباب أمام مخاطر سيبرانية وبيولوجية، وتزيد احتمال تطوير أنظمة تزداد صعوبة مراقبتها والتحكم في سلوكها.

ولا يتبنى غيتس نظرة متشائمة بالكامل، فهو لا يزال يرى في الذكاء الاصطناعي فرصة لتحسين الصحة والتعليم والإنتاجية. لكنه يحذر من أن هذه المكاسب لن تتوزع تلقائياً بعدالة، وأن غياب السياسات المناسبة قد يجعل التكنولوجيا مصدراً جديداً للاضطراب والتفاوت.

وغيتس ليس الصوت الوحيد الذي يطلق التحذيرات. فمن مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى المؤسسات المالية الدولية، ومنظمات الأمم المتحدة إلى قادة سياسيين ودينيين، يتسع القلق من فجوة قد تصبح الأخطر في المرحلة المقبلة: الفجوة بين سرعة تطور التكنولوجيا وسرعة قدرة الإنسان والدولة على التكيّف معها.

 

وظيفة العامل في قلب العاصفة

 

أدت الثورة الصناعية الأولى، مع انتشار المصانع والآلات في القرن الثامن عشر، إلى تراجع مهن تقليدية وظهور وظائف جديدة، مثل عمال المصانع ومشغلي الآلات والمهندسين والعاملين في السكك الحديدية. واليوم تعيد ثورة الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل بطريقة مشابهة، فتتراجع بعض المهام الروتينية، في مقابل ظهور وظائف جديدة مثل مهندسي الذكاء الاصطناعي وعلماء البيانات ومطوّري الأنظمة الذكيّة.

لكن ثورة الذكاء الاصطناعي تختلف عن التحولات الصناعية السابقة في عامل أساسي هو السرعة. فقد امتدت التحولات الاقتصادية الماضية على مدى عقود وأجيال، ما أتاح وقتاً أطول لظهور قطاعات ووظائف جديدة. أما الذكاء الاصطناعي، فلا يستهدف العمل اليدوي وحده، بل يدخل سريعاً إلى المكاتب والمصانع والبرمجة والقانون والطب وخدمة العملاء والإعلام والمؤسسات الحكومية.

ولذلك، يدعو غيتس إلى التفكير في إجراءات كانت تبدو حتى وقت قريب غير تقليدية، مثل تخصيص بعض الوظائف للبشر، ولا سيما تلك التي تقوم على التعاطف والعلاقات الإنسانية، أو فرض ضرائب مرتبطة باستخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعي، بما يساعد في تمويل الانتقال الاقتصادي وحماية المتضررين من الأتمتة.

ويرى غيتس أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يكون أكبر من تأثير معظم التحولات التكنولوجية السابقة، لأنه سيطال وظائف ذوي الياقات البيضاء والزرقاء معاً، فضلاً عن إدخال مخاطر إلكترونية وبيولوجية جديدة، واحتمال تطوير أنظمة تزداد صعوبة مراقبتها والتحكم في سلوكها.

وتتقاطع هذه المخاوف مع تحذيرات المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، التي أشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في نحو 40% من الوظائف حول العالم، وترتفع النسبة إلى نحو 60% في الاقتصادات المتقدمة. وترى جورجيفا أن التكنولوجيا يمكن أن ترفع الإنتاجية والدخول، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى إزاحة بعض الوظائف وتوسيع فجوة عدم المساواة، إن لم ترافقها سياسات للتدريب والحماية الاجتماعية.

لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فبحسب تقييم نشرته منظمة العمل الدولية في أيار/مايو 2025، يعمل واحد من كل أربعة عمال في العالم في مهنة تتعرض بدرجة ما للذكاء الاصطناعي التوليدي. ومع ذلك، تبقى النتيجة الأكثر ترجيحاً في كثير من الحالات هي تحول الوظائف، لا اختفاءها بالكامل.

وتحذر المنظمة في الوقت نفسه من أن هذا التحول لن يكون متساوياً بين القطاعات والدول والفئات الاجتماعية. فالتعرّض للذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة فقدان الوظيفة، لكنه قد يؤدي إلى تغيير طبيعتها وعدد المهام التي يؤدّيها العامل ومستوى المهارات المطلوبة منه.

وهنا تكمن المعضلة: قد لا يختفي العمل، لكن العامل سيحتاج إلى تحديث مهاراته بوتيرة أسرع من أي مرحلة سابقة. ولا تقتصر المهارات المطلوبة على البرمجة، التي تتعرّض هي نفسها للتحوّل، بل تشمل الثقافة الرقمية والتفكير النقدي والمعرفة التخصصية والقدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المهارات الاجتماعية والإنسانية التي يصعب على الآلة محاكاتها.

 

 

بيل غيتس واحد من مؤسسي شركة مايكروسوفت (رويترز)
بيل غيتس واحد من مؤسسي شركة مايكروسوفت (رويترز)

من ثورة تقنية إلى مصدر جديد لعدم المساواة

 

لا يتعلق القلق بعدد الوظائف فقط، بل أيضاً بمن يملك أدوات الذكاء الاصطناعي ومن يستطيع استخدامها والاستفادة منها.

فالدول التي تمتلك بنية تحتية رقمية متقدمة ورؤوس أموال وشركات تكنولوجية كبرى ستكون الأقدر على الاستفادة من مكاسب الإنتاجية. أما الاقتصادات الأضعف، فقد تجد نفسها أمام خطر مزدوج: تعرض بعض وظائفها للضغط من جهة، وعدم امتلاك الموارد اللازمة لبناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى.

وقد تظهر الفجوة داخل الدولة الواحدة أيضاً. فالعامل القادر على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي قد ترتفع إنتاجيته ودخله، بينما يواجه العامل الذي لا يحصل على التدريب أو التعليم الملائم خطر تراجع فرصه. ولذلك، يتوقف مستقبل العمل جزئياً على السياسات التي تعتمدها الدول اليوم، لا على التكنولوجيا وحدها.

 

كيف تستعد الحكومات لعصر الذكاء الاصطناعي؟

 

بدأت بعض الحكومات تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر من مجرد قطاع تكنولوجي جديد. فالقضية أصبحت مرتبطة بسوق العمل والتعليم والأمن القومي والضرائب والإنتاجية وتوزيع الدخل.

وبينما انتقلت الولايات المتحدة والصين إلى مرحلة المنافسة على النماذج المتقدمة والرقائق ومراكز البيانات والحوسبة والكوادر المتخصصة، اتجهت دول أخرى إلى بناء استراتيجيات وطنية وتوظيف الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية والاقتصاد.

وفي المنطقة العربية، تظهر الإمارات نموذجاً متقدماً في التبنّي الحكومي والتقني، فيما تمثل السعودية نموذجاً صاعداً باستثماراتها الكبيرة في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات. وفي المقابل، تواجه دول أخرى فجوة أكبر بين الطموح والقدرة على التنفيذ.

وفي سنغافورة، على سبيل المثال، تركز الحكومة على بناء قوة عاملة متمكنة من الذكاء الاصطناعي، من خلال تدريب العاملين في الوظائف التقنية وغير التقنية وربط التحول الرقمي بإعادة التأهيل والتعاون مع الشركات والنقابات. والرهان هناك ليس منع التكنولوجيا من دخول سوق العمل، بل تحويلها إلى أداة ترفع إنتاجية العامل بدلاً من استبداله بالكامل.

أما في لبنان، فالمشكلة ليست غياب الرؤية. فقد اعتمدت الدولة استراتيجية للتحول الرقمي تمتد إلى عام 2030، ثم أطلقت في عام 2025 استراتيجية وطنية للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي للفترة 2025-2030. لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل الاستراتيجيات إلى بنية تحتية واستثمارات وتشريعات وخدمات فعلية على نطاق واسع.

 

 

شعار شات جي بي تي بجانب شعار الذكاء الاصطناعي (أ ف ب)
شعار شات جي بي تي بجانب شعار الذكاء الاصطناعي (أ ف ب)

 

 

 

كيف يمكن تنظيم الذكاء الاصطناعي من دون خنق الابتكار؟

 

المعادلة ليست سهلة. فالتشدد المفرط قد يدفع الشركات والاستثمارات إلى الانتقال إلى أسواق أقل تنظيماً، بينما قد يؤدي ترك المنافسة مفتوحة بالكامل إلى سباق بين الشركات والدول لتطوير نماذج أكثر قوة، حتى عندما تظل القدرة على تقييم مخاطرها محدودة.

ولهذا، لا يكفي إصدار قانون واحد للذكاء الاصطناعي. المطلوب منظومة مرنة تشمل قواعد لحماية البيانات، وشفافية في استخدام الأنظمة، وآليات لمحاسبة الجهات المسؤولة عن القرارات الآلية، وتقييماً مستقلاً للمخاطر، وتحديثاً مستمراً للتشريعات مع تطور التكنولوجيا.

وتحتاج الحكومات إلى معرفة ما يحدث فعلياً داخل سوق العمل. فمن دون بيانات دقيقة عن الوظائف والمهام التي تتغير، قد تأتي برامج التدريب متأخرة أو تركز على مهارات لم تعد مطلوبة.

 

الخوف يتجاوز الانعكاسات الاقتصادية

 

لا تقف المخاوف عند حدود الاقتصاد. فقد حذّر "التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي 2026"، الذي أعده أكثر من 100 خبير مستقل بقيادة عالم الحاسوب يوشوا بنجيو، وبمشاركة خبراء رشحتهم أكثر من 30 دولة ومنظمة دولية، من أن التطور السريع للأنظمة العامة الاستخدام يفرض مخاطر متزايدة يصعب تقييمها وإدارتها.

وتشمل هذه المخاطر إمكان استخدام الذكاء الاصطناعي في توسيع نطاق الهجمات السيبرانية، ونشر المعلومات المضللة والتلاعب بالمستخدمين، والمساعدة في أنشطة بيولوجية ضارة، إضافة إلى احتمال تطوير أنظمة قادرة على إنجاز مهام مع تدخل بشري محدود أو التحايل على بعض آليات الرقابة.

لكن التقرير يشدد أيضاً على تفاوت مستوى الأدلة. فبعض الأضرار بدأ يظهر فعلياً، فيما تبقى مخاطر أخرى غير مؤكدة، وإن كانت عواقبها المحتملة شديدة.

ومن هنا، لم يعد النقاش يدور فقط حول السؤال التقليدي: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟ بل بات يمتد إلى سؤال أكبر: من سيضع القواعد، وهل تستطيع الحكومات مواكبة شركات تتطور تقنياتها خلال أشهر، بينما يحتاج التشريع إلى سنوات؟

ربما لا يكون السيناريو الأكثر واقعية هو "نهاية الوظائف"، لكن من غير الواقعي أيضاً الافتراض أن التكنولوجيا ستخلق تلقائياً وظائف بديلة لكل من يفقد عمله. فالحكومات باتت تتحمل مسؤوليات أكبر، تبدأ ببناء بنية تحتية رقمية ملائمة، وتمر بتحديث التعليم والتدريب والحماية الاجتماعية، ولا تنتهي عند تنظيم الشركات والأنظمة الأكثر تأثيراً.

قد يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لرفع الإنتاجية وتحسين الرعاية الصحية وتطوير التعليم وتسريع البحث العلمي. لكن توزيع هذه المكاسب لن يحدث تلقائياً، وقد تكون كلفة الانتقال مرتفعة.

ولذلك، لا يتعلق التحدي بإبطاء الذكاء الاصطناعي بقدر ما يتعلق بتسريع قدرة الإنسان والمؤسسات على مواكبته. فالسؤال لم يعد هل ستغيّر هذه الثورة العالم، بل هل ستتمكن الحكومات والمجتمعات من إدارتها قبل أن تتجاوز نتائجها قدرتها على التحكم فيها.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/26/2026 8:40:00 PM
عثر الأهالي عليه مقتولا بطلق ناري في الرأس على حافة أحد الطرق.
لبنان 8/26/2026 5:00:00 PM
ضبطهما صاحب أحد محال المجوهرات أثناء قيامهما بسرقة مجوهرات بطريقة احترافيّة تعتمد على الخفّة
لبنان 8/26/2026 7:18:00 PM
أعلن المكتب الإعلامي للنائب اللبناني جبران باسيل أنه خضع لعملية جراحية بسيطة تكلّلت بالنجاح، مؤكداً أن وضعه الصحي ممتاز وأنه سيستأنف نشاطه السياسي المعتاد اعتباراً من الغد.
لبنان 8/27/2026 8:19:00 PM
نقلت القناة 14 الإسرائيلية عن تقديرات أن "جزءاً كبيراً من المسلحين" قُتلوا داخل منشآت وبنى تحتية في منطقة علي الطاهر