27 ألف وظيفة و3.5 مليار دولار: هذا ما تركه كأس العالم في نيويورك ونيوجيرسي
بين حشود المشجعين وعائدات الفنادق وفواتير النقل التي تضخمت، يكشف تحليل اقتصادي نهائي حجم الأرباح التي جناها إقليم نيويورك-نيوجيرسي من استضافة كأس العالم، والثمن الذي لم يظهر في العناوين الرسمية.
في ليلة التاسع عشر من تموز/يوليو، حين رُفعت كأس العالم فوق ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، لم تكن الأرقام التي تهم الاقتصاديين قد ظهرت بعد. الآن ظهرت: 3.5 مليار دولار ضختها البطولة في اقتصاد نيويورك ونيوجيرسي، وفق تحليل نهائي أعدته شركة توريزم إيكونوميكس (Tourism Economics)، الذراع البحثية لشركة أكسفورد إيكونوميكس (Oxford Economics)، لصالح لجنة استضافة كأس العالم في نيويورك ونيوجيرسي (NYNJ Host Committee)، ونقلته بلومبرغ ووسائل إعلام أميركية عدة. الرقم يتجاوز التقدير الذي وضعته اللجنة نفسها قبل انطلاق البطولة، والبالغ 3.3 مليار دولار.
الحكاية، كما ترويها الأرقام، بسيطة في ظاهرها: ثماني مباريات على ملعب واحد، جلبت أكثر من 645 ألف مشجع، وجذبت 626,300 زائر إضافي من خارج المنطقة لحضور فعاليات مرافقة. هؤلاء أنفقوا مجتمعين 1.7 مليار دولار مباشرة في الفنادق والمطاعم والمتاجر ووسائل النقل، أضافت إليها لجنة الاستضافة والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) 286 مليون دولار من إنفاقهما التشغيلي. من هذا الإنفاق المباشر، البالغ 1.9 مليار دولار، ذهب 653 مليون دولار إلى الفنادق، و346 مليون دولار إلى المطاعم والمشروبات، و264 مليون دولار إلى التسوق، و200 مليون دولار إلى النقل، و195 مليون دولار إلى الترفيه.
لكن الاقتصاد لا يتوقف عند الإنفاق المباشر. كل دولار أنفقه مشجع في مطعم تحول جزء منه إلى راتب نادل، ثم إلى إيجار شقة، ثم إلى وجبة أخرى في مطعم آخر. هذه الدورة أضافت 693 مليون دولار من النشاط التجاري غير المباشر، و916 مليون دولار من النشاط الاقتصادي المستحث، ليصل الأثر الإجمالي إلى الرقم المعلن: 3.5 مليار دولار. ودعم هذا النشاط 27,424 وظيفة كاملة وجزئية، منها نحو 18 ألف وظيفة مرتبطة مباشرة بالبطولة، وولّد 1.4 مليار دولار من الدخل العمالي. أما خزائن الحكومات، فعاد إليها 759.2 مليون دولار، بينها 414.2 مليون دولار لحكومتي الولايتين والحكومات المحلية، معظمها من ضريبة المبيعات، و344.9 مليون دولار للخزانة الفدرالية.
قالت كاثي هوكول (Kathy Hochul)، حاكمة نيويورك، في بيان نقلته بلومبرغ: "من زيادة الإنفاق في الشركات والمطاعم المحلية إلى ارتفاع إيرادات الفنادق، تركت كأس العالم أثراً دائماً على ولايتنا". وأضافت أن الولاية تسعى إلى بناء مزيد من البنية التحتية لكرة القدم "لكي يلعب أطفالنا في أنحاء الولاية".
لماذا يهمّك هذا في المنطقة العربية؟
النموذج الذي تدافع عنه نيويورك ونيوجيرسي اليوم -أن الحدث الرياضي الضخم يموّل نفسه ويترك فائضاً اقتصادياً- هو الحجة نفسها التي تُستخدم عادة لتبرير الإنفاق الحكومي على استضافة الفعاليات الرياضية الكبرى في مناطق أخرى من العالم، بما فيها الخليج. يُشار إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أعلن في وقت سابق اختيار السعودية لاستضافة نسخة عام 2034 من كأس العالم. غير أن الوجه الآخر من قصة نيويورك ونيوجيرسي، أي من يتحمل الكلفة الفعلية حين لا تُغطى العائدات النفقات، أقل حضوراً عادة في الخطاب الرسمي المصاحب لهذه الفعاليات، وهو ما تكشفه تفاصيل التقرير.
الفاتورة التي لم تظهر في العناوين
لم يكن الجميع رابحاً بالقدر نفسه. كثير من سكان نيويورك ونيوجيرسي لم يتمكنوا من حضور المباريات على ملعب ميتلايف بسبب ارتفاع أسعار التذاكر، التي بلغت 150 دولاراً لرحلة القطار ذهاباً وإياباً وحدها، إضافة إلى كلفة مواقف السيارات، بحسب تقارير محلية. واضطر المقيمون والمتنقلون يومياً إلى إعادة ترتيب جداولهم في أيام المباريات بسبب التعديلات التي طالت خدمات شركة نيوجيرسي ترانزيت (NJ Transit).
وبحسب مذكرة داخلية للشركة حصلت عليها صحيفة نورث جيرزي (NorthJersey.com)، خسرت نيوجيرسي ترانزيت نحو 3.9 مليون دولار من تشغيل خدمات نقل أكثر من 370 ألف راكب عبر المباريات الثماني: بلغت كلفة التشغيل 55.6 مليون دولار مقابل عائدات 51.6 مليون دولار فقط. ورغم ذلك، اعتبرت إدارة الشركة النتيجة "فوزاً"، إذ بلغت نسبة تغطية التكاليف 93%، وهي أعلى بكثير من المعدل المعتاد لفعاليات ملعب ميتلايف الذي لا يتجاوز 15%. إلى جانب ذلك، ضخّت الولايتان نحو 245 مليون دولار من المال العام لدعم الاستضافة، منها 155 مليون دولار من نيوجيرسي وحدها، شملت 100 مليون دولار لبناء محطة حافلات مؤقتة قرب الملعب، و35 مليون دولار لتصميم ممر مخصص للحافلات، من دون أن تُعلن كلفة تنفيذه الكاملة.
درس من كؤوس عالم سابقة
يُشار إلى أن دراسات الأثر الاقتصادي لكؤوس العالم غالباً ما تصدر عن جهات مرتبطة بتنظيم الحدث نفسه أو بحكومات مستفيدة من إظهار نتائج إيجابية، وهي ملاحظة تنطبق على هذا التقرير أيضاً، بما أن حاكمة نيويورك ولجنة الاستضافة هما من كلّف الشركة المعدة له. فحين استضافت الولايات المتحدة بطولة 1994، توقعت اللجنة المنظمة أثراً اقتصادياً بقيمة 4 مليارات دولار، لكن دراسات أكاديمية لاحقة خلصت إلى أن المدن المستضيفة تكبدت خسائر تراكمية تراوحت بين 5.5 و9.3 مليار دولار، عكس ما أُعلن سلفاً تماماً. أما مونديال قطر 2022، فقدّر صندوق النقد الدولي إنفاق الزوار وعائدات البث المرتبطة بالبطولة بين 2.3 و4.1 مليار دولار، أي نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي القطري.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لا يكمن سرّ النهضة الاقتصادية في الأرقام المالية وحدها، بل في تطوير البنية التحتية لأحد أكثر القطاعات التي تحرّك الأسواق وتسرّع النمو: قطاع الخدمات اللوجستية.
نبض