القراصنة يعودون إلى سواحل الصومال... ضريبة أمنية جديدة على التجارة العالمية

اقتصاد وأعمال 25-08-2026 | 16:32

القراصنة يعودون إلى سواحل الصومال... ضريبة أمنية جديدة على التجارة العالمية

لا تزال هجمات القراصنة الصوماليين أقل بكثير من ذروتها المسجلة في عام 2011، لكنها بدأت ترفع تكلفة التأمين والحراسة والتشغيل. وتزداد خطورتها لأنها تعود في وقت تعاني فيه الملاحة أصلاً اضطرابات هرمز والبحر الأحمر وارتفاع تكلفة الالتفاف حول أفريقيا

القراصنة يعودون إلى سواحل الصومال... ضريبة أمنية جديدة على التجارة العالمية
صوماليون متهمون بالقرصنة أسرتهم البحرية الهندية في عام 2024 (رويترز)
Smaller Bigger

لم يحتج القراصنة الصوماليون إلى استعادة مئات السفن لكي يثيروا مجدداً قلق شركات الشحن. كان يكفي نجاحهم في خطف ناقلات نفط وسفن تجارية، ونقل بعضها نحو الساحل الصومالي، حتى تحل خرائط المخاطر القديمة مجدداً على طاولات مجالس الإدارة في شركات الملاحة والتأمين.

 

في العشرين من آب/أغسطس 2026، استولى ستة مسلحين على ناقلة النفط "سيبو 1" التي ترفع علم إريتريا، قبالة الساحل اليمني، ثم وجّهوها نحو الصومال. والمفارقة أن الناقلة خاضعة لعقوبات أميركية بدعوى عملها من ضمن "أسطول ظل" يساعد في نقل منتجات نفطية إيرانية. لكنها، عند وقوع الهجوم، لم تكن محمية من خطر أقدم من العقوبات نفسها: الخطف طلباً للفدية.

 

كانت "سيبو 1" السفينة الثالثة عشرة على الأقل التي استُهدِفت قبالة الصومال أو في خليج عدن منذ بداية عام 2026، مقارنة بخمس حالات طوال عام 2025، وفق بيانات المكتب البحري الدولي وتقارير هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية. وأفادت "أسوشيتد برس" بأنها سادس سفينة تجارية تُختطَف في المنطقة منذ نيسان/أبريل.

 

خطرٌ قُمِع ولم يختفِ

 

بلغت القرصنة الصومالية ذروتها في عام 2011، حين سُجِّل أكثر من 200 هجوم واحتُجِز مئات البحارة. ثم تراجعت بفضل الدوريات البحرية الدولية والحراس المسلحين وتحصين السفن وتحسين تبادل المعلومات والاستجابة السريعة. لكن القرصنة قُمِعت ولم تُستأصَل. لقد بقيت شبكات التمويل والتهريب والوسطاء على اليابسة، فيما استمرت البطالة والفقر وضعف مؤسسات الدولة في البلدات الساحلية. وتزامنت عودة الهجمات مع انشغال القوات البحرية بالحرب مع إيران، واضطرابات مضيق هرمز وهجمات "الحوثيين" في البحر الأحمر.

 

كذلك استعاد القراصنة القدرة على استخدام سفن الصيد والمراكب الشراعية بوصفها "سفناً أمّاً"، تحمل الوقود والمؤن وتنطلق منها زوارق سريعة. وبذلك أصبح في إمكانهم تنفيذ هجمات على مسافات بعيدة من الساحل، بدلاً من الاكتفاء بانتظار السفن قرب المياه الصومالية. ويُذكَر الصيد الأجنبي غير القانوني واستنزاف الثروة البحرية في الخلفية الاقتصادية التي أفقرت بعض مجتمعات الساحل.

 

لكن ذلك لا يفسر وحده الموجة الحالية، ولا يحوّل بالتأكيد القرصنة إلى عمل دفاعي؛ لقد أصبحت القرصنة منذ سنوات نشاطاً إجرامياً منظماً يموله مستثمرون خارجون على القانون في مقابل حصص من الفدية. تشير معلومات إلى علاقات قديمة بين شبكات إجرامية يمنية وصومالية تعمل في تهريب السلاح والبشر.

 

الفدية ليست التكلفة الأكبر

 

قد يبدو أن الخسارة تبدأ حين يدفع مالك السفينة فدية. لكن الفاتورة الاقتصادية تبدأ قبل وقوع الهجوم، وتدفعها أيضاً آلاف السفن التي لا تتعرض إلى الخطف. عندما تتسع منطقة الخطر، تطلب شركات التأمين أقساطاً إضافية لتغطية مخاطر الحرب والخطف والفدية. ويضطر مالكو السفن إلى استئجار حراس مسلحين، وتركيب أسلاك شائكة وخراطيم مياه وأجهزة مراقبة، وتجهيز غرف محصنة يلجأ إليها الطاقم إذا صعد المسلحون على متن السفينة.

 

خلال موجة الهجمات في عام 2024، ارتفعت تكلفة استئجار فريق حراسة لثلاثة أيام بنحو 50 في المئة خلال شهر، لتراوح بين أربعة آلاف و15 ألف دولار، وفق مصادر في قطاع الأمن البحري تحدثت إلى وكالة "رويترز". ولا تتوافر حتى الآن تسعيرة شاملة ومحدثة للحراسة خلال موجة عام 2026.

 

وفي عام 2024 أيضاً، أضاف اتساع مناطق الخطر، نتيجة القرصنة وهجمات "الحوثيين" معاً، مئات آلاف الدولارات إلى تكلفة بعض الرحلات عبر البحر الأحمر وخليج عدن. لذلك لا تتحمل القرصنة وحدها كامل الارتفاع في أقساط التأمين؛ الصراع الإقليمي هو المحرك الأكبر لتأمين مخاطر الحرب، فيما تضيف القرصنة طبقة مستقلة من مخاطر الخطف والفدية.

 

وتكبر الفاتورة إذا احتُجِزت السفينة. هي تتوقف عن توليد الإيرادات، بينما تستمر أجور الطاقم وفوائد التمويل ونفقات الصيانة. وقد تتلف البضائع أو تتأخر، وتبدأ مطالبات التأمين وغرامات العقود، فيما تمتد مفاوضات الإفراج عن الطاقم أسابيع أو أشهراً.

 

الخيارات تضيق أمام السفن

 

دفعت هجمات البحر الأحمر شركات كثيرة إلى تحويل سفنها نحو رأس الرجاء الصالح، متحملة رحلة أطول واستهلاكاً أكبر للوقود. وتوسع عودة الهجمات نطاق الخطر في غرب المحيط الهندي، وتزيد تكلفة السفن التي تواصل استخدام خليج عدن وقناة السويس. وهكذا تضيق الخيارات: البحر الأحمر مهدد بهجمات "الحوثيين"، وهرمز يشهد اضطرابات مرتبطة بالحرب مع إيران، والمياه المقابلة للصومال تستعيد خطر الخطف، أما الالتفاف بعيداً حول أفريقيا فيضيف أياماً ووقوداً إلى الرحلة.

 

وتؤدي الرحلات الأطول إلى خفض القدرة الاستيعابية الفعلية للأسطول العالمي؛ كل سفينة تقضي أياماً إضافية في البحر تنقل عدداً أقل من الشحنات سنوياً. وينعكس ذلك في أجور النقل ومواعيد التسليم وأسعار السلع بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.

 

وتتحمل اقتصادات شرق أفريقيا واليمن والصومال أثراً أكبر نسبياً، لأن النقل والتأمين يشكلان حصة مرتفعة من أسعار الغذاء والوقود والأسمدة المستوردة. وقد تطلب شركات الشحن علاوات أعلى لخدمة الموانئ القريبة، أو تقلص عدد رحلاتها، ما قد يؤثر أيضاً في وصول المساعدات الإنسانية.

 

أما سوق النفط، فمن غير المرجح أن تتأثر أسعارها العالمية بشدة بالقرصنة وحدها ما لم تتسع الهجمات إلى درجة تعطيل عدد مقلق من الناقلات. يتركز الأثر الحالي في أجور الشحن والتأمين، لكنه قد يتحول إلى علاوة إضافية على أسعار الخام إذا تزامن مع تعطيل الإمدادات في هرمز أو باب المندب.

 

وفي الصومال، قد تضخ الفديات سيولة مؤقتة في بعض البلدات الساحلية، لكنها تبني اقتصاداً مشوهاً قائماً على شراء السلاح وتمويل الخاطفين والوسطاء. كذلك تجذب الشباب بعيداً من العمل المنتج، وترفع الأسعار محلياً، وتضر بسمعة الموانئ وفرص الاستثمار في الصيد والنقل والتخزين.

 

وقد تدفع المخاوف من غسل عوائد الفدية المصارف العالمية إلى تشديد الرقابة على التحويلات الصومالية، بما يضر الحوالات المشروعة التي يعتمد عليها ملايين السكان.

 

هل تعود فاتورة المليارات؟

 

قدّرت مجموعة "محيطات خالية من القرصنة" (Oceans Beyond Piracy) تكلفة القرصنة الصومالية بنحو سبعة مليارات دولار في عام 2011. وقدم البنك الدولي تقديراً أوسع بلغ 18 مليار دولار سنوياً، بعد احتساب أثرها في التجارة، لا الفديات وحدها. وبين عامي 2005 و2012، جمع القراصنة ما بين 339 مليوناً و413 مليون دولار من الفديات، بحسب دراسة للبنك الدولي والأمم المتحدة والإنتربول.

 

هذه أرقام تاريخية لا تصف حجم الخسائر في عام 2026؛ عدد الهجمات الحالية أقل بكثير، كما أصبحت السفن أكثر تحصيناً والاستجابة البحرية أسرع. ولا تتوافر حتى الآن حصيلة مستقلة وموثوقة للتكلفة الاقتصادية للموجة الجديدة.

 

لكن الدرس القديم لا يزال صالحاً: قد تحصل مجموعة محدودة من القراصنة على بضعة ملايين من الدولارات، فيما تنفق صناعة الشحن أضعافها على الحراسة والتأمين والتأخير وتغيير المسارات. لذلك لا يكفي إرسال مزيد من البوارج. المطلوب تعقب الممولين والوسطاء على اليابسة، وبناء قدرات خفر السواحل الصومالي، وضبط الصيد غير القانوني وتوليد مصادر دخل في المناطق الساحلية. تستطيع السفن الحربية مطاردة الزوارق في البحر، لكنها لا تستطيع وحدها إغلاق الشبكات التي تمولها وتشتري سلاحها وتتفاوض على فديتها.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/24/2026 7:09:00 PM
هيئة الإعلام حولت الدكتور خليل الزيود إلى النائب العام على خلفية مقطع الفيديو.
كتاب النهار 8/24/2026 5:34:00 AM
الهدف الذي تريده أميركا، هو إنهاء "حزب الله"، أو أقله إضعافه بحيث لا يبقى مقرراً في البلاد.
اقتصاد وأعمال 8/24/2026 5:45:00 AM
على خط مواز لتوسعة مطار بيروت، يجري بحث خيار الافادة من مطار القليعات لاستقبال ونقل المسافرين السوريين.
مجتمع 8/24/2026 9:55:00 AM
قوى الأمن الداخلي توقف متورطين في شبكة دعارة في عدد من المناطق اللبنانية