سنغافورة تدخل عصر "المجتمع فائق الشيخوخة": كيف تواجه أزمة تراجع المواليد؟
تواجه سنغافورة معادلة ديموغرافية واقتصادية مزدوجة، فتسعى في آنٍ واحد إلى رفع معدلات المواليد وإطالة مشاركة كبار السن في سوق العمل، للحد من كلفة مجتمع يتجه سريعاً نحو الشيخوخة.
لم تعُد شيخوخة المجتمع في سنغافورة مسألة اجتماعية مؤجلة، إنما تحولت إلى قيد اقتصادي واضح. ففي عام 2025، هبط معدل الخصوبة الكلي إلى 0.87 طفل لكل امرأة، وهذا أدنى مستوى مسجل في البلاد، بنحو 27,500 ولادة للمقيمين فقط. في المقابل، ارتفعت حصة المواطنين بعمر 65 عاماً فأكثر من 13.1% في عام 2015 إلى 20.7% في عام 2025، ومتوقع أن تبلغ 23.9% في عام 2030، أي قرابة مواطن من كل أربعة. ومع بلوغ نسبة من تجاوزوا 65 عاماً عتبة 21%، دخلت البلاد في عام 2026 عملياً تصنيف "المجتمع فائق الشيخوخة".
ثمة أرقام مهمة تشرح لماذا لم تعد الحكومة السنغافورية تنظر إلى انخفاض المواليد باعتباره شأناً عائلياً. فنسبة الإعالة العمرية تتدهور بسرعة: كان ثمة 7.4 مقيمين في سن 20-64 عاماً لكل شخص بعمر 65 عاماً فأكثر في عام 2010، لكن العدد انخفض إلى 3.3 في عام 2025. نتيجة ذلك تظهر جلياً في سوق العمل؛ إذ تراجعت نسبة المشاركة في القوة العاملة إلى 67.9% في عام 2025، فيما بات من هم في الستين وما فوق يشكلون 19.3% من القوة العاملة، مقابل 12.3% فقط قبل عشر سنوات، وفقاً للموقع الرسمي لدائرة الإحصاء الحكومي في سنغافورة.

تكلفة الشيخوخة: عمال أقل وإنفاق صحي أعلى
اقتصادياً، المشكلة مزدوجة: أولاً، تباطؤ نمو القوة العاملة يعني أن الحفاظ على النمو يتطلب إنتاجية أعلى، وعملاً أطول، واستقدام عمالة أجنبية منتقاة؛ وثانياً، ترتفع فاتورة الصحة والرعاية فيما تضيق قاعدة العاملين. تتوقع وزارة المالية السنغافورية ارتفاع الإنفاق الصحي الحكومي من نحو 2.3% من الناتج المحلي إلى 2.9%-3.5% في الفترة 2026-2030، وتجاوز الإنفاق الحكومي الإجمالي 20% من الناتج المحلي بحلول عام 2030. وحتى رفع ضريبة السلع والخدمات إلى 9% مرتبط جزئياً بتمويل احتياجات مجتمع يشيخ.
إلا أن الخطأ الشائع هو اعتبار الشيخوخة مرادفاً حتمياً للركود. فالتجربة السنغافورية تقول شيئاً أدقّ: يصبح العمر عبئاً عندما يخرج الناس مبكراً من العمل، أو يدخلون سنوات الشيخوخة بصحة سيئة. لذلك، رفعت الحكومة السنغافورية - اعتباراً من تموز/يوليو 2026 - السن الأدنى للتقاعد إلى 64 عاماً، وسن إعادة التوظيف إلى 69 عاماً، وهي تدعم الشركات التي توظف من تجاوزوا الستين بحوافز أجور تصل إلى 7%. وبحسب إحصاءات تورها وزارة العمل في سنغافورة، ارتفعت مشاركة الفئة 65-69 عاماً في قوة العمل من 42.2% في عام 2015 إلى 50.2% في عام 2025.
سياسة طرفي المعادلة
في الطرف الأول، تحاول سنغافورة زيادة المواليد. ففي آب/أغسطس 2026، أعلن رئيس الوزراء لورنس وونغ حزمة جديدة تمنح كل طفل سنغافوري نحو 70 ألف دولار سنغافوري (نحو 55 ألف دولار) من الدعم المباشر حتى سن 17 عاماً، تشمل هدية ولادة، واعتمادات نقدية سنوية، وحسابات للتنمية والتعليم. كما توسع إجازات رعاية الأطفال، وتستهدف خفض رسوم الحضانة بدوام كامل إلى 150 دولاراً سنغافورياً شهرياً (نحو 120 دولاراً)، ورعاية الرضع إلى 300 دولار سنغافوري (نحو 240 دولاراً) في المراكز المدعومة حكومياً.
هذه خطوة كبيرة، لكن التجارب الدولية تحذر من اختزال أزمة الخصوبة في الإعانة المالية. فسنغافورة نفسها أنفقت سنوات على مبادرة "Baby Bonus"، ومع ذلك هبطت الخصوبة أكثر. فالمشكلة الواقعية تكمن في تكلفة الوقت، وضغط العمل، والسكن، وتأخر الزواج، والخوف من تأثير الأبوة والأمومة في المسار المهني. لذلك، يبدو التحول من دفعة مالية عند الولادة إلى دعم يمتد 17 عاماً، مع حضانات وإجازات وإسكان، أكثر واقعية.
في الطرف الثاني، تريد الدولة خفض كلفة الشيخوخة نفسها. فقد رُصِد لبرنامج "Age Well SG" مبلغ 3.5 مليارات دولار سنغافوري (نحو 2.7 مليار دولار) لعشر سنوات، لتوسيع مراكز الشيخوخة النشطة، والرعاية المنزلية، والبنية التحتية الملائمة لكبار السن، ونقل جزء أكبر من الرعاية من المستشفى إلى الوقاية والمجتمع. وهكذا، يمكن الإنفاق الصحي الذكي أن يصبح استثماراً في النمو إذا أبقى كبار السن أصحاء ومنتجين مدة أطول، وهذا نهج تتقاطع فيه سنغافورة مع اليابان.
نبض