واشنطن تُشدّد الخناق على إيران... ماذا بقي في جعبة العقوبات؟

اقتصاد وأعمال 23-08-2026 | 12:47

واشنطن تُشدّد الخناق على إيران... ماذا بقي في جعبة العقوبات؟

من المقرر أن تكشف وزارة الخزانة الأميركية الاثنين حزمة عقوبات جديدة تستهدف إيران وشركاءها التجاريين.

واشنطن تُشدّد الخناق على إيران... ماذا بقي في جعبة العقوبات؟
أمام مبنى في طهران تعرض إلى ضربة في الحرب الأخيرة (أ ف ب)
Smaller Bigger

من المقرر أن يكشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الاثنين في 24 آب/أغسطس، تفاصيل ما وصفه بـ"أقسى عقوبات في التاريخ" على إيران. وتوضح تصريحات بيسنت والرئيس دونالد ترامب اتجاه العقوبات الإضافية العام: نقل الضغط من معاقبة إيران وحدها إلى ملاحقة الدول والمصارف والشركات التي تساعدها في بيع النفط وتحريك الأموال واستيراد السلع والتكنولوجيا. وإذ تخضع إيران أصلاً إلى واحد من أشمل أنظمة العقوبات في العالم، لم يعد السؤال ماذا تستطيع واشنطن أن تحظر الآن، بل كيف ستجبر جهات غير إيرانية على احترام الحظر، قديمه وجديده، ولا سيما الصين التي تشتري أكثر من 80 في المئة من النفط الإيراني المنقول بحراً.

 

المؤكد أن الحزمة ستستهدف شركاء إيران التجاريين وتعزز تطبيق العقوبات الثانوية التي تتيح معاقبة شركة أو مصرف أجنبي حتى إذا لم يكن أميركياً ولا يستخدم الدولار. وقد تشمل إدراج مصافٍ صينية مستقلة تشتري الخام الإيراني، ومعاقبة مصارف ووسطاء يسوّون المدفوعات باليوان أو العملات المحلية، واستهداف الموانئ والمستودعات وشركات إدارة السفن والتأمين وسجلات الأعلام المرتبطة بأسطول الناقلات الإيرانية غير الشفاف.

 

كذلك قد تطاول الإجراءات مبيعات البتروكيماويات والمعادن والمنتجات النفطية، وشركات الواجهة والصرافين وشبكات الحوالات ومنصات الأصول الرقمية. أما الاحتمال الأشد فهو تهديد دول أو شركات تتاجر مع إيران برسوم جمركية أو بتقييد وصولها إلى السوق الأميركية. وقد تكون أهمية إعلان بيسنت الاثنين في طريقة التنفيذ أكثر منها في عدد الأسماء الجديدة: وضع الشركات أمام خيار مباشر بين التعامل مع إيران والحفاظ على وصولها إلى النظام المالي والتجاري الأميركي.

 

ما العقوبات النافذة؟

 

بدأت العقوبات الأميركية بعد الثورة الإيرانية وأزمة السفارة الأميركية عام 1979، ثم توسعت لتشمل معظم التجارة والاستثمار والتحويلات بين الأميركيين وإيران، مع تجميد أصول حكومية إيرانية واقعة من ضمن الاختصاص الأميركي. وتطاول القيود النافذة قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات والمصارف والشحن والتأمين والسيارات والمعادن والبناء. كذلك تستهدف المصرف المركزي و"الحرس الثوري" و"فيلق القدس" وبرامج الصواريخ والمسيّرات والبرنامج النووي، إلى جانب شبكات تتهمها واشنطن بتمويل جماعات حليفة لطهران.

 

في عام 2016، رُفِع بعد توقيع الاتفاق النووي جزء من العقوبات الثانوية المرتبطة بالبرنامج النووي، ما سمح بعودة محدودة لإيران إلى أسواق النفط والشحن والمصارف. لكن الحظر الأميركي الأساسي والعقوبات المتعلقة بالإرهاب والصواريخ وحقوق الإنسان بقيت قائمة. وبعد انسحاب ترامب من الاتفاق في عام 2018، أعادت واشنطن العمل بمعظم القيود التي كان قد علقت تطبيقها. أما أحدث تخفيف، فكان الترخيص العام الأميركي "إكس"، الصادر في 22 حزيران/يونيو 2026، والذي سمح موقتاً بإنتاج النفط الإيراني وتسليمه وبيعه، إضافة إلى المنتجات النفطية والبتروكيماويات، حتى 21 آب. وانتهت المهلة من دون اتفاق نهائي.

 

كذلك أعادت الأمم المتحدة في 27 أيلول/سبتمبر 2025، بعد تفعيل آلية "سناب باك" (العودة التلقائية)، حظر السلاح والقيود النووية والصاروخية وتجميد أصول أشخاص وكيانات. وتعترض روسيا والصين على شرعية إعادة فرض هذه العقوبات، ما يحد من تنفيذها. ويطبق الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بدورهما عقوبات مرتبطة بالبرنامج النووي وحقوق الإنسان ودعم روسيا وتهديد الملاحة في مضيق هرمز.

 

كيف تجد إيران طريقاً آخر؟

 

لم تهزم إيران العقوبات، بل بنت نظاماً موازياً يجعل الالتفاف عليها ممكناً، وإن كان مكلفاً. تستخدم ناقلات ذات ملكية غامضة تغير أسماءها وأعلامها، وتعطل أجهزة التتبع أو تتلاعب ببياناتها، وتنقل النفط من سفينة إلى أخرى في البحر. وقد يُعَاد توصيف الشحنة قبل وصولها إلى المشتري.

 

تُعَد المصافي الصينية المستقلة العميل الأهم، ولا سيما منها المصافي الصغيرة المعروفة بـ"أباريق الشاي" وذات الملكية الخاصة عموماً، مستفيدة من حسوم سعرية كبيرة تعرضها طهران. ووفق "كبلر"، الشركة المتخصصة في بيانات تجارة السلع، اشترت المصافي الصينية المستقلة نحو 1.38 مليون برميل يومياً في عام 2025. لكن الحرب والحصار قلصا الصادرات الإيرانية إلى نحو 534 ألف برميل يومياً في آب. وتتجنب المصافي الحكومية الصينية الكبرى التعامل مع واردات النفط الإيراني.

 

في الشأن المالي، تعتمد طهران على اليوان والعملات المحلية والمقايضة والذهب والصرافين والحوالات وشركات الواجهة والأصول الرقمية. وقد تبقى عوائد النفط في حسابات مقيدة لدى الدولة المشترية، ولا سيما منها الصين، فتستخدمها إيران لشراء سلع منها بدلاً من تحويلها بحرية. كذلك تستفيد إيران من حدودها الطويلة مع العراق وتركيا وباكستان وأفغانستان لتشغل شبكة تجارية غير رسمية وشبه خفية بنتها خلال عقود من الزمن.

 

الدولة تتكيف والمواطن يدفع

 

لكن استمرار عمل الدولة لا يعني أن الإيرانيين يعيشون في صورة طبيعية. بلغ معدل التضخم السنوي نحو 66 في المئة في تموز/يوليو، فيما ارتفعت أسعار الغذاء 128 في المئة، وفق بيانات إيرانية نقلتها "رويترز". وباتت أسر كثيرة تقلص استهلاك اللحوم والألبان والفاكهة، وتؤجل العلاج والزواج وشراء المنازل، أو تلجأ إلى وظيفة ثانية ومساعدة الأقارب. تحاول الحكومة تخفيف الصدمة عبر دعم الخبز والوقود والكهرباء، والتحويلات النقدية والقسائم الغذائية، وتخصيص عملات مدعومة لبعض الواردات. لكن تعدد أسعار الصرف يفتح باباً للمحسوبيات، فيما تخشى مصارف وشركات تأمين التعامل حتى مع تجارة الغذاء والدواء المعفاة رسمياً من العقوبات التجارية.

 

نجحت العقوبات في جعل كل برميل نفط وكل تحويل مالي وقطعة غيار أكثر تكلفة، لكنها لم تضمن تغيير سياسة النظام أو تغيير النظام نفسه. وهذا هو الاختبار الذي ستخضع له الحزمة التي سيعلنها بيسنت الاثنين: هل تسد العقوبات الإضافية المنافذ التي أبقت الاقتصاد الإيراني يعمل، أم تزيد الضغط على مجتمع أنهكته الحرب والتضخم، وهل يفتح النظام لنفسه ممراً جديداً للالتفاف على العقوبات، قديمها وجديدها؟

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 8/21/2026 11:32:00 PM
أثارت طفلة مصرية تبلغ 11 عاماً غضباً واسعاً بعدما ألقت بنفسها من الطابق الرابع في الزقازيق، فيما أشارت التحريات الأولية إلى أنها فعلت ذلك خوفاً من والدها.
كتاب النهار 8/21/2026 11:15:00 AM
بات الناس يخافون بعضهم البعض، إذ بماذا يُمكن أن يُفسّر وجودُ كل هذا العتاد في منزل صاحب مولد لتوزيع الكهرباء إلا باستعداده للانقضاض على جيرانه والمقيمين في محيطه...
تركيا 8/20/2026 5:44:00 PM
نشاط زلزالي من الكاريبي إلى اليابان وشرق المتوسط يثير التساؤلات عن وجود رابط بين الهزات المتزامنة. الباحثة السورية في الجيوفيزياء التطبيقية الدكتورة رشا عامر تشرح حركة الصفائح ومناطق الخطر، وتطرح سيناريو لنقل الإجهاد في جنوب تركيا
لبنان 8/21/2026 10:04:00 PM
بعد تسجيل حالات تسمّم استدعت دخول عاملين في ورش تصليح السيارات إلى المستشفى وبعضهم إلى العناية الفائقة، حذّرت وزارة الصحة من استخدام البنزين والمذيبات الصناعية لتنظيف الجلد ومن استنشاق أبخرتها.