الذهب وتحوّل إدراك المخاطر في عهد ترامب
المؤسسات السيادية، التي تفكر بمنطق عقود لا فصول، تعيد توزيع ثقتها بعيداً عن الأصل الأميركي بمعزل عن نوبات التفاؤل والتشاؤم القصيرة، بينما يبقى المستثمر العادي أسير أفق زمني ضيق يتحرك مع كل تصريح وكل قرار.
د. بيار الخوري
ما جرى في سوق الذهب خلال الأشهر الأخيرة لا يستقيم مع القراءة الفنية التقليدية للتصحيح. المعدن الأصفر بلغ ذروته التاريخية عند نحو 5,597 دولاراً للأوقية في آخر كانون الثاني 2026، بعد أن قطع مساراً صعودياً حاداً من 3,865 دولاراً في تشرين الأول 2025. ثم انعكس المسار بحدة، واختبر السوق مستوى الأربعة آلاف دولار في تموز/يوليو 2026، قبل أن يرتد ويعود إلى نحو 4,634 دولاراً بحلول 21 آب/أغسطس 2026. هذا الارتداد يُغري بقراءة متفائلة سريعة، وكأن الاتجاه الصعودي استؤنف بثقة. لكن العودة من عتبة الأربعة آلاف ليست بالضرورة قناعة جديدة، بل قد تكون هي نفسها حركة تحوّط: خروج من موقع خاسر عند نقطة حرجة، لا التزام طويل الأمد باتجاه واضح. والفارق بين القراءتين هو بيت القصيد؛ فالسؤال ليس إلى أين يتحرك السعر، بل ما الدافع الذي يحركه.
والمؤشر الأوضح على أن الدافع لا يزال تحوّطياً هو الانفصال بين سلوك المستثمر الغربي وسلوك المؤسسة السيادية. فبينما كانت صناديق الذهب الغربية تسجّل تدفقات خارجة متتالية طوال الربيع، وبقي جزء كبير من مراكزها، بحسب تقدير ستاندرد تشارترد في حزيران/يونيو 2026، محتجزاً تحت سعر التكلفة عند مستويات الأربعة آلاف دولار بما يعادل نحو 38 مليار دولار من الثروة بانتظار أول فرصة للخروج قرب نقطة التعادل، كانت البنوك المركزية حول العالم تشتري بوتيرة غير مسبوقة: 244 طناً صافياً في الربع الأول من 2026، و289 طناً في الربع الثاني، في استمرار لسلسلة تتجاوز سبعة عشر شهراً متتالياً من الشراء الصافي بحسب مجلس الذهب العالمي، بعد أن بلغ إجمالي مشترياتها 863 طناً خلال عام 2025 كاملاً. وأعلن البنك المركزي الأوروبي في تقريره الصادر حزيرن/يونيو 2026 أن الذهب تجاوز سندات الخزانة الأميركية كأكبر أصل احتياطي عالمي، إذ بات يشكّل نحو 27% من احتياطيات البنوك المركزية مقابل نحو 22% لسندات الخزانة.
هذا ليس تفصيلاً في ميكانيكا التداول، بل شهادة سياسية بامتياز: المؤسسات السيادية، التي تفكر بمنطق عقود لا فصول، تعيد توزيع ثقتها بعيداً عن الأصل الأميركي بمعزل عن نوبات التفاؤل والتشاؤم القصيرة، بينما يبقى المستثمر العادي أسير أفق زمني ضيق يتحرك مع كل تصريح وكل قرار. وهذا بالضبط ما يفرض الحذر من قراءة ارتداد الأسابيع الأخيرة كعودة للثقة: فالمشتري الذي يحرك السعر اليوم مدفوع بالخوف من سيناريو لم يتضح بعد، لا بقناعة راسخة باتجاهه.
وهنا يتقاطع المسار مع أزمة الدين الأميركي، التي لم تعد مسألة هامشية في نقاش السياسات بل متغيراً يعاد تسعيره يومياً في الأسواق. تجاوز الدين الفيدرالي الأميركي عتبة الأربعين تريليون دولار في منتصف آب/أغسطس 2026، بعد خمسة أشهر فقط من تجاوزه التسعة وثلاثين تريليوناً، مقارنة بـ28.4 تريليون دولار في أواخر 2021. وبحسب توقعات مكتب الموازنة بالكونغرس، سيرتفع الدين المحتفظ به لدى الجمهور من نحو 101% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام إلى مستوى قياسي عند 108% بحلول 2030، متجاوزاً الرقم القياسي التاريخي البالغ 106.1% المسجل عام 1946 عقب الحرب العالمية الثانية، ثم إلى 120% بحلول 2036، وصولاً إلى 175% في أفق 2056. أما تكلفة خدمة هذا الدين فقد تجاوزت تريليون دولار في السنة المالية 2026، أي أكثر مما تنفقه الحكومة الأميركية على الدفاع الوطني المقدّر بنحو 885 مليار دولار، وأكثر مما تنفقه على برنامج ميديكيد المقدّر بنحو 708 مليارات دولار. ووفقاً لبيانات الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، قفزت فوائد خدمة الدين من 514.7 مليار دولار في 2020 إلى 1.114 تريليون دولار في الربع الأول من 2025 وحده، أي ما يعادل نحو 34% من إيرادات الخزانة الضريبية في تلك الفترة.
هذا التدهور المالي لم يمر من دون عقاب مؤسسي. في 16 آيار/مايو 2025 خفّضت وكالة موديز التصنيف الائتماني السيادي للولايات المتحدة من Aaa إلى Aa1، لتلحق بستاندرد آند بورز التي خفّضت التصنيف عام 2011 (قبل ١٥ عاماً)، وفيتش التي خفّضته عام 2023. وللمرة الأولى منذ زمن، لم تعد الولايات المتحدة تحمل التصنيف الائتماني الأعلى لدى أي من الوكالات الثلاث الكبرى. الرسالة التي حملها القرار لم تكن عن قدرة واشنطن على السداد، فهذه ليست موضع شك تقني، بل عن الإرادة السياسية لضبط المسار المالي، وهي مسألة لا تُقاس بالأرقام وحدها بل بسلوك صانع القرار.
وهنا يدخل منطق "الرجل المجنون" إلى صلب القراءة. النظرية، التي عرفها نيكسون خلال الحرب الباردة، لا تتعلق بعقل الرئيس فعلياً، بل باستراتيجية متعمّدة لجعل الخصوم، وأحياناً الحلفاء والأسواق معاً، يعتقدون أن صانع القرار مستعد لخيارات غير متوقعة وعالية المخاطر، بما يمنحه أوراق تفاوض إضافية. وقد رأينا تجلياتها المتكررة خلال 2025 و2026: في نيسان/ابريل 2025، عقب إعلان تعرفات "يوم التحرير"، قفز مؤشر الخوف VIX بمقدار 24 نقطة ليبلغ ذروة عند 45. وفي آيار/مايو 2025، تزامن تخفيض موديز مع تهديدات تعرفات جديدة على الاتحاد الأوروبي وشركة أبل، فارتفع المؤشر 29.3% خلال أسبوع واحد، بينما تجاوزت عائدات سندات الخزانة الثلاثينية عتبة 5% للمرة الأولى منذ الأزمة المالية. وفي كانون الثاني/يناير للعام الحالي، دفعت تهديدات ترامب بفرض تعرفات على حلفاء أوروبيين، مرتبطة بمطالبته بضم غرينلاند، عائد السندات العشرية للارتفاع أكثر من 6 نقاط أساس فور الإعلان، وسط تراجع الدولار قرابة 1%. وفي شباط/فبراير 2026، أدت تهديدات مماثلة تجاه أعضاء الناتو إلى قفزة 34% في مؤشر الخوف خلال جلسة واحدة. في كل هذه المحطات، لم تكن الحركة استجابة لبيانات اقتصادية جديدة، بل لتصريح أو تغريدة أو قرار مفاجئ.
هذا هو جوهر التعقيد الذي يواجهه أي قارئ للسوق اليوم. الأرقام وحدها لم تعد كافية لتفسير الحركة، لأن جزءاً متنامياً من التسعير بات محكوماً بمنطق سياسي متعمّد الغموض، يتقاطع مع أزمة دين هيكلية تتفاقم فصلاً بعد فصل، ومع تحوّل تدريجي في هوية اللاعب الذي يحدد سعر الملاذ الآمن، من المستثمر العادي المتقلب إلى المؤسسة السيادية طويلة النفس. وهذا تحديداً ما يجب أن يكبح أي استعجال في قراءة ارتداد الذهب من عتبة الأربعة آلاف دولار كعلامة استقرار.
الاختبار الذي مرّ به السوق قبل أسابيع لم يُحسم بعد؛ هو تراجع مؤقت في حدّة القلق، لا زوال لأسبابه. الذهب اليوم ليس ميزان حرارة لمزاج السوق العابر، بل مرآة لإعادة توزيع الثقة العالمية في الأصل الأميركي نفسه، وهذه العملية لا تُقاس بجلسة تداول أو أسبوعين من الارتداد، بل بمسار سياسي-مالي ممتد. وطالما بقي هذا المسار مفتوحاً على احتمالات لا تُسعَّر بسهولة، بين تضخم مستجد أو أزمة ثقة أوسع أو انفجار مؤجل في سوق السندات، فإن أي هدوء ظاهر في الأسواق يبقى ضعيفاً بطبيعته، وأي تفاؤل مبني عليه سابق لأوانه.
نبض