العالم يقترض للماضي وللمستقبل... من يتحمّل تكلفة سباق الذكاء الاصطناعي؟
تتضخم الديون الحكومية بسبب حالات العجز القديمة والفوائد المتزايدة، فيما تقترض الشركات لبناء مراكز بيانات وشبكات طاقة. وقد يرفع الذكاء الاصطناعي الإنتاجية والأجور، لكن ثماره قد تتأخر فيما تصل فاتورة الدين سريعاً.
في الاقتصاد، ثمة فارق بين الاقتراض لبناء المستقبل والاقتراض لتسديد ديون الماضي. المشكلة أن العالم يفعل الأمرين معاً: الحكومات تصدر سندات لتمويل العجز في ميزانياتها وإعادة تمويل ديون مستحقة، والشركات التكنولوجية تجمع الأموال لبناء مراكز البيانات وشبكات الكهرباء اللازمة للذكاء الاصطناعي. وبين الفاتورتين، تدخل الأسواق مرحلة قد يصبح فيها اقتراض رأس المال أغلى، حتى قبل أن تظهر المكاسب الإنتاجية المنتظرة.
بلغ إجمالي الدين العام والخاص العالمي نحو 251 تريليون دولار، بما يتجاوز 235 في المئة من الناتج العالمي، وفق قاعدة بيانات صندوق النقد الدولي الأحدث التي تغطي عام 2024. أما الدين العام وحده، فاقترب من 94 في المئة من الناتج في عام 2025، ويتوقع الصندوق بلوغه 100 في المئة بحلول عام 2029 إذا استمرت السياسات الحالية.
ليست المشكلة في الرقم وحده، بل في تكلفته. انتهى زمن الفوائد القريبة من الصفر، وباتت الحكومات تسدّد ديونها القديمة بديون ذات فوائد أعلى. وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تقترض حكومات بلدانها نحو 18 تريليون دولار من أسواق السندات في عام 2026. ولا يذهب معظم هذا المبلغ لتمويل بناء جسور أو مدارس جديدة؛ في عام 2025، اقتربت احتياجات إعادة تمويل الديون من 13.5 تريليون دولار، أي نحو 80 في المئة من الاقتراض السيادي الإجمالي.
أميركا: الديون تتوالد
تظهر المعضلة بأوضح صورها في الولايات المتحدة. تجاوز إجمالي الدين الفيدرالي 40 تريليون دولار في آب/أغسطس 2026، لكن الرقم الأدق لقياس عبء السوق هو الدين الذي يحمله "الجمهور" – مستثمرون ومؤسسات داخل الولايات المتحدة وخارجها – والبالغ نحو 32.3 تريليون دولار. أما البقيّة فهي التزامات بين مؤسسات الحكومة نفسها.
ولا يعود هذا التراكم إلى الذكاء الاصطناعي. جذوره أقدم: إنفاق يتجاوز الإيرادات، وتكاليف الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، والميزانيات الدفاعية، والتخفيضات الضريبية، وأخيراً فوائد الدين نفسه. ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس عجزاً يقارب 1.9 تريليون دولار في السنة المالية 2026، وارتفاع الدين الذي يحمله "الجمهور" من 101 في المئة من الناتج هذا العام إلى 120 في المئة في عام 2036.
الأكثر إزعاجاً أن صافي مدفوعات الفائدة قد يرتفع من نحو تريليون دولار إلى 2.1 تريليون سنوياً خلال الفترة نفسها، ليقترب من مجمل الإنفاق التقديري الفيدرالي. عندها لن تعود الفائدة بنداً محاسبياً؛ ستصبح مدفوعات تنافس التعليم والبنية التحتية والدفاع والاستثمار العام.
فاتورة الذكاء الاصطناعي
في الجهة الأخرى، يقترض القطاع الخاص لبناء قدرة حاسوبية غير مسبوقة. أصدرت تسع من كبريات شركات الحوسبة السحابية والتكنولوجيا سندات بنحو 122 مليار دولار في عام 2025، أي ما يقارب نصف إصدارات قطاع التكنولوجيا العالمي. وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يبلغ إنفاقها الرأسمالي الإجمالي نحو 4.1 تريليونات دولار بين عامي 2026 و2030.
لكن هذا الرقم لا يمثل إنفاقاً على الذكاء الاصطناعي وحده؛ هو يشمل مراكز البيانات والحوسبة السحابية والرقائق والبنية الرقمية الأوسع، وإن كان سباق الذكاء الاصطناعي محركه الأساسي. كذلك أوردت المنظمة تقديراً قطاعياً يضع حاجات البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عند 5.2 تريليونات دولار: نحو 3.1 تريليونات للمعدات والرقائق والخوادم، و1.3 تريليون للطاقة والتبريد والاتصالات، و800 مليار للبناء.
هذه ليست مسألة برمجيات فقط. مراكز البيانات تحتاج إلى أرض ومياه ومحولات وخطوط نقل كهرباء وعمّال بناء وفنيين. تفيد وكالة الطاقة الدولية بأن استهلاكها للكهرباء ارتفع 17 في المئة في عام 2025، في مقابل نموّ الطلب العالمي بنحو ثلاثة في المئة، وقد يتضاعف بحلول عام 2030، فيما يُرجَّح أن يتضاعف استهلاك المراكز المخصصة للذكاء الاصطناعي ثلاث مرات.
وظائف أكثر... لكن لمن؟
قد تولّد هذه الاستثمارات موجة عمل في البناء والطاقة والهندسة. وتحتاج الولايات المتحدة إلى نحو 507 آلاف عامل إضافي في قطاعات شبكات الكهرباء والنقل ومنشآت الطاقة بحلول عام 2030، مع كون توسّع مراكز البيانات أحد دوافع هذا الطلب. وقد ترتفع الأجور في المناطق التي تتنافس فيها المشاريع على الفنيّين والعمال المهرة.
لكن بناء المركز شيء وتشغيله شيء آخر. مشروع "أمازون" البالغة قيمته 12 مليار دولار في ولاية لويزيانا، مثلاً، يُتوقَّع أن ينشئ آلاف الوظائف المؤقتة وغير المباشرة، لكنه يوفر نحو 540 وظيفة دائمة فقط. البنية تتطلب رأس مال كثيفاً، لكن بعد اكتمالها لن تكون العمالة كثيفة.
أما داخل المكاتب، فالصورة أكثر تعقيداً. تقدّر منظمة العمل الدولية أن وظيفة من كل أربع وظائف عالمياً تتعرّض بدرجة ما لأثر الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن التحوّل في المهمّات أرجح من الإلغاء الكامل للوظائف. وتوجد أعلى درجات التعرّض في نحو 3.3 في المئة من الوظائف، ولا سيما الأعمال الإدارية والروتينية. وفي المقابل، تشير بحوث صندوق النقد إلى أن الوظائف التي تتطلب مهارات جديدة في الولايات المتحدة وبريطانيا تعرض أجوراً أعلى بنحو ثلاثة في المئة في المتوسط.
سباق بين العائد والفائدة
الوعد الكبير هو أن يرفع الذكاء الاصطناعي الإنتاجية، فينمو الاقتصاد وتتسع الإيرادات الضريبية وتصبح الديون أسهل تحمّلاً. لكن التوقيت هو المشكلة: فوائد الدين تُدفَع الآن، فيما قد تحتاج مكاسب الإنتاجية إلى سنوات، وقد تتركز لدى الشركات والعمّال الأعلى مهارة.
العالم، إذن، يقترض لخدمة التزامات الأمس وبناء اقتصاد الغد في اللحظة نفسها. إذا جاءت مكاسب الذكاء الاصطناعي سريعاً وانتشرت على نطاق واسع، فقد يتحول جانب من الدين إلى استثمار منتج. أما إذا تأخرت، فستصل الفاتورتان معاً: خدمة دين أثقل، وبنية تكنولوجية هائلة لا تولّد بالضرورة ما يكفي من الوظائف والأجور لتعويض تكلفتها.
نبض