الأسواق على إيقاع فائدة أميركيّة عصيّة على الانخفاض
تدفع الحرب النفط والذهب صعوداً، فيما تعيد مخاوف التضخم والديون تسعير السندات والأسهم والعملات. وبين ضعف الدولار وارتفاع العوائد، تتحرك الأسواق في اتجاهات متباينة، لكن الخيط الذي يجمعها هو تراجع توقعات خفض الفائدة الأميركية.
لا تتحرك الأسواق العالمية الخميس على وقع خبر واحد. تعثّر التسوية بين الولايات المتحدة وإيران يرفع النفط، وارتفاع النفط يعيد القلق من التضخم، والتضخم يقلص فرص خفض الفائدة الأميركية، بينما تضغط الفائدة والديون على السندات والأسهم. وفي الجهة المقابلة، يجد الذهب دعماً في الحرب وضعف الدولار والشكوك المتزايدة في قدرة الحكومات على ضبط مديونيتها. هذه السلسلة، الممتدة من مضيق هرمز إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تفسّر لماذا ترتفع بعض الأصول وتنخفض أخرى، ولماذا تبدو مكاسب الأسهم هشة حتى عندما تتحسن شهية المخاطرة ليوم واحد.
النفط يقود موجة القلق
حقق النفط مكاسب للجلسة الخامسة على التوالي، وبلغ أعلى مستوياته في ثلاثة أسابيع. وصعد خام "برنت" تسليم تشرين الأول/أكتوبر خلال التعاملات إلى نحو 94 دولاراً للبرميل، فيما اقترب الخام الأميركي من 88 دولاراً. لا تعني هذه المستويات أن الإمدادات توقفت فجأة، لكنها تكشف ارتفاع "علاوة الخطر" التي يدفعها المشترون تحسباً لأي تعطل إضافي. لا تزال حركة الشحن عبر هرمز أدنى من مستويات ما قبل الحرب، والمفاوضات الأميركية الإيرانية متعثرة.
ولم تعد المشكلة مقتصرة على الخام. يضغط تراجع الإمدادات الواصلة إلى المصافي على مخزونات بعض أنواع الوقود المكرر، وخصوصاً الديزل. وفي المقابل، ارتفعت مخزونات النفط الأميركية 4.4 ملايين برميل في صورة غير متوقعة، ما يحدّ نظرياً من ارتفاع الأسعار، لكنه لم يكن كافياً لمعادلة الخوف من اضطراب الشرق الأوسط.
الاتجاه النفطي صاعد، لكنه سياسي بقدر ما هو اقتصادي. قد يخفض أي تقدم تفاوضي الأسعار سريعاً، بينما قد يدفع تعطل جديد للملاحة "برنت" نحو عتبة 100 دولار. وهذه ليست وجهة محسومة، بل سيناريو مرتبط بتطورات هرمز والإمدادات.
الفائدة الأميركية: الخفض لم يعد قريباً
أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي معدل الفائدة من ضمن نطاق 3.50-3.75 في المئة في اجتماعه يومي 28 و29 تموز/يوليو. لكن محضر الاجتماع، الصادر في 19 آب/أغسطس، كشف تحولاً لافتاً في المزاج: اتسع القلق من استمرار التضخم، واعترض ثلاثة أعضاء مطالبين برفع الفائدة ربع نقطة مئوية، فيما رأى عدد أكبر أن التشديد قد يصبح ضرورياً إذا ظلت الأسعار أعلى من هدف المجلس البالغ اثنين في المئة.
لذلك تراجع السؤال عن موعد خفض الفائدة، وعاد إلى الواجهة احتمال إبقائها مرتفعة أو رفعها مجدداً إذا غذّى النفط التضخم. وتشير تسعيرات السوق إلى احتمال يقارب 67 في المئة لتثبيت الفائدة في أيلول/سبتمبر، لكنها لا تستبعد خفضها في اجتماعات لاحقة إذا ضعف الاقتصاد بدرجة أكبر.
القرار ليس سهلاً. تباطؤ سوق العمل والنشاط الاقتصادي يدعو إلى التريث، بينما يدفع ارتفاع الطاقة في الاتجاه المعاكس. والنتيجة بيئة غير مريحة للأسهم: فائدة مرتفعة تضغط على التمويل والتقييمات، من دون نمو قوي بما يكفي لتبديد القلق.
السندات تكشف خوفاً أعمق
وصل عائد السند الأميركي لأجل 30 سنة إلى 5.337 في المئة، وهو الأعلى منذ عام 2007، قبل أن يتراجع بعدما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات البعيدة الاستحقاق. لكن الارتياح لم يدم؛ عاد العائد إلى نحو 5.22 في المئة، فيما اقترب عائد السند لأجل 10 سنوات من 4.67 في المئة.
وتهدف إعادة الشراء إلى تحسين السيولة والحد من البيع غير المنظم، لكنها ليست برنامجاً نقدياً لشراء الأصول على غرار ما ينفذه مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ولا تضمن خفض العوائد في صورة مستدامة. هي لا تعالج أصل المشكلة: دين أميركي تجاوز 40 تريليون دولار، وعجز مالي واسع، وحاجة متزايدة إلى إصدار السندات، في وقت تعيد فيه أسعار النفط إحياء مخاطر التضخم. وهذا يجعل سوق السندات محور المشهد. إذا استمرت العوائد في الصعود، ترتفع تكلفة الرهون العقارية وقروض الشركات وخدمة الدين الحكومي، وتتراجع جاذبية الأسهم ذات التقييمات المرتفعة.
الأسهم: الطاقة تربح والتكنولوجيا تتألم
تضررت الأسهم الأميركية من اجتماع النفط المرتفع والعوائد الطويلة. وقادت شركات أشباه الموصلات الخسائر، إذ هبط مؤشر فيلادلفيا للرقائق خمسة في المئة في جلسة الثلاثاء، وتراجع "ناسداك" 1.33 في المئة، فالأسهم التكنولوجية تعتمد في تقييمها على أرباح مستقبلية، تصبح قيمتها الحالية أقل كلما ارتفعت الفائدة. في المقابل، استفادت شركات الطاقة من صعود النفط، وصمدت قطاعات دفاعية مثل الرعاية الصحية والسلع الأساسية. أما العقود الأميركية في تعاملات الخميس فبقيت شبه مستقرة، بما يعكس الحذر لا انهيار السوق.
وفي أوروبا، تحرك مؤشر "ستوكس 600" قرب الاستقرار مع ميل طفيف إلى الانخفاض. ربحت شركات الطاقة، بينما تضررت أسهم السفر والترفيه من ارتفاع الوقود. أما آسيا فسجلت ارتداداً قوياً قادته كوريا الجنوبية بمكاسب قاربت ستة في المئة، بعد خسائر حادة في الجلسة السابقة. وارتفعت مؤشرات اليابان وهونغ كونغ أيضاً، لكن الحركة تبدو أقرب إلى ارتداد تقني منها إلى بداية موجة صعود مستقرة.
الذهب: تصحيح داخل اتجاه صاعد
تراجع الذهب إلى نحو أربعة آلاف و488 دولاراً للأونصة بعد قفزة تجاوزت أربعة في المئة في الجلسة السابقة، عندما بلغ أربعة آلاف و525.79 دولاراً، في أعلى مستوى في أكثر من شهرين. ويبدو التراجع أقرب إلى جني أرباح منه إلى انقلاب كامل في الاتجاه. يستفيد الذهب من الحرب وضعف الدولار والقلق من الديون، لكنه يتضرر عندما ترتفع العوائد الحقيقية، لأن المعدن لا يمنح حائزه فائدة. وتراجعت كذلك الفضة والبلاتين والبلاديوم خلال الجلسة، بعد المكاسب السابقة.
وتجاوز النحاس 14 ألف دولار للطن خلال آب/أغسطس، مدعوماً بتراجع المخزونات المتاحة خارج الولايات المتحدة. وكانت الكميات القابلة للتسليم في مستودعات بورصة لندن قد هبطت في مطلع الشهر إلى ما يزيد قليلاً على استهلاك عالمي ليوم واحد. لكن صعود النحاس لا يعني بالضرورة طفرة في الصناعة العالمية. فقد تدفقت كميات كبيرة إلى الولايات المتحدة تحسباً للرسوم الجمركية، ما سبب ندرة مصطنعة جزئياً في الأسواق الأخرى ورفع السعر في لندن. لذلك يجمع اتجاه النحاس بين نقص فعلي في المخزونات وتشوه تجاري، فيما يظل عرضة إلى أي تباطؤ في الصين أو عودة الكميات المخزنة إلى السوق. ويستفيد الألومنيوم بدوره من ارتفاع الطاقة، لأن إنتاجه يحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء.
الدولار يترجم معضلة الدين والفائدة
انخفض مؤشر الدولار إلى أدنى مستوى في ثلاثة أشهر قرب 98.7 نقطة، وصعد اليورو إلى نحو 1.169 دولار، فيما تجاوز الجنيه الإسترليني 1.36 دولار. وجاء ضعف العملة الأميركية بعد إعلان الخزانة زيادة إعادة شراء السندات، وهو ما هدّأ مخاوف اضطراب السوق. لكنه ليس اتجاهاً مضموناً؛ إذا عاد مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع الفائدة، قد يستعيد الدولار قوته. أما إذا رأى المستثمرون أن السلطات ستتدخل باستمرار لمنع ارتفاع العوائد، فقد يبقى تحت الضغط.
الخلاصة أن الأسواق تدخل مرحلة يعاد فيها تسعير كل شيء تقريباً: النفط بحسب هرمز، والذهب بحسب الثقة، والنحاس بحسب المخزونات والتجارة، والأسهم بحسب العوائد، والدولار بحسب الصراع بين التضخم والدين. وقد تتبدل الأسعار يومياً، لكن الاتجاه الأعمق واضح: زمن المال السهل ابتعد، وأصبحت الجغرافيا السياسية جزءاً مباشراً من تكلفة الاقتراض والاستثمار.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
أكّد الوزير رجي لـ"النهار": "ان هذه المسألة لا تحتمل أي اجتهاد أو تأويل، وبمجرد إعلان أي ديبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه، يتوجب عليه مغادرة أراضي الدولة المضيفة، ولا يعود لأي تأشيرة أو إذن دخول أو إقامة مُنح له سابقاً أي أثر قانوني يجيز استمرار وجوده على أراضيها".
نبض