"البحري" تحقق أقوى أرباحها الفصلية منذ سنوات
ارتفاع أرباح الشركة السعودية 421 في المئة خلال النصف الأول من عام 2026، في ضوء توسع أسطولها وتحول صادرات نفطية نحو البحر الأحمر وميناء ينبع.
منذ تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في شباط/فبراير 2026، تكرر إغلاق مضيق هرمز وإعادة فتحه أكثر من مرة، وسط حصار بحري أميركي مفروض على إيران، ما عطّل بشكل متقطع ممراً يعبره نحو خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية. هذا الاضطراب لم يقتصر أثره على أسعار الطاقة، بل امتد إلى صناعة الشحن البحري بأكملها: ارتفعت تكاليف التأمين على الناقلات العابرة للخليج العربي، وأعادت شركات النفط، وعلى رأسها الشركات السعودية، توجيه جزء من صادراتها بعيداً عن الممرات الأكثر عرضة للتوترات نحو البحر الأحمر، ما رفع من الأهمية الاستراتيجية لميناء ينبع كمحطة تحميل بديلة.
في خضم هذا التحول، برزت الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري (البحري)، أكبر شركة في قطاع الشحن والخدمات اللوجستية في السعودية والمالكة لأحد أكبر أساطيل ناقلات النفط العملاقة (VLCC) في العالم، بصفتها من أبرز الأطراف في ضوء إعادة تشكيل خطوط الإمداد الإقليمية. الشركة، المدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) تحت الرمز 4030 والتي تأسست عام 1978، تدير أسطولاً مملوكاً بلغ 107 سفن حتى نهاية حزيران/يونيو 2026، إلى جانب حصص في مجموعة بتردك لشحن وتجارة غاز البترول المسال، و"شركة الحبوب الوطنية"، وشركة المصانع البحرية الدولية لبناء السفن.
أرقام قوية لـ"البحري"
سجلت "البحري" صافي ربح بلغ 4.90 مليارات ريال (1.31 مليار دولار) للنصف الأول من عام 2026، بنمو 421% على أساس سنوي، وصافي ربح بلغ 2.75 ملياري ريال (733.15 مليون دولار) في الربع الثاني وحده، بارتفاع 574% مقارنة بـ407 ملايين ريال (108.5 مليون دولار) في الربع المماثل من عام 2025. رفع هذا الأداء هامش صافي الربح إلى 44% في الربع الثاني مقابل 17% للفترة المماثلة من العام السابق، وإلى 43% على مستوى النصف الأول مقابل 20% سابقاً. وعلى أساس ربع سنوي، ارتفع صافي الربح 28% مقارنة بالربع الأول من عام 2026، الذي كان قد سجل بدوره نمواً استثنائياً بلغ 303% على أساس سنوي.
بلغت ربحية السهم في الربع الثاني 2.98 ريالين (0.79 دولار) مقابل 0.44 ريال (0.12 دولار) قبل عام، وعلى مستوى النصف الأول 5.31 ريالات (1.42 دولار) مقابل 1.02 ريال (0.27 دولار).
وأوضحت الشركة، في إفصاح لسوق "تداول" أن الأداء يعود بشكل رئيسي إلى قطاع النفط لدى "البحري"، الذي استفاد من ارتفاع أسعار الشحن المحققة نتيجة التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وزيادة أيام التشغيل، والتوسع في استئجار الناقلات لتلبية طلب العملاء.
وقال المهندس أحمد علي السبيعي، الرئيس التنفيذي لـ"البحري": "حققت الشركة أداءً استثنائياً قوياً في الربع الثاني، لتختتم بذلك النصف الأول من عام 2026 بشكل متميز، في خضم مواجهة بيئة تشغيلية متقلبة وغير مسبوقة في منطقة الخليج العربي. حافظ فريقنا على انضباطه في تنفيذ العمليات، مدعوماً بالتوظيف المرن لأسطول الشركة، والعلاقات الوطيدة مع العملاء، ونطاق انتشار شبكتنا العالمية".
نمو قياسي للإيرادات
ارتفعت إيرادات الربع الثاني 156% إلى 6.31 مليارات ريال (1.68 مليار دولار) مقابل 2.46 ملياري ريال (655.84 مليون دولار) قبل عام، وبزيادة ربعية 27%. وعلى مستوى النصف الأول، ارتفعت الإيرادات 144% إلى 11.27 مليار ريال (3 مليارات دولار) مقارنة بـ4.63 مليارات ريال (1.23 مليار دولار) في الفترة المماثلة من عام 2025.
البحر الأحمر يكتسب ثقلاً استراتيجياً
سجل قطاع النفط لدى "البحري"، المحرك الأساسي للنمو والقطاع الأكثر تأثراً بأزمة هرمز، إيرادات بلغت 4.72 مليارات ريال (1.26 مليار دولار) في الربع الثاني، بنمو 266% على أساس سنوي، وبلغت إيرادات النصف الأول 8.46 مليارات ريال (2.26 ملياري دولار)، بنمو 254%. كما سجل القطاع مكاسب رأسمالية بلغت 63 مليون ريال (16.80 مليون دولار) من بيع ناقلة عملاقة للنفط الخام، فيما ساهم تحول تدفقات صادرات النفط نحو البحر الأحمر في تعزيز دور ميناء ينبع كمحطة تحميل رئيسية، وهو تحول يعكس إعادة توجيه خطوط الشحن الإقليمية بعيداً عن الممرات الأكثر تعرضاً للتوترات في الخليج.
كذلك حقق قطاع الكيماويات والمنتجات إيرادات بلغت 899 مليون ريال (239.67 مليون دولار)، بنمو 17%، مدعوماً بالتركيز على شحنات المنتجات البترولية النظيفة ذات الهوامش الأعلى، والاستحواذ على خمس ناقلات مواد كيميائية دخلت أربع منها الخدمة التجارية بالكامل خلال الفترة.
أما قطاع الخدمات اللوجستية المتكاملة، فسجل نمواً بلغ 58% في إيرادات الربع الثاني إلى 437 مليون ريال (116.5 مليون دولار)، مستفيداً بشكل مباشر من ارتفاع الطلب على خدمات الشحن الجوي والبري وحلول النقل العابر عبر المملكة، عقب إغلاق مضيق هرمز وما تلاه من تكيف سلاسل التوريد العالمية مع الاضطرابات. كما دشّن القطاع مستودعاً في منطقة الإيداع الجمركي بمساحة 95 ألف متر مربع في ميناء جدة الإسلامي، في خطوة تعزز موقع المملكة كممر بديل للتجارة.
قطاع البضائع السائبة حقق إيرادات بلغت 195 مليون ريال (52 مليون دولار)، بنمو 96%، مستفيداً من استغلال فرص شحنات إضافية من الحبوب والأسمدة والفحم.
خمس سنوات من الاستعداد
يشار إلى أن بيانات الشركة منذ عام 2021 تكشف أن "البحري" لم تكن مجرد شركة صادف أن أزمة جيوسياسية رفعت أسعار الشحن في وقتها، بل كانت قد بدأت منذ سنوات إعادة بناء ميزانيتها العمومية وأسطولها، ما وضعها في موقع أفضل من منافسيها لاستثمار الفرصة عند وقوعها.
ارتفعت الإيرادات السنوية من 5.35 مليارات ريال (1.43 مليار دولار) في عام 2021 إلى "دولار) في عام 2025. لكن إيرادات النصف الأول وحده من عام 2026 بلغت 11.27 مليار ريال (3.01 مليارات دولار)، متجاوزة إجمالي عام 2025 كاملاً خلال ستة أشهر فقط، فيما تضاعف صافي الربح في الفترة نفسها إلى 4.90 مليارات ريال (1.31 مليار دولار)، أي ضعف أرباح عام 2025 بأكمله. المؤشر نفسه تكرر في الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء، التي بلغت 6.23 مليارات ريال (1.66 مليار دولار) في النصف الأول من 2026 وحده، متجاوزة إجمالي عام 2025 البالغ 5.23 مليارات ريال (1.40 مليار دولار) - قفزة غير مسبوقة تزامنت مع اندلاع الاضطرابات في مضيق هرمز.
هذه القفزة لم تأتِ من فراغ: بين عامي 2024 و2025، ضخّت الشركة إنفاقاً رأسمالياً استثنائياً بلغ 5.48 مليارات ريال (1.46 مليار دولار) ثم 4.25 مليارات ريال (1.13 مليار دولار) على التوالي - مقارنة بمعدل لم يتجاوز 1.65 مليار ريال سنوياً بين 2021 و2023 - لتوسيع أسطولها بناقلات نفط وكيميائيات جديدة، وهو استثمار تحوّل إلى أصل استراتيجي مع اندلاع الأزمة.
وأعادت الشركة هيكلة تمويلها لصالح آجال أطول: تراجعت القروض القصيرة الأجل من 5.06 مليار ريال (1.35 مليار دولار) في 2021 إلى نحو مليار ريال (270 مليون دولار) بنهاية الربع الثاني من 2026، مقابل ارتفاع الدين الطويل الأجل إلى 10.29 مليارات ريال (2.74 ملياري دولار). ورغم اتساع الدين، ظلت تكاليف التمويل شبه مستقرة (334.10 مليون ريال/89.09 مليون دولار في النصف الأول من 2026 مقابل 341.75 مليون ريال قبل عام)، ما يشير إلى إعادة تمويل بشروط أفضل ضاعفت انتقال الأرباح إلى صافي الربح.
واستأنفت الشركة توزيعاتها النقدية على مساهميها تدريجياً بعد توقفها في عام 2022، من 246.10 مليون ريال (65.63 مليون دولار) في عام 2023 إلى 738.28 مليون ريال (196.88 مليون دولار) في عام 2025، في مؤشر إضافي على تحسن قدرتها على توليد النقد قبل أن تنطلق أرباحها بالوتيرة الحالية.
نبض