هل سنرى عودة "تأثير سبتمبر" هذا العام بالتزامن مباشرة مع مؤتمر جاكسون هول؟
لا يمتلك أحد تفسيراً واحداً قاطعاً، وهذا جزء مما يجعل "تأثير سبتمبر" موضوعاً مثيراً للجدل. بدلاً من اعتباره سبباً للذعر، يفضّل كثير من الاستراتيجيين النظر إليه كفرصة لمراجعة المحافظ الاستثمارية، والاستفادة من أي ضعف قصير الأجل، والتركيز على الاستثمارات العالية الجودة المتوافقة مع الأهداف الطويلة الأجل.
في مثل هذا الوقت من كل عام، يتسلل شعور مألوف بالقلق إلى قاعات التداول ومراجعات المحافظ الاستثمارية: شهر سبتمبر/ أيلول قادم، ولهذا الشهر سمعة سيئة تاريخياً. يطلق المستثمرون على هذه الظاهرة اسم "تأثير سبتمبر" (September Effect)، وهو الميل الموثّق جيداً لأداء الأسهم الضعيف خلال الشهر التاسع من العام، أكثر من أي شهر آخر في التقويم. وهذا العام، يتزامن هذا القلق الموسمي مع حدث أكثر أهمية: مؤتمر جاكسون هول الاقتصادي التابع للاحتياطي الفيدرالي، وهو أحد أكثر الأحداث متابعةً في التقويم المالي بأكمله. وقد يكون فهم كيفية تفاعل هاتين القوتين هو الفارق بين الذعر خلال الأسابيع المقبلة والاستفادة منها بحكمة.
ما هو "تأثير سبتمبر" بالضبط؟
يصف "تأثير سبتمبر" ظاهرة إحصائية غريبة ومستمرة: منذ أن بدأت بيانات السوق الموثوقة قبل ما يقارب قرناً من الزمن، كان سبتمبر الشهر الوحيد في التقويم الذي يسجل فيه مؤشر S&P500 متوسط عائد سلبي. فقد كان سبتمبر تاريخياً الشهر الأضعف أداءً في سوق الأسهم، بمتوسط عوائد أقل من أي شهر آخر، رغم أن الأدلة التي تربط هذا الاتجاه بالتقويم نفسه لا تزال ضعيفة نسبياً. واللافت أن هذا النمط ليس مجرد ظاهرة أميركية ناتجة عن سنة أو سنتين سيئتين فحسب، بل تُظهره البيانات باستمرار عبر عقود.
الجدير بالذكر أن الإحصاءات التي تعود إلى عام 1928 تُظهر أن سبتمبر يشهد خسائر في غالبية السنوات، ما يجعله الشهر الوحيد الذي يسجل متوسط عائد سلبي على المدى الطويل، وذلك فقًا لأبحاث مجموعة CME.

لماذا يحدث هذا؟
لا يمتلك أحد تفسيراً واحداً قاطعاً، وهذا جزء مما يجعل "تأثير سبتمبر" موضوعاً مثيراً للجدل. بدلاً من اعتباره سبباً للذعر، يفضّل كثير من الاستراتيجيين النظر إليه كفرصة لمراجعة المحافظ الاستثمارية، والاستفادة من أي ضعف قصير الأجل، والتركيز على الاستثمارات العالية الجودة المتوافقة مع الأهداف الطويلة الأجل. ومع ذلك، هناك عدة نظريات تتكرر باستمرار لتفسير هذه الظاهرة:
- إعادة التوازن بعد الصيف: يعود المستثمرون المؤسسيون من إجازاتهم في سبتمبر ويبدأون بتعديل محافظهم، وغالباً ما يقلّصون المراكز الضعيفة الأداء قبل دورات إعداد التقارير الختامية للسنة.
- البيع لأغراض ضريبية: تستخدم صناديق الاستثمار المشترك والمستثمرون الأفراد شهر سبتمبر "لحصاد الخسائر" لأغراض ضريبية، ما يضيف ضغطاً بيعياً إضافياً.
- دورات إصدار السندات: يميل إصدار السندات الجديدة إلى الارتفاع في سبتمبر بعد فترة صيف هادئة، ما يسحب رؤوس الأموال من الأسهم باتجاه أدوات الدخل الثابت.
- استنزاف السيولة: هناك مجموعة متنامية من التحليلات تشير إلى عوامل أعمق في "البنية التحتية" المالية: فمدفوعات الضرائب الفصلية المقدّرة للشركات والأفراد تستحق حول 15 سبتمبر، ما يسحب النقد من النظام المصرفي باتجاه الخزانة الأميركية، ويستنزف احتياطيات البنوك في وقت تكون فيه الأسواق بأمسّ الحاجة للسيولة. وكما ورد في إحدى النشرات المتخصصة في تحليل السيولة، فإن القوة المحرّكة الحقيقية ليست موسم الأرباح، بل حركة السيولة التي يتحكم بها الاحتياطي الفيدرالي، وهي ما يحرّك الأسواق فعلياً أكثر من المقاييس التقليدية التي يراقبها معظم المستثمرين.
فقلة السيولة المتداولة في النظام المالي تعني عادةً أسواقاً أرقّ وأكثر حساسية، والأسواق الرقيقة تضخّم تأثير أي خبر سلبي.
هنا يأتي دور جاكسون هول
إن كان سبتمبر هو الشهر الذي تتقلّص فيه السيولة وتتوتر فيه الأعصاب، فإن مؤتمر جاكسون هول غالباً ما يكون المحطة التي تُحدَّد فيها نبرة الأسابيع التالية. سيستضيف بنك الاحتياطي الفيدرالي في مدينة كانساس سيتي مؤتمر جاكسون هول الاقتصادي لعام 2026 من الخميس 27 أغسطس إلى السبت 29 آب/ أغسطس، وسيكون موضوع هذا العام "الابتكار المالي: تداعياته على المدفوعات والسياسات"، بالتركيز على كيفية إعادة تشكيل المدفوعات الرقمية والعملات الرقمية للبنوك المركزية والتكنولوجيا المالية لآليات نقل السياسة النقدية وتنظيمها. ومن المتوقع أن يحضر المؤتمر نحو 120 من محافظي البنوك المركزية وصانعي السياسات والاقتصاديين والأكاديميين من أكثر من 70 دولة.
نظرياً، قد يبدو مؤتمر يتناول البنية التحتية للمدفوعات موضوعاً تقنياً هامشياً. لكن عملياً، نادراً ما تتعامل الأسواق معه على هذا الأساس. فهو أحد أكثر الأحداث متابعةً في عالم البنوك المركزية العالمية، لأن كبار صانعي السياسات، بمن فيهم رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كثيراً ما يستخدمونه للإشارة إلى الاتجاه المستقبلي للسياسة النقدية، وقد تُحرّك الخطابات الناتجة عن ذلك العملات والسندات والأسهم والسلع، وغالباً ما تُثير تقلبات حادة أثناء المؤتمر وبعده.
ويضيف هذا العام طبقة إضافية من الترقّب: إذ من المتوقع أن يكون هذا أول خطاب رئيسي يُلقيه رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي في جاكسون هول، وهو ظهور ستتابعه الأسواق كلمةً كلمةً بحثاً عن دلائل حول وتيرة تحركات أسعار الفائدة المستقبلية. ويعطي التاريخ سبباً وجيهاً للمستثمرين لمتابعة خطاب صباح الجمعة تحديداً عن كثب؛ فقد سبق لخطابات سابقة أن حرّكت مؤشر S&P500 بنسب مئوية ملموسة في جلسة تداول واحدة، صعوداً أو هبوطاً، بحسب نبرة الخطاب المتشددة أو المتساهلة.

لماذا يهم التوقيت؟
هنا تتقاطع القصتان. رصدت إحدى النشرات المتخصصة في تتبّع ديناميكيات الخزانة والاحتياطيات نمطاً ثابتاً: غالباً ما تشهد الأسواق تصحيحاً في الأيام التالية لمؤتمر الاحتياطي الفيدرالي الصيفي، وحين لا يحدث البيع فوراً، فإنه غالباً ما يظهر بعد أيام قليلة، أي مع بداية سبتمبر. بعبارة أخرى، لا يقتصر دور جاكسون هول على مجرد التزامن الزمني مع "تأثير سبتمبر"، بل يُعدّ إحدى الآليات التي تسهم في تحفيزه. فنبرة رئيس الاحتياطي الفيدرالي في المؤتمر قد تُهدّئ الأسواق قبيل دخول شهر هش تاريخياً، أو قد تضيف قلقاً جديداً في وقت تتراجع فيه السيولة أصلًا بفعل المدفوعات الضريبية وإصدار السندات.
هل ينبغي للمستثمرين القلق؟
ليس بالضرورة، لكن عليهم البقاء يقظين. فحتى مع متوسط العائد السلبي، ينهي سبتمبر التداول في المنطقة الإيجابية في نحو 45% من السنوات، ولا يوجد نمط ثابت يربط النتيجة بسنة معينة. ويميل معظم الاستراتيجيين إلى النظر إلى "تأثير سبتمبر" لا كسبب للبيع الشامل، بل كإشارة لتوقّع تقلبات أكبر والتحلي بالانضباط.
مؤتمر جاكسون هول و"تأثير سبتمبر" ظاهرتان منفصلتان؛ الأولى حدث متعلق بالسياسة الاقتصادية، والثانية نمط موسمي إحصائي، لكنهما يتزامنان هذا العام، كما حدث في سنوات سابقة. والمستثمرون الذين يفهمون سبب تراجع السيولة في سبتمبر، وسبب قدرة اجتماع كبار محافظي البنوك المركزية في نُزل بولاية وايومنغ على تحريك الأسواق، سيكونون في موقع أفضل بكثير لقراءة الأسابيع المقبلة بطريقة صحيحة، مقارنة بمن يكتفون بالترقّب المتشائم لمجرد أن التقويم يقول ذلك.
نبض