نحو حياد اقتصادي يحمي اللبنانيين
د. جيسيكا ايلي ابو مراد
لم يعد الفقر في لبنان مجرّد نتيجة لانكماش اقتصادي أو تراجع ظرفي في المداخيل، بل أصبح دليلاً على انهيار قدرة الدولة على حماية المجتمع. فقد قدّر البنك الدولي أن نسبة الفقر بلغت 44% عام 2022 في المحافظات الخمس التي شملها المسح، بعدما كانت 12% عام 2012. خلف هذا الرقم تحوّل اجتماعي خطير: تقلّصت الطبقة الوسطى، وتراجعت قيمة العمل، وأصبح الحصول على التعليم والصحة والغذاء مرتبطاً بالدولار والتحويلات الخارجية، لا بحقوق المواطن داخل دولته.
صحيح أن الاقتصاد اللبناني سجّل نمواً حقيقياً بنسبة 3.5% عام 2025، مستفيداً من تحسّن نسبي في الاستقرار، وانتعاش السياحة وبعض التقدّم الإصلاحي. لكن هذا النمو لا يرقى بعد إلى مستوى التعافي. فهو لم ينتج قطاعاً مصرفياً قادراً على تمويل الاستثمار، ولم يوفّر فرص عمل مستقرة، ولم يُعد بناء الخدمات العامة. إنه نموّ هش، يمكن أن يرفعه موسم سياحي جيد وأن تمحوه جولة أمنية واحدة.
المشكلة أن السلطة الاقتصادية لا تزال تتعامل مع لبنان كما لو كان بلداً يمر بأزمة مؤقتة، فيما هو يعيش داخل منطقة تُنتج الصدمات بصورة متكررة. وبعد كل مواجهة، تتكرر الوصفة نفسها: احتساب الخسائر، طلب المساعدات، دعم بعض المتضررين، ثم انتظار الأزمة المقبلة. هكذا تحوّلت إدارة الكوارث إلى بديل عن السياسة الاقتصادية.
ولا يجوز تعليق هذا الفشل كله على الجغرافيا السياسية. فالحرب تفسّر تراجع السياحة وارتفاع كلفة الشحن والتأمين وتعطّل بعض الأنشطة، لكنها لا تفسّر التأخر المزمن في إعادة هيكلة المصارف، أو غياب الموازنة الاجتماعية، أو ترك المؤسسات الصغيرة من دون تمويل. وقد أكّد صندوق النقد أن معالجة أوضاع المصارف شرط لإعادة الائتمان إلى القطاع الخاص، وحماية المودعين إلى أقصى حد ممكن، والخروج من الاقتصاد النقدي الذي يضعف الرقابة ويزيد التفاوت.

لكن إعادة هيكلة المصارف، رغم ضرورتها، تعالج أزمة الماضي ولا تكفي لحماية لبنان من صدمات المستقبل. لذلك يحتاج البلد إلى طرح يتجاوز الإصلاحات التقليدية: إقرار مبدأ الحياد الاقتصادي وتأسيس بروتوكول وطني لاستمرارية الاقتصاد.
ما معنى الحياد الاقتصادي؟
الحياد الاقتصادي لا يعني اتخاذ موقف سياسي محايد من صراعات المنطقة، بل يعني تحييد حياة اللبنانيين عنها. ويبدأ ذلك بتصنيف المرفأ والمطار والاتصالات والطاقة والتحويلات المالية وسلاسل الغذاء والدواء على أنها بنية سيادية محمية لا يجوز تعطيلها أو استخدامها كورقة ضغط داخلية أو إقليمية.
ويجب ألا يبقى هذا المبدأ شعاراً. المطلوب قانون يلزم كل مرفق حيوي بإعداد خطة تشغيل بديلة: مسارات احتياطية للاستيراد، قدرة طوارئ لتخزين السلع الأساسية، نظام دفع إلكتروني يستمر عند تعطل المصارف، مراكز بيانات واتصالات بديلة، وآلية تسمح للمؤسسات الصغيرة بدفع الأجور والاستمرار خلال الأزمات.
كما يجب إنشاء غرفة دائمة لاستمرارية الاقتصاد تضم مصرف لبنان والوزارات المختصة والقطاع الخاص، لا بهدف توزيع النفوذ أو إصدار البيانات، بل لاختبار الجاهزية ونشر مؤشرات واضحة عن مخزون الغذاء والدواء، وقدرة المرافق، ومخاطر النقل والتأمين. ويجب أن تخضع هذه الغرفة لرقابة برلمانية ومالية علنية، لأن إدارة الطوارئ في الظلام قد تتحول سريعاً إلى باب جديد للهدر والمحاصصة.
الفكرة الأساسية بسيطة: لا يستطيع لبنان التحكم بكل ما يحدث حوله، لكنه يستطيع منع انتقال كل صراع مباشرةً إلى راتب المواطن ودوائه وفرصة عمله. فالدولة التي تكتفي بتعويض الناس بعد سقوطهم لا تمارس حماية اجتماعية، بل تدير الفقر.
لبنان لا يحتاج إلى اقتصاد يتعافى بين حربين، بل إلى اقتصاد يستطيع الاستمرار خلالهما. والسيادة الاقتصادية لا تُقاس فقط بمن يسيطر على الحدود، بل أيضاً بمن يضمن بقاء المرفأ مفتوحاً، والدواء متوافراً، والتحويلات قائمة، والناس في أعمالهم عندما تغلق السياسة سائر الأبواب.
نبض