التكيّف المناخي: سوق تتجاوز تريليون دولار
تعرف على اقتصاد التكيّف المناخي وفرص الاستثمار فيه، وكيف تحوّلت الإمارات إلى نموذج عالمي في تعزيز المرونة والتكيف مع تغير المناخ.
لسنوات عدة، تركزت أكبر رهانات رأس المال المناخي على الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات والسيارات الكهربائية، إلا أن موجة استثمارية ثانية تتشكل سريعاً: اقتصاد التكيّف مع التغير المناخي (Climate Adaptation)، أي المنتجات والبنى التحتية والخدمات التي تساعد المدن والشركات والأفراد على العيش والعمل في عالم أشد حرارة، وأكثر تعرضاً للفيضانات والجفاف والعواصف وندرة المياه.
لا ينافس هذا الاقتصاد خفض الانبعاثات، إنما يكمله. فحتى مع تسارع التحول إلى الطاقة النظيفة، بات جزء من آثار الاحترار واقعاً يجب الاستعداد للتعامل مع تداعياته. من هنا تتحول الحماية من المناخ من "تكلفة دفاعية" إلى سوق تشمل التبريد المستدام، وإدارة المياه، والزراعة الذكية، والمباني المقاومة للحرارة والفيضانات، والإنذار المبكر، والتأمين المناخي، والبيانات الجوية، وحماية السواحل.
لماذا صار اقتصاد التكيّف المناخي سوقاً تتجاوز تريليون دولار؟
الأرقام تفسر التحول: يقدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة احتياجات الدول النامية لتمويل التكيّف بين 310 مليارات و365 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2035، بينما بلغ التمويل الدولي العام للتكيّف 26 مليار دولار فقط في 2023. وتقول مؤسسة التمويل الدولية إن 65 مليار دولار فقط من تدفقات التكيّف أمكن تتبعها في 2023، وإن 98% منها جاءت من القطاع العام، ما يعني أن المساحة أمام رأس المال الخاص لا تزال هائلة.
أما Boston Consulting Group فتقدر الطلب العالمي على استثمارات التكيّف والمرونة، بما يشمل الاقتصادات المتقدمة، بين 500 مليار و1.3 تريليون دولار سنوياً بحلول 2030. وتذهب دراسة لـGIC بالتعاون مع Bain أبعد من ذلك: إيرادات مجموعة مختارة من حلول التكيّف تبلغ نحو تريليون دولار سنوياً اليوم، وقد تصل إلى 4 تريليونات دولار في 2050، فيما قد ترتفع فرصة الاستثمار المرتبطة بها من تريليونين إلى 9 تريليونات دولار.

ما القطاعات التي تربح من التكيّف المناخي؟
هذه السوق ليست قطاعاً واحداً. فالتبريد وحده مرشح، وفق مؤسسة التمويل الدولية، ليصبح سوقاً سنوية حجمها 600 مليار دولار بحلول 2050. كما تتسع أسواق مواد البناء المقاومة للعواصف والحرارة، وأنظمة تصريف المياه، وتحلية المياه وإعادة استخدامها، وتقنيات الري والزراعة الدقيقة، والأقمار الاصطناعية وتحليلات الطقس، والتأمين البارامتري، وحلول حماية السواحل.
كما إن العائد ليس بيئياً فحسب؛ إذ وجدت دراسة حديثة صادرة عن مجموعة البنك الدولي أن إنفاق ما بين 2.4 و8% من قيمة بعض أصول البنية التحتية على المرونة يحقق نسباً مرتفعة للمنفعة إلى الكلفة، وأن كل دولار في إجراءات مستهدفة قد يحمي ما يصل إلى 8.6 دولارات من قيمة الأصول. إنها معادلة تجعل "الاستعداد للكوارث" جزءاً من إدارة رأس المال، لا بنداً خيرياً.
كيف تحوّل الإمارات التكيّف المناخي إلى بنية اقتصادية مستقبلية؟
تملك دولة الإمارات العربية المتحدة موقعاً متقدماً في هذا التحول، لأنها تعاملت مبكراً مع التكيّف كجزء من التخطيط الاقتصادي. فقد أسست البرنامج الوطني للتكيف مع التغير المناخي في عام 2018، وأجرت تقييماً للمخاطر في قطاعات الصحة والبيئة والطاقة والبنية التحتية والتأمين، ثم أطلقت خلال مؤتمر COP28 خارطة طريق للخطة الوطنية للتكيف. والأهم أن المؤتمر أقر "إطار الإمارات للمرونة المناخية العالمية"، الذي وضع أهدافاً واضحة للتكيف مع المسألة المناخية، تشمل المياه والغذاء والصحة والبنية التحتية والطبيعة.
في المياه، تقدم الإمارات نموذجاً قابلاً للتحويل إلى اقتصاد تقني واستثماري. فوفق المساهمة الوطنية الثالثة للدولة، خفّض برنامج إدارة الطلب استخدام المياه بنحو 513 مليون متر مكعب، وارتفعت إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 77%، والهدف بلوغ نسبة 95% في 2036. وتعمل استراتيجية الأمن المائي 2036 على ضمان الإمدادات في الظروف الطبيعية والطوارئ، من خلال إدارة الطلب والعرض والإنتاج والتوزيع في الأزمات.
أما دبي، فقد ترجمت مفهوم "المدينة المتكيفة" إلى استثمار مباشر عبر مشروع "تصريف" بقيمة 30 مليار درهم، المصمم لرفع قدرة شبكة تصريف مياه الأمطار 700% والتعامل مع أكثر من 20 مليون متر مكعب يومياً، ضمن بنية مخطط لها لخدمة الإمارة بـ 100 عام مقبلة. وهذا النوع من المشاريع يخلق سلسلة قيمة تشمل الهندسة والأنفاق والمضخات وأجهزة الاستشعار والتحكم الرقمي وتحليل البيانات.
وفي الحلول الطبيعية، تستهدف الإمارات زراعة 100 مليون شجرة قرم بحلول 2030. وفي أبوظبي وحدها، تغطي أشجار القرم نحو 176 كيلومتراً مربعاً، وتختزن أكثر من 3 ملايين طن من الكربون، إلى جانب دورها حاجزاً طبيعياً يحمي السواحل من العواصف والتآكل. وهكذا، تجمع التجربة الإماراتية بين البنية التحتية الصلبة والحلول القائمة على الطبيعة والتكنولوجيا والتمويل في منظومة واحدة للمرونة المناخية.
هل من نماذج عالمية للمرونة المناخية؟
عالمياً، بنت هولندا برنامج الدلتا بوصفها منظومة مستمرة لحماية البلاد من الفيضانات حتى عام 2050، فيما تستثمر سنغافورة في مصادر مياه أقل اعتماداً على الطقس مثل NEWater والتحلية، وتدعم الشركات لرفع إعادة تدوير المياه.
وفي البرازيل موّلت IFC استثماراً بـ200 مليون دولار لتعزيز مرونة المياه والصرف الصحي في ساو باولو، بينما ساعدت في الهند على تعبئة 300 مليون دولار لمبانٍ أعلى كفاءة وأشد مرونة في مواجهة ارتفاع الحرارة.
ختاماً، كانت الطاقة الخضراء الموجة الأولى من اقتصاد المناخ؛ أما الموجة التالية فهي جعل الاقتصاد نفسه قادراً على الاستمرار تحت ضغط المناخ. ومن يملك تقنيات الماء والتبريد والإنذار المبكر والبناء المرن والزراعة المقاومة والتمويل المناخي لن يقدم الحماية وحدها، إنما يؤمن شرطاً أساسياً لاستمرار المدن والأعمال. ولهذا، ليست سوق التكيّف في طريقها إلى كسر حاجز التريليون دولار فحسب؛ فوفق بعض التقديرات الاستثمارية، لقد دخلت بالفعل عصر التريليونات، والآتي لا يبشّر كثيراً.
نبض