ماذا حقق صندوق الاستثمارات العامة في خمس سنوات وماذا لم يحقق؟

اقتصاد وأعمال 18-08-2026 | 15:29

ماذا حقق صندوق الاستثمارات العامة في خمس سنوات وماذا لم يحقق؟

في مطلع 2021 أعلن صندوق الاستثمارات العامة مستهدفات طموحة لخطته الخمسية: أصول مُدارة بأربعة تريليونات ريال (نحو 1.07 تريليون دولار)، واستثمارات محلية سنوية بـ150 مليار ريال (40 مليار دولار). في 2025، حقق الصندوق بعض هذه الأهداف وتجاوزها بفارق كبير، بينما ابتعد عن أخرى.

ماذا حقق صندوق الاستثمارات العامة في خمس سنوات وماذا لم يحقق؟
مقر صندوق الاستثمارات العامة في كافد (موقع الصندوق)
Smaller Bigger

في كانون الثاني/يناير 2021، أطلق صندوق الاستثمارات العامة "برنامج تحقيق الرؤية" لمدة خمس سنوات (2021-2025). وحدد له ستة مستهدفات رئيسة، أبرزها رفع الأصول المُدارة إلى أربعة تريليونات ريال (نحو 1.07 تريليون دولار) بحلول نهاية 2025، انطلاقاً من قاعدة بلغت نحو 1.5 تريليون ريال (400 مليار دولار) في 2020. اليوم، بعد صدور تقرير 2025، بات ممكناً مقارنة أهداف تلك الخطة بالنتائج الفعلية، ومعرفة ماذا حقق الصندوق منها، وماذا لم يحقق.

تكشف مقارنة التقريرين نمطاً واضحاً: تفوّق الصندوق على أهدافه في كل ما يتعلق بإعادة تشكيل بنيته الداخلية، من نوع القطاعات التي يستثمر فيها، إلى حجم ضخّه في الاقتصاد المحلي، وحجم قوته العاملة وشركاته. لكنه لم يحقق الهدف الأكثر رمزية بين كل مستهدفاته، وهو حجم أصوله المُدارة وإجمالي أصوله، وهو الرقم الذي طالما اعتُبر المقياس الأهم للحكم على نجاح الخطة الخمسية. بعبارة أخرى، نجح الصندوق في أن يصبح مؤسسة مختلفة نوعياً عمّا كان عليه في 2021، لكنه لم يكبر بالحجم الذي كان يخطط له.

 

صورة لمجلس ادارة صندوق الاستثمارات العامة (رويترز)
صورة لمجلس ادارة صندوق الاستثمارات العامة (رويترز)


الأصول المُدارة: نمو كبير دون بلوغ الهدف

أنهى الصندوق عام 2021 بأصول مُدارة بلغت 1.98 تريليون ريال (528 مليار دولار)، بنمو 28.2% عن العام السابق. جاء ذلك استمراراً لمسار تصاعدي: من 971 مليار ريال (258.9 مليار دولار) في 2018، إلى 1.208 تريليون ريال (322.1 مليار دولار) في 2019، ثم 1.544 تريليون ريال (411.7 مليار دولار) في 2020.

بحلول نهاية 2025، بلغت الأصول المُدارة 3.396 تريليون ريال (905.6 مليار دولار). أي زيادة قدرها نحو 1.42 تريليون ريال (377.6 مليار دولار)، أو 71.5%، مقارنة بمستوى 2021. لكن هذا النمو الكبير لم يكفِ لبلوغ هدف الأربعة تريليونات ريال، وتوقف عند فجوة قدرها 604 مليارات ريال (161 مليار دولار) عن الرقم المعلن أصلاً.

يقرّ الصندوق بذلك صراحة في تقرير 2025، ويعزو الفارق إلى "الظروف السائدة في الأسواق، وتغيرات تقييم الأصول، وتوقيت تنفيذ بعض الصفقات... والتقلبات الاقتصادية العالمية وأثر الرسوم الجمركية الأميركية.

والأهم أن 2025 هو العام الذي سجّل فيه الصندوق أول تراجع سنوي في أصوله المُدارة، بعد سنوات من النمو المتواصل، بانخفاض نحو 38 مليار ريال (10.1 مليار دولار) عن 2024. بعبارة أخرى: كبر الصندوق بأكثر من 70% خلال خمس سنوات، لكنه لم يصل إلى الهدف الذي حدده لنفسه.

 


القطاعات الدولية والجديدة: هدفان تحققا معاً، بنتائج متفاوتة الحدة

يورد تقرير 2025، في قسم مخصص لمقارنة الأداء بالمستهدفات الاستراتيجية، مؤشرين محددين بدقة يمكن مطابقتهما مباشرة بأهداف تقرير 2021:

نسبة الأصول في القطاعات الدولية: حدد تقرير 2021 مستهدفاً بخفض هذه النسبة إلى 24% أو أقل، من قاعدة أساس بلغت 30% في 2020 — أي أن الصندوق كان يخطط أصلاً لتقليص هذه الحصة لا زيادتها. تحقق هذا الهدف وتجاوز: بلغ الأداء الفعلي في 2025 نحو 20%، أي أقل من المستهدف نفسه.

نسبة الأصول في القطاعات الجديدة: حدد تقرير 2021 مستهدفاً برفع هذه النسبة إلى 21% أو أكثر، من قاعدة أساس بلغت 15% في 2020. تحقق هذا الهدف وتجاوز بفارق كبير: بلغ الأداء الفعلي في 2025 نحو 45%، أي أكثر من ضعف المستهدف الأصلي.

منفصلاً عن هذين المؤشرين، يقسّم الصندوق محفظته أيضاً إلى ست "برك استثمارية" جغرافية-وظيفية، من بينها بركة للاستثمارات الدولية المتنوعة وأخرى للاستثمارات الدولية الاستراتيجية. وبحسب هذا التصنيف المختلف، كانت الاستثمارات الدولية تمثل 29% من إجمالي المحفظة في 2021 (نحو 574 مليار ريال أو 153.1 مليار دولار)، مقابل 71% للاستثمارات المحلية. بحلول 2025، تراجعت هذه الحصة إلى نحو 20% أيضاً (663 مليار ريال أو 176.8 مليار دولار)، رغم نموها بالقيمة المطلقة بنسبة 12% خلال العام الأخير وحده.

بعبارة أخرى: مؤشرا "القطاعات الدولية" (الرسمي، ذو الهدف المعلن) و"الاستثمارات الدولية" (الجغرافي، ضمن البرك الست) وصلا إلى الرقم نفسه تقريباً (نحو 20%) في 2025، لكنهما مؤشران مختلفان في تعريفهما، تصادف تقاربهما الرقمي دون أن يكونا المؤشر ذاته.

 


الاستثمار المحلي: الهدف الذي تحقق وتجاوز

حدد تقرير 2021 مستهدفاً لضخ 150 مليار ريال (40 مليار دولار) سنوياً كحد أدنى من استثمارات محلية جديدة. وبحسب تقرير 2025، بلغت الاستثمارات المحلية الجديدة خلال العام 171.1 مليار ريال (45.6 مليار دولار)، أي تجاوز الهدف بنسبة تقارب 14%.

كذلك تحقق مستهدف "الأثر الاقتصادي" الأوسع. حدد تقرير 2021 المساهمة التراكمية المستهدفة في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي عند 1.2 تريليون ريال (320 مليار دولار) بحلول 2025. وبحسب تقرير 2025، بلغت هذه المساهمة فعلياً 1.286 تريليون ريال (342.9 مليار دولار) تراكمياً منذ 2021، بما يمثل نسبة مساهمة سنوية بلغت 11% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في 2025 وحده.

أما مستهدفا "خلق الوظائف" (1.8 مليون وظيفة تراكمية بحلول 2025) و"المحتوى المحلي" (60% بحلول 2025)، اللذان وردا في تقرير 2021، فلم يرد ذكرهما بالتحديد كمستهدف مقارَن في تقرير 2025، وإن ذكر التقرير الأخير نسبة محتوى محلي فعلية بلغت 57% خلال عام 2024.

 


الموظفون وعدد الشركات: نمو مضاعف

بلغ إجمالي موظفي الصندوق 1,457 موظفاً في 2021، وارتفع هذا العدد بحلول 2025 إلى 3,321 موظفاً، أي أكثر من الضعف، بنمو 128%. ويكشف تقرير 2025 تفاصيل إضافية لم تكن متوفرة في تقرير 2021: 549 تعييناً جديداً خلال العام وحده، ونسبة سعودة بلغت 85.9%، ونسبة موظفات بلغت 34.93%، وتمثيل لـ62 جنسية مختلفة ضمن الكادر.

كما وصف تقرير 2021 محفظة الصندوق بأنها تضم "أكثر من 130 شركة عالمية المستوى"، بينما يذكر تقرير 2025 أن عدد الشركات في المحفظة بلغ 211 شركة بنهاية العام. وبافتراض أن قاعدة 2021 كانت عند الحد الأدنى المذكور (130 شركة)، فهذا يعني نمواً بنسبة 62% على الأقل خلال خمس سنوات.

 


الربحية وكلفة التمويل: أرقام تحمل تحفظات

على صعيد الربحية، تصعب المقارنة المباشرة بين التقريرين. أظهر تقرير 2021 "ربحاً للسنة" على مستوى المجموعة الموحّدة (وشمل حينها البنك الأهلي السعودي بعد اندماجه مع سامبا) بلغ 85.7 مليار ريال (22.9 مليار دولار)، متراجعاً 61% عن 2020 بسبب أرباح استثنائية من بيع حصة "سابك" في ذلك العام. أما الرقم المقابل لعام 2025 فمصدره القوائم المالية المدققة المرفقة لا نص التقرير السردي نفسه، وبلغ 65.2 مليار ريال (17.4 مليار دولار)، بارتفاع 152% عن 2024.

بسبب هذا الاختلاف في المصدر، ولأن المعلومات المتاحة لا تؤكد أن نطاق التوحيد المحاسبي للرقمين متطابق، لا يمكن اعتماد هذين الرقمين كمقارنة رئيسية موثوقة، من دون توضيح رسمي من الصندوق حول نطاق التوحيد في كل تقرير.

أما كلفة التمويل، فالمؤشر هنا أوضح اتجاهاً: بلغت "تكاليف التمويل الأخرى" في 2021 نحو 2.5 مليار ريال (678 مليون دولار)، لترتفع إلى 7.4 مليار ريال (1.97 مليار دولار) في 2025 (بحسب القوائم المالية للعامين). أي أن كلفة التمويل تضاعفت نحو ثلاث مرات خلال خمس سنوات، بالتوازي مع توسع حجم القروض والتسهيلات.

ويذكر تقرير 2025 أن الصندوق جمع، منذ تأسيس برنامجه الدولي للسندات وحتى نهاية 2025، تمويلاً تراكمياً قدره 31 مليار دولار (116.25 مليار ريال) من الأسواق العامة، وهو رقم تراكمي منذ انطلاق البرنامج، لا رقماً مقارَناً بقاعدة 2021 تحديداً. كما رفعت وكالات التصنيف تصنيف الصندوق في 2025 إلى Aa3 من "موديز" وA+ من "فيتش"، بعد حصوله على أول تصنيف ائتماني له عند A-1 من "موديز" وA من "فيتش". لا يذكر تقرير 2021 أي تصنيف ائتماني، فهذا معطى جديد كلياً.

أما مقاييس العائد، فتظهر معياريْن مختلفيْن لا يصح خلطهما: سجّل الصندوق عائداً إجمالياً لحملة الأسهم بلغ 25% خلال عام 2021 وحده، مقارنة بمتوسط عائد سنوي معلن عند 5.8% للمحفظة منذ انطلاق البرنامج في 2017 وحتى 2025، وهذا الأخير مؤشر تراكمي طويل الأمد لا مؤشر سنة واحدة.

 

صورة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في أحد اجتماعات صندوق الاستثمارات العامة (رويترز)
صورة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في أحد اجتماعات صندوق الاستثمارات العامة (رويترز)


صفقتا نيانتك وMBC

يذكر تقرير 2025، ضمن قسم "نماذج من استثمارات الصندوق"، أن شركة سكوبلي (Scopely) التابعة لمجموعة سافي (Savvy) أتمت الاستحواذ على أعمال الألعاب التابعة لشركة نيانتك (Niantic) بقيمة 13.15 مليار ريال (نحو 3.51 مليار دولار)، فيما تذكر القوائم المالية المدققة المرفقة قيمة مختلفة لصفقة استحواذ منفصلة باسم "Niantic, Inc" بلغت 12.84 مليار ريال. 

كذلك استحوذ الصندوق على حصة قدرها 54% في مجموعة إم بي سي (MBC) بقيمة 7.47 مليار ريال (نحو 1.99 مليار دولار) — وهذا الرقم متطابق بين التقرير السنوي والقوائم المالية المدققة.

 


من "القطاعات" إلى "المنظومات": إعادة تسمية أم هيكلة؟

يحتفظ الصندوق، في كلا التقريرين، ببنية أساسية من ست "برك استثمارية": الاستثمارات الدولية المتنوعة، والاستثمارات الدولية الاستراتيجية، ومشاريع عملاقة سعودية، وتطوير العقارات والبنية التحتية السعودية، وتطوير القطاعات السعودية، والاستثمارات في الشركات السعودية المدرجة، إلى جانب برنامج أسواق رأس المال العالمية وبركة الخزينة.

غير أن "استراتيجية 2026-2030"، التي أُعلنت مع صدور تقرير 2025، تنقل الصندوق من "برنامج تحقيق الرؤية" القائم على ثماني ركائز استراتيجية، إلى استراتيجية جديدة قائمة على أربع ركائز: بناء منظومات تنافسية، وإطلاق الإمكانات الكاملة للأصول، وتعظيم العوائد طويلة الأجل، وتعزيز التميز التشغيلي. كما تعيد هذه الاستراتيجية تصنيف المحفظة ضمن ثلاث فئات أوسع (محفظة الرؤية، والمحفظة الاستراتيجية، والمحفظة المالية) بدل البرك الست السابقة. وتضم محفظة الرؤية وحدها ست "منظومات اقتصادية متكاملة" من بينها نيوم، في مقابل مصطلح "القطاعات الاستراتيجية" الذي كان يضم 13 قطاعاً في وثيقة 2021.

لا تسمح المعلومات المتاحة بالجزم بأن هذا تحول جوهري في طريقة إدارة الأصول، لا مجرد إعادة تسمية تسويقية للهيكل القائم نفسه.


الخلاصة: بين 2021 و2025

على مستوى الحجم، ارتفعت الأصول المُدارة من 528 مليار دولار في 2021 إلى 905.6 مليار دولار في 2025، بنمو تراكمي بلغ 71.5%، لكن هذا النمو لم يكفِ لبلوغ الهدف المعلن عند 1.07 تريليون دولار.

في المقابل، تحقق هدفا "القطاعات الدولية" (خفض الحصة إلى 24% أو أقل، تحقق عند 20%) و"القطاعات الجديدة" (رفع الحصة إلى 21% أو أكثر، تحقق عند 45% — أي بفارق كبير يقارب ضعفي المستهدف) بوضوح تام. كذلك تجاوز الاستثمار المحلي الجديد سنوياً هدفه البالغ 40 مليار دولار ليبلغ فعلياً 45.6 مليار دولار، وتجاوزت المساهمة التراكمية في الناتج المحلي غير النفطي هدفها البالغ 320 مليار دولار لتصل إلى 342.9 مليار دولار. كما تضاعف عدد الموظفين من 1,457 إلى 3,321 موظفاً (نمو 128%)، وارتفع عدد شركات المحفظة من أكثر من 130 إلى 211 شركة على الأقل (نمو 62%).

أما صافي الربح السنوي وكلفة التمويل، فتحمل مقارنتهما بين العامين تحفظات منهجية تحول دون اعتمادهما كمقارنة رئيسية موثوقة، لاختلاف مصدر الأرقام ونطاق التوحيد المحاسبي المحتمل بينها.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/16/2026 8:51:00 PM
يعاني من مرض "الناعور" (اضطراب تجلط الدم)، وتدهورت حالته الصحية بشكل خطير بعد أيام من توقيفه.
دوليات 8/16/2026 1:23:00 PM
للمرة الأولى، تنطلق سفينة حاويات صينية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي، في مسار يختصر الرحلة إلى النصف ويتجنب قناة السويس واضطرابات الشرق الأوسط.
لبنان 8/17/2026 12:43:00 PM
مصاباً بطلق ناري من مسدس حربي في الرأس