مصفاة الدقم: ورقة رابحة عمانية خارج هرمز
بعد أشهر من إغلاق فعلي ومتقطع لمضيق هرمز، تحوّل موقع مصفاة الدقم العُمانية خارج نقاط الاختناق البحرية من ميزة جانبية إلى أصل اقتصادي يعزز صادراتها.
يشهد مضيق هرمز إغلاقاً فعلياً متقطعاً منذ 28 شباط/فبراير 2026، حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً عسكرياً على إيران أدى إلى توقف شبه كامل لحركة الناقلات عبر المضيق وحصار بحري أميركي على إيران. وحتى منتصف آب/أغسطس 2026، لا يزال المضيق يعمل بصورة جزئية ومقيّدة فقط، وسط مفاوضات بين إيران وعُمان على مسار شحن مؤقت وآمن، ترتبط بشروط أميركية-إيرانية متعثرة حول رفع الحصار البحري.
في خضم هذا الاضطراب، لم تعد مصفاة الدقم مجرد مشروع صناعي ضمن خطط التنويع الاقتصادي في عُمان، بل تحوّلت إلى أصل استراتيجي يجمع التكرير والتخزين والتصدير من موقع مباشر على بحر العرب، خارج المضيق المتنازع عليه، بما يمنحها هامشاً أكبر في التعامل مع تقلبات الشحن والطاقة.
طاقة تشغيلية تتجاوز التصميم
تبلغ الطاقة التصميمية لمصفاة الدقم نحو 230 ألف برميل يومياً، لكنها رفعت معدلات التشغيل إلى نحو 255 ألف برميل يومياً، أي قرابة 110% من طاقتها التصميمية، وفق تصريح عبدالله العجمي، الرئيس التنفيذي لشركة الدقم للتكرير والصناعات البتروكيماوية، في 7 شباط/فبراير 2026. وسجلت صادرات المصفاة في آب/أغسطس 2025 نحو 295 ألف برميل يومياً، أعلى معدل شهري منذ بدء التشغيل، ما دفع الشركة لدراسة إمكانية رفع الطاقة التشغيلية 10% إضافية.

تُحسّن هذه الزيادة استخدام الأصول القائمة وترفع الكفاءة التشغيلية، وهو ما يحسّن العائد على استثمار بلغ نحو 3.5 مليار ريال عُماني (9 مليارات دولار) في مشروع مناصفة بين "أوكيو" وشركة "البترول الكويتية العالمية" (KPI). وتنتج المصفاة الديزل منخفض الكبريت ووقود الطائرات والنافثا وغاز البترول المسال، إلى جانب الكبريت وفحم الكوك، في نموذج يستهدف تعظيم قيمة البرميل بدل الاكتفاء بتصدير الخام.
إغلاق هرمز يرفع قيمة الموقع..
يُشار إلى أن اضطرابات البحر الأحمر في وقت سابق، خلال 2024، كانت قد حوّلت ناقلات كثيرة بعيداً عن قناة السويس نحو رأس الرجاء الصالح، ما رفع زمن الرحلات وكلفة الوقود والتأمين، بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية. لكن أزمة هرمز التي تلتها في 2026 كانت أعمق أثراً: فبعد إغلاق المضيق، اضطرت عُمان لرفع شحنات خامها المحلي إلى مصفاة الدقم إلى مستوى قياسي بلغ 165 ألف برميل يومياً في أيار/مايو 2026.

هذه الواقعة تُظهر أن ميزة موقع الدقم لا تعني حصانة كاملة من هرمز، بل تعني قدرة أكبر على التعويض والمرونة عند وقوع الصدمة. في المقابل، يمنح موقع الدقم خارج المضيق صادراتها إلى آسيا وأفريقيا ميزة لوجستية مباشرة تنعكس على أجور الشحن والتأمين، إذ تتحول الجغرافيا في ظل ارتفاع المخاطر الأمنية إلى عامل مالي مباشر.
يقول علي الريامي، المدير العام السابق لتسويق النفط والغاز في وزارة النفط العُمانية، في تصريح لـ"النهار"، إن الأدق عند الحديث عن أثر هذه الاضطرابات ليس القول إن الأزمة "رفعت الطلب" على منتجات الدقم بصورة مطلقة، بل إنها غيّرت خريطة المنافسة وأعطت المصفاة أفضلية تجارية، إذ ارتفعت أهمية منتجاتها القادمة من موقع على بحر العرب بالنسبة للأسواق شرقاً وجنوباً.
ويشير إلى أن الدقم سجلت مستويات قياسية في صادرات الديزل خلال فترات الاضطراب، وهو ما تؤكده الشركة نفسها، التي أعلنت في 1 آب/أغسطس 2024 عن تحقيق أرقام قياسية في صادرات الديزل "وسط توترات البحر الأحمر".
يوضح الريامي أن الأزمة لم تعد العامل الرئيسي في قصة المصفاة، بعدما ارتبط نشاطها التجاري أكثر بمجموعة "أوكيو" (OQ) العُمانية، عبر ذراعها التجارية "أوكيو تريدنغ" (OQ Trading)، ما يمنحها إمكانية توجيه منتجاتها إلى السوق الأفضل عائداً بدل الالتزام بسوق واحد.

تنويع الخامات يعزز المرونة أمام مخاطر الممرات
وسّعت المصفاة قاعدة مصادرها لتشمل خامات من نحو 12 دولة، بعدما كانت تعتمد على مصدرين فقط في مراحلها الأولى، بحسب تصريح العجمي. ومنذ بدء التصدير التجاري في أيار/مايو 2023، تجاوزت صادراتها 19 مليون طن عبر 633 شحنة حتى شباط/فبراير 2026، منها 284 شحنة صُدّرت في 2025 وحدها، ما يعكس تسارعاً في وتيرة التصدير.
يحدد الريامي آسيا بوصفها السوق الأهم للدقم حالياً، لضخامة الطلب فيها على الديزل ووقود الطائرات والنافثا، بينما تتحول أفريقيا إلى سوق متزايدة الأهمية، خصوصاً بعد وصول أول شحنة خام نيجيري (خام "بوني لايت") إلى محطة رأس مركز في 3 نيسان/أبريل 2026، وفق بيانات شركة "كبلر" (Kpler) لتتبع الشحن التي استشهدت بها "ميس". ويتوقع الريامي أن تصبح أفريقيا خلال السنوات المقبلة منافساً حقيقياً لآسيا إذا بنت الدقم علاقات طويلة الأجل مع مستوردي الوقود هناك، نظراً للقرب البحري والنمو السكاني ونقص التكرير المحلي. أما أوروبا فتبقى، بحسب رأيه، سوقاً انتقائية لفرص الأسعار فقط وليست خياراً استراتيجياً طويل المدى.
ميزة الموقع لا تلغي مخاطر هرمز بالكامل
لا تعني الميزة الجغرافية أن الدقم محصّنة بالكامل، وهو ما أثبتته عملياً أزمة 2026: فبعض خاماتها يأتي من داخل الخليج، ما يُبقيها عرضة لتعطّل التوريد عند إغلاق المضيق، تماماً كما حدث حين حلّ الخام العُماني محل الكويتي المنقطع.
من هنا تبرز أهمية الربط مع منشآت التخزين في رأس مركز، الواقعة خارج المضيق أيضاً، والتي تؤمّن استمرارية التشغيل عند حدوث اضطرابات قصيرة أو متوسطة الأجل. تبلغ طاقة التخزين الأولية في رأس مركز نحو 26.7 مليون برميل، منها ما يراوح بين 5.2 و5.3 مليون برميل مخصصة تحديداً لمصفاة "أوكيو8" (OQ8). لا تتيح المادة المتاحة الجزم بالرقم الدقيق لهذه الحصة؛ المطلوب للتحقق هو تأكيد رسمي من "أوكيو" لسعة التخزين المخصصة للمصفاة تحديداً.
تشكّل منظومة التكرير والتخزين والميناء مجتمعة أحد أهم عناصر القيمة الاقتصادية للدقم، وتمتد فوائدها إلى الاقتصاد العُماني عبر الطلب على الخدمات اللوجستية والمقاولات والمشتريات المحلية.
الخطوة المقبلة لرفع الأرباح وسط بيئة ملاحية متقلبة
حول الخطوة الأقدر على رفع الأرباح في ظل هذه البيئة المتقلبة، يقول الريامي إن زيادة الطاقة ليست الخيار الأول حالياً، فالدقم وصلت إلى 110% من طاقتها التصميمية، والتوسع فيها يعني استثماراً إضافياً في أصل يعمل بالفعل بكفاءة مرتفعة. ويرى أن الأجدى اقتصادياً هو تحسين قيمة المنتجات الحالية أولاً، مشيراً إلى مشروع وحدة "Reformer" لتحويل النافثا إلى مكونات بنزين عالية الأوكتان.
كما يشدد على الدور الاستراتيجي للتخزين عبر محطة رأس مركز، المرتبطة بالمصفاة بخط أنابيب طوله 80 كيلومتراً، وهي بنية تتيح فصل قرار الإنتاج عن قرار البيع وانتظار تحسّن الأسعار أو الأوضاع الملاحية.
أما الخطوة الأكثر تأثيراً على المدى الطويل، بحسب الريامي، فهي التحول إلى مجمع متكامل للتكرير والبتروكيماويات. ووقّعت "أوكيو" وشركة "البترول الكويتية العالمية" في 3 شباط/فبراير 2026، على هامش معرض ومؤتمر الكويت للنفط والغاز، اتفاقية لتطوير مشروع بتروكيماويات في الدقم، في إحياء لمشروع تصوّرته الشركتان قبل نحو عشر سنوات، وذلك بعد انسحاب شركة "سابك" (SABIC) السعودية سابقاً كمستثمر محتمل فيه، وفق ما ذكرته منصة "ميد" (MEED) المتخصصة بمتابعة المشاريع. لا تتيح المادة المتاحة الجزم بالطاقة الإنتاجية أو القيمة الاستثمارية المحدثة لهذا المجمع؛ المطلوب للتحقق هو إعلان رسمي مشترك من الشركتين يحدد هذه التفاصيل.
يُضاف إلى ذلك خطة لاستخدام كوك المصفاة في مصنع إسمنت محلي من عام 2028. وتتجاوز استثمارات "أوكيو" وشركائها في منظومة الدقم اليوم 10 مليارات دولار، وفق بيان الشركة في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
المرونة كعائد اقتصادي
لا تستفيد مصفاة الدقم من اضطرابات الملاحة بشكل تلقائي، لكنها تستفيد من ارتفاع قيمة المرونة نفسها؛ فكلما زادت المخاطر في الممرات التقليدية، ارتفعت أهمية الأصول القادرة على تنويع الخامات والتخزين خارج نقاط الاختناق والتصدير من موقع مفتوح على بحر العرب.
ومع تشغيلها عند 255 ألف برميل يومياً وتجاوز صادراتها 19 مليون طن، أصبحت الدقم إحدى أهم أدوات عُمان لرفع القيمة المضافة من قطاع الطاقة، في تحول تدريجي من مصفاة بقيمة 9 مليارات دولار إلى منظومة طاقة وصناعة متكاملة، في وقت تسعى فيه مسقط أيضاً إلى تسهيل مسار شحن مؤقت وآمن عبر هرمز، وسط مفاوضاتها مع الأطراف المعنية.
نبض