حين تصبح الشرائح أغلى من الذهب: الذكاء الاصطناعي يغذي التهريب وسرقة الشحنات
حولت طفرة الذكاء الاصطناعي والقيود الأميركية على التصدير الشرائح المتقدمة ومعدات مراكز البيانات إلى سلع نادرة تُبَاع في الصين بأكثر من ضعفي سعرها الأصلي. وبالتوازي مع التهريب، أصبحت شحنات الخوادم والذاكرة هدفاً لعصابات منظمة تستخدم الاحتيال الإلكتروني وشركات النقل الوهمية، ولا تتردد أحياناً في اللجوء إلى العنف.
كانت الشاشات وأجهزة التلفزيون والهواتف من أكثر المنتجات الإلكترونية إغراء للصوص الشحنات. أما اليوم، فقد انتقل الاهتمام إلى صناديق أقل وضوحاً وأعلى قيمة: شرائح حاسوبية ووحدات ذاكرة وخوادم كاملة، قد تساوي الشحنة الواحدة منها عشرات ملايين الدولارات.
تقف طفرة الذكاء الاصطناعي وراء هذا التحول. تبني الشركات مراكز بيانات ضخمة، ويتسارع الطلب على شرائح "إنفيديا" و"إيه إم دي" والذاكرة ذات النطاق الترددي العالي. وفي الوقت نفسه، تمنع القيود الأميركية وصول أكثر المنتجات تقدماً إلى الصين، ما ساهم في تأسيس سوق سوداء تدفع أسعاراً استثنائية للحصول عليها. وإلى جانب هذه السوق، تتوسع سوق رمادية تعيد بيع الشرائح خارج قنوات الشركات المعتمدة. قد تعرض السوق الرمادية منتجات أصلية، لكنها تفتح الباب أيضاً أمام قطع مستعملة أو مزيفة، أو شرائح أُعِيد وسمها لتبدو أعلى مواصفات وقيمة مما هي عليه.
الحظر يصنع فارق السعر
منذ عام 2022، تشدد واشنطن القيود على تصدير معالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الصين، بهدف إبطاء تطوير قدرات قد تُستخدَم عسكرياً وأمنياً. لكن الحاجة الصينية إلى القدرة الحاسوبية لم تتراجع، بينما لا تزال البدائل المحلية عاجزة عن سد الفجوة كاملة، وخصوصاً في الأداء والبرمجيات والكميات المتاحة. نشأت نتيجة ذلك شبكات تضم شركات واجهة ووسطاء وموزعي خوادم ووكلاء شحن. وقد تمر المعدات عبر ماليزيا وسنغافورة وهونغ كونغ، قبل تغيير وجهتها أو إعادة تصديرها إلى الصين.
يكشف فارق الأسعار مقدار الربح الممكن. تضاعف سعر خادم "إنفيديا دي جي إكس بي 300" في السوق السوداء الصينية من نحو أربعة ملايين يوان إلى ثمانية ملايين، أي قرابة 1.1 مليون دولار. وارتفع سعر بطاقة "آر تي إكس برو 6000" الرسومية من 50 ألف يوان إلى 130 ألفاً، أي نحو 19 ألفاً و300 دولار، وفق تجار تحدثوا إلى "فايننشال تايمز".

لا تُنقَل الشرائح دائماً منفردة، بل تُوضَع داخل خوادم كاملة توصف في المستندات بأنها "مكونات حاسوبية". وفي حزيران (يونيو) 2026، ضبطت الجمارك الماليزية 72 خادماً تحتوي على شرائح متقدمة، بلغت قيمتها 52.9 مليون رينغيت، أو نحو 12.9 مليون دولار. وكانت الشحنة معدة لإعادة التصدير إلى دولة آسيوية من دون التصاريح المطلوبة.
كما تحقق تايوان في تصدير خوادم "سوبر مايكرو" مزودة بشرائح "إنفيديا" بوثائق يُشتبه في تزويرها. وفي الولايات المتحدة، وُجِّهت اتهامات في مخطط مزعوم لتهريب خوادم متقدمة للذكاء الاصطناعي إلى الصين بقيمة 2.5 مليار دولار. ولا تمثل هذه القضايا تقديراً لحجم السوق السوداء، إذ لا يتوافر له رقم عالمي موثوق.
الذاكرة لم تعد رخيصة
لا يقتصر النقص على الشرائح الخاضعة إلى الحظر. حولت سامسونغ و"إس كيه هاينكس" و"مايكرون" جزءاً متزايداً من طاقاتها إلى ذاكرة "إتش بي إم" و"دي دي آر 5" الأعلى ربحية والمطلوبة في مراكز البيانات. وأدى ذلك إلى إنتاج كميات أقل من ذاكرتي "درام" و"ناند" المستخدمة في الهواتف والحواسيب وأقراص التخزين.
وتتوقع مؤسسة "آي دي سي" ألا يتجاوز نمو معروض "درام" نحو 16 في المئة في عام 2026، في مقابل 17 في المئة لذاكرة "ناند"، وهي معدلات أدنى من المتوسط التاريخي. وقد تستمر الضغوط حتى عام 2027، دافعة الشركات الصغيرة التي لا تملك عقود توريد طويلة إلى البحث عن احتياجاتها لدى سماسرة غير معتمدين.
سرقات أقل لكن أغلى
حولت الندرة هذه الأجهزة إلى هدف مثالي للعصابات: قيمتها مرتفعة، ويمكن تفكيك الخوادم واستخراج الشرائح والذاكرة منها، ثم نقلها وإعادة بيعها بسهولة نسبية. بلغت الخسائر الناجمة عن سرقة الشحنات في الولايات المتحدة وكندا نحو 725 مليون دولار في عام 2025، بزيادة 60 في المئة، وفق مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي). وتشمل هذه الأرقام البضائع ذات الصلة كلها، لا الشرائح وحدها.
وفي الفصل الثاني من عام 2026، سجلت "كارغونت" 677 حادثة، بانخفاض 26 في المئة عن الفترة نفسها من العام السابق. لكن الخسائر قفزت من 135.7 مليون دولار إلى 304.6 مليون دولار، وبلغ متوسط قيمة الشحنة المسروقة المعلومة نحو 564 ألف دولار. أصبحت العصابات، بعبارة أخرى، تسرق شحنات أقل، لكنها تعرف ما الذي يستحق السرقة.
وفي نيفادا، استولى لص خلال 14 دقيقة على مقطورة تحمل منتجات من "آبل" بقيمة 9.5 ملايين دولار وشرائح من "إيه إم دي" بقيمة ستة ملايين. وعُثِر لاحقاً على جهاز التتبع منزوعاً والمقطورة فارغة، بينما بقيت البضائع مفقودة. وفي حادثة أخرى، اختفت شحنة قيمتها 31 مليون دولار، تضم 40 خزانة خوادم و108 آلاف و230 وحدة ذاكرة مخصصة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

شاحنة شرعية ووجهة مزورة
لم تعد السرقة تحتاج دائماً إلى اقتحام مستودع. يخترق المجرمون البريد الإلكتروني لشركات النقل، أو ينتحلون صفة ناقل شرعي، ثم يغيرون بيانات الشحنة وعنوان التسليم. وقد يصل سائق حقيقي لاستلام الحمولة، من دون أن يعرف أن الجهة التي تعاقدت معه شبكة إجرامية. وتصاعد العنف أيضاً. فقد وثق خبراء أمنيون عمليتين صدم فيهما مهاجمون سيارات خاصة كانت ترافق شاحنات محملة بمعدات للذكاء الاصطناعي، لإجبار الحراس على التوقف قبل الاستيلاء على الحمولة.
بدأت السلطات الأميركية وضع أجهزة تعقب سرية في بعض شحنات خوادم "ديل" و"سوبر مايكرو" التي تحتوي على شرائح "إنفيديا" و"إيه إم دي"، عندما تشتبه في احتمال تحويلها إلى الصين. وقد تُخفَى الأجهزة داخل الصناديق أو الخوادم نفسها، لكن استخدامها يقتصر على شحنات منتقاة قيد التحقيق.
لا توجد أدلة تثبت أن المعدات المسروقة كلها تتجه إلى الصين؛ فقد يُعَاد بيعها داخل الولايات المتحدة أو في أسواق أخرى. لكن اجتماع الندرة والحظر وفارق الأسعار ولّد اقتصاداً موازياً مغرياً. وهكذا أصبحت الشرائح، وهي المحرك غير المرئي للذكاء الاصطناعي، سلعة تستدعي الحراسة وأجهزة التعقب، وتغري المهربين واللصوص على غرار المعادن الثمينة.
نبض