الإمارات تزرع المستقبل: نموذج يحوّل التّحدي الجغرافي لأمن غذائيّ مستدام
راهنت الإمارات على التكنولوجيا والبحث العلمي وتنويع مصادر الاستيراد لبناء منظومة غذائية قادرة على مواجهة ندرة المياه والأراضي الزراعية واضطراب سلاسل الإمداد.
انطلقت الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051 في عام 2018، واضعة هدفاً طموحاً يتمثل في وصول دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المركز الأول عالمياً على مؤشر الأمن الغذائي العالمي بحلول منتصف القرن. ولم يقم الرهان على منافسة الدول الغنية بالأنهار والأراضي الخصبة بأساليبها التقليدية، بل على توظيف التكنولوجيا والبحث العلمي والاستثمار لتقليص أثر القيود الجغرافية وتحويلها إلى فرص تنافسية.
وبعد نحو ثماني سنوات، بدأت هذه الرؤية، بما تتضمنه من 38 مبادرة مرتبطة بخمسة أهداف استراتيجية، تترجم إلى مشاريع ونتائج ملموسة. وبحسب الدكتور فاضل الزعبي، الخبير الدولي في الأمن الغذائي والتنمية الزراعية والتعافي بعد الأزمات، والرئيس السابق لبعثة منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) في العراق، تستحق التجربة الإماراتية قراءة تتجاوز صورتها الترويجية المختزلة في المزارع العمودية والقمح الغني بالبروتين، "لأن أهميتها الحقيقية تكمن في بناء منظومة تجمع بين الإنتاج المحلي الذكي، وتنويع الاستيراد، وإدارة المخزونات، واستقطاب التكنولوجيا ورأس المال".
التكنولوجيا وإدارة المخاطر
يبرز تطوير إنتاج محلي مستدام، مدعوم بالتكنولوجيا على امتداد سلسلة القيمة، بوصفه أحد أكثر أهداف الاستراتيجية طموحاً. ويترافق هذا التوجه مع تسهيل ممارسة الأعمال في القطاع الزراعي والغذائي، وتوفير حلول تمويلية للمنتجين، والعمل على تعزيز تنافسية الإنتاج المحلي. وهكذا، لا تقتصر المقاربة على إدخال تقنيات حديثة إلى المزارع، بل تشمل بناء بيئة اقتصادية تجعل الاستثمار الزراعي أكثر جدوى تجارياً.
ويرى الزعبي أن أبرز ما في التجربة الإماراتية ليس المشاريع اللافتة بصرياً، بل بناء منظومة فعلية للتحوط الاستراتيجي، "فقد استهدفت الاستراتيجية تأمين ما بين ثلاثة وخمسة مصادر بديلة لكل فئة غذائية رئيسية، إلى جانب تطوير أنظمة لجمع البيانات ومتابعة المخزونات والتدفقات التجارية".
وساعد تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز المخزونات وتطوير البنية اللوجستية الإمارات على الحد من تداعيات الصدمات التي أصابت أسواق الغذاء وطرق الشحن، منذ اضطراب أسواق القمح عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، وصولاً إلى اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر والتوترات المحيطة بمضيق هرمز. ويكمن الإنجاز، وفق الزعبي، في قدرة المنظومة على امتصاص الصدمات والمحافظة على استمرارية الإمدادات، لا في الاستغناء عن الأسواق الخارجية.
وتظهر بعض النتائج أيضاً في الإنتاج المحلي. في مزرعة مليحة بإمارة الشارقة، أُنتج قمح بلغت نسبة البروتين فيه 19.3 في المئة، واستُخدم في تصنيع منتجات غذائية محلية تحمل علامة "سبع سنابل". ويرى الزعبي أن أهمية التجربة تكمن في ربط البحث العلمي بالإنتاج التطبيقي وكفاءة استخدام الموارد، بما يوفر خبرة يمكن الإفادة منها في مناطق صحراوية أخرى، مع مراعاة اختلاف إمكانات كل دولة.

التقنية الحيوية وتمويل التحديث
برز التخمير الدقيق خلال السنوات الأخيرة بوصفه أحد المسارات التقنية والاستثمارية الواعدة في الإمارات. وتعتمد هذه التقنية على استخدام كائنات مجهرية لإنتاج بروتينات ومركبات غذائية محددة، من دون الحاجة إلى الأرض والمياه بالكميات التي تتطلبها الزراعة التقليدية.
ومن أبرز المشاريع المعلنة اتفاق مجموعة "نوفل فودز" (Novel Foods Group) مع شركات هندسية دولية للشروع في تخطيط موقع للإنتاج التقني الحيوي، بقيمة معلنة تقارب 500 مليون دولار. ومن المقرر أن تركز مرحلته الأولى على إنتاج "البرازين" (brazzein)، وهو بروتين طبيعي شديد الحلاوة.
كما وقعت شركة "تشينج فودز" (Change Foods) اتفاقاً مع مجموعة مناطق خليفة الاقتصادية - أبو ظبي "كيزاد" (KEZAD) لتصميم منشأة تنتج بروتين الكازين من دون استخدام الحيوانات. وفي عام 2025، أعلن مكتب أبو ظبي للاستثمار شراكة مع شركتي "ذي إيفري كومباني" (The Every Company) و"فيفيتشي" (Vivici) لاستكشاف إنشاء منشأة لإنتاج البروتينات البديلة بسعة مقترحة تبلغ أربعة ملايين ليتر.
ولا تزال هذه المشاريع في مراحل متفاوتة من التخطيط والتطوير، لكنها تشير مجتمعة إلى توجه نحو جعل الإمارات مركزاً إقليمياً للتقنية الحيوية الغذائية. ويصف الزعبي هذا المسار بأنه "مواجهة هندسية للندرة، بدلاً من محاولة مجاراة الزراعة التقليدية في استهلاكها للموارد".
وفي موازاة ذلك، أطلق مصرف الإمارات للتنمية في عام 2023 برنامجاً لتمويل التكنولوجيا الزراعية بمحفظة تبلغ 100 مليون درهم. ويستهدف البرنامج المزارع والمنتجين وموردي الأغذية ومقدمي التكنولوجيا، لتسهيل تبني الزراعة الدقيقة وأنظمة الري الحديثة وأدوات مراقبة المحاصيل.
خبرة عربية قابلة للاستفادة
لا تقتصر الاستراتيجية على المحاصيل، بل تشمل استزراع الأحياء المائية وتشجيع استهلاك المنتجات المحلية وربط المزارع بمؤسسات التوريد ومنافذ البيع. كما تعزز موقع الإمارات الدولي من خلال استضافة مؤتمر "كوب 28" في عام 2023، والمشاركة مع الولايات المتحدة في قيادة مبادرة "الابتكار الزراعي من أجل المناخ"، التي أُطلقت في "كوب 26" في عام 2021.
ولا تعني قابلية الاستفادة من التجربة إمكان استنساخها حرفياً، نظراً إلى ما تتطلبه من تمويل وبنية تحتية وقدرات مؤسسية. لكن منهجها في إدارة المخاطر قابل للدراسة: إنتاج محلي ذكي، واستيراد متنوع، ومخزونات استراتيجية، واستثمارات عابرة للحدود.
وهذا هو المنطق الذي يقول الزعبي إنه سعى إلى ترسيخه من خلال مساهمته في الأعمال المرتبطة بالاستراتيجية العربية للأمن الغذائي 2025-2035، التي أُقرت في قمة بغداد التنموية في أيار/مايو 2025، "فالنموذج الإماراتي جدير بالدراسة، لا لأنه ألغى تحديات الجغرافيا أو حقق الاكتفاء الذاتي الكامل، بل لأنه طور أدوات أكثر مرونة وواقعية للتعامل معها".
نبض