القضاء يفتح باب السباق بين المودعين لاسترداد ودائعهم.... والحل الشامل يتأخر
مع انتقال جزء من معركة استرداد الأموال إلى القضاء، يدخل ملف الودائع مرحلة شديدة الحساسية، إذ قد يتحول الحكم لمصلحة مودع واحد من حماية لحق فردي إلى مسار يؤثر في حقوق سائر المودعين.
ومع تزايد الأحكام التي تلزم المصارف برد ودائع بالعملة الأجنبية، يبرز سؤال أساسي: هل يصبح المودع القادر على خوض معركة قضائية وتوكيل المحامين أقدر على استعادة أمواله من مودع لا يملك هذه الإمكانات؟ وماذا يحدث إذا استُنزفت الأموال المتاحة في تنفيذ أحكام فردية قبل التوصل إلى حل شامل؟
المسألة، وفق مصادر مصرفية، لا تتصل بحق المودع في اللجوء إلى القضاء، بل بكيفية حماية مبدأ المساواة بين المودعين في ظل غياب قانون شامل لإعادة الودائع وتوزيع الخسائر. ومع تسجيل نحو 7 أو 8 أحكام لبنانية في هذا المجال، بحسب المصادر المصرفية، تتسع المخاوف من أن يتحول الاسترداد إلى سباق قضائي، تكون فيه الأفضلية لمن يملك القدرة على متابعة الدعوى، فيما يبقى الأقل قدرة في انتظار الحل.
ويضع محامي جمعية المصارف أكرم عازوري المسؤولية الأساسية في تأخر السلطة منذ عام 2020 في إيجاد حل شامل. وبرأيه، لا يمكن مطالبة القضاء بأن يحل محل السلطة في معالجة أزمة بهذا الحجم من خلال أحكام تصدر في قضايا فردية. فالقاضي لا يعمل في السياسة، بل ينظر في القضية المعروضة أمامه ويصدر الحكم الذي يراه مناسباً، ولذلك لا يلوم القضاة على أحكامهم، لكنه يرى أن تأخر السلطة 5 سنوات أو أكثر فتح المجال أمام هذا المسار.

من يسبق إلى القضاء يستعيد وديعته أولاً؟
المشكلة لا ترتبط فقط بكبار المودعين. فحتى الحكم المتعلق بوديعة بقيمة 5 آلاف دولار قد يؤثر في حقوق مودعين آخرين لم يحصلوا على أحكام، فيما قد تستنزف الودائع الكبيرة أموالاً أكبر. وقد تعادل 10 ودائع صغيرة وديعة واحدة كبيرة، لذلك يبقى المبدأ واحداً: لا يجوز أن يؤدي المسار الفردي إلى الإخلال بالمساواة في غياب قاعدة موحدة .
فجوة في مالية مصرف لبنان
يربط عازوري أصل الأزمة بما يعتبره فجوة في مالية مصرف لبنان، لا في مالية المصارف التجارية. فالأموال التي تعود للمصارف لدى مصرف لبنان هي، في جانب منها، حسابات وودائع بالدولار تمثل في النهاية ودائع العملاء لدى المصارف. ومن هذا المنطلق، يرى أن إعادة مصرف لبنان الأموال المستحقة للمصارف وفقا لإمكانات مصرف لبنان تحل جزء أساسي من أزمة الودائع، مشيراً إلى حكم مجلس شورى الدولة الصادر عام 2024 وإلى تأكيد المجلس موقفه مجدداً في العام 2026.
خطر استنزاف الأموال المتاحة
التحذير المصرفي يتمثل في احتمال تحول الاسترداد إلى سباق بين المودعين، تكون فيه الأفضلية لمن يستطيع تحمل كلفة المحامين ومتابعة الدعاوى، فيما يبقى الأقل قدرة في نهاية الصف. ولا يرى عازوري أن الحل في منع القضاء من حماية الحقوق، بل في تسريع الحل التشريعي وفقاً لتعاميم مصرف لبنان الأخيرة، لأن القاضي يستطيع معالجة نزاع فردي، لكنه لا يستطيع وضع سياسة وطنية لإعادة الودائع وتوزيع الخسائر.

"الفريش"... رهان استعادة الثقة
وترى مصادر مصرفية أن الودائع القديمة والودائع الجديدة بالدولار، أو "الفريش"، يقدّر حجمها حتى نهاية حزيران بنحو 5 مليارات دولار، معتبرة أن "قدرة المصارف على جذب هذه الأموال رغم الأزمة مؤشر إلى عودة جزء من الثقة، وأن هذه الأموال محمية بتعاميم مصرف لبنان.
ومع إستعادة الثقة يمكن أن تتحول الـ5 مليارات إلى 10 مليارات ثم 15 مليارا، لأن استعادة الثقة لا تتطلب إعادة كل الودائع القديمة دفعة واحدة، بل توفير ظروف تجعل المودع غير مضطر إلى سحب أمواله فور توفرها. وتتوقع، في حال تحسن الظروف السياسية والأمنية، أن تصل الودائع "الفريش" إلى 10 مليارات قبل نهاية العام، وأن يتراجع عدد المطالبين بسحب ودائعهم ليسوا بحاجة اليها".
بيد ان المشكلة في النهاية تتجاوز الأحكام والأرقام إلى الثقة. فالمودع الذي يحتفظ بـ10 آلاف دولار في منزله خوفا من فقدانها أو عدم القدرة على استعادتها من المصرف، سيعيدها إليه إذا شعر بالأمان.
لكن هذه الثقة لا يمكن أن تستعاد بالأحكام الفردية وحدها. فكل حكم قد يحل مشكلة مودع، لكنه لا يحل أزمة جميع المودعين. لذلك، فإن طريقة الاسترداد وتوقيته وترتيب الأولويات هي جوهر الأزمة، فيما يبقى الحل التشريعي الشامل، وفق عازوري، السبيل الوحيد لحماية حق المودع والمحافظة على المساواة بينهم.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض