بعد وصول أصوله إلى 907 مليارات دولار... الصندوق السيادي السعودي يغيّر قواعد اللعبة
بعد عقد أنفق فيه أكثر من نصف تريليون دولار على بناء قطاعات جديدة من الصفر، يغيّر صندوق الاستثمارات العامة السعودي، قواعد عمله: تركيز أقل على ضخ الأموال، وتركيز أكبر على تحصيل عوائد ملموسة وإشراك مستثمرين من القطاع الخاص.
عندما يستقل مواطن سعودي طائرة "طيران الرياض" المُطلقة حديثًا، أو يقود سيارة كهربائية من "لوسيد موتورز" (Lucid Motors) المُصنَّعة في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، أو يشغّل لعبة "Monopoly GO" التابعة لشركة "سافي للألعاب الإلكترونية" (Savvy Games Group) على هاتفه، فهو على الأرجح لا يدرك أنه يستخدم منتجات صندوق استثماري واحد بنى في عشر سنوات فقط قطاعات كانت غائبة تمامًا عن الاقتصاد السعودي. هذا الصندوق، صندوق الاستثمارات العامة، يعلن الآن أنه ينتقل إلى مرحلة مختلفة تمامًا: لا مزيد من "الإنفاق الكبير لبناء كل شيء"، بل تحصيل الأرباح من ما بُني، وترك جزء أكبر من العبء المالي للقطاع الخاص.

هذا هو جوهر الإستراتيجية الجديدة للصندوق للفترة 2026-2030، التي كشف عنها في وثيقة رسمية موقّعة من ياسر الرميان، محافظ الصندوق. والتحول ليس تفصيلاً بيروقراطياً: فالصندوق يدير اليوم أصولاً بقيمة 3.4 تريليون ريال (907 مليارات دولار)، أي أكثر من ستة أضعاف ما كان يديره قبل عشر سنوات فقط، حين كانت أصوله 500 مليار ريال (133 مليار دولار) في عام 2015، بحسب الوثيقة.
بهذا الحجم، فإن أي تغيير في أسلوب استثمار الصندوق ينعكس مباشرة على وتيرة المشاريع، وفرص العمل، والأسعار التي يدفعها المستهلك السعودي، لأن الصندوق ليس مجرد مستثمر عادي بل الذراع الأساسية لتنويع اقتصاد يعتمد تاريخيًا على النفط.
التركيز ينتقل للقطاع الخاص
طوال العقد الماضي، كان الصندوق يتصرف كمستثمر مؤسس: يضع رأس المال لبناء قطاعات لم تكن موجودة، من السياحة الفاخرة إلى صناعة السيارات الكهربائية إلى الألعاب الإلكترونية. لكن الوثيقة تقول صراحة إن الصندوق ينتقل الآن "من نموذج تطوير يقوده القطاع العام إلى نموذج نمو بقيادة القطاع الخاص"، وهذا يعني عملياً أن الشركات والمستثمرين الخاصين، محليين ودوليين، سيُطلب منهم تحمّل جزء أكبر من تمويل التوسع المقبل في هذه القطاعات، بدلًا من الاعتماد شبه الكامل على أموال الصندوق كما كان الحال سابقًا.
الأرقام التي تشرح حجم الرهان
أنفق الصندوق 750 مليار ريال (200 مليار دولار) على مشاريع جديدة داخل السعودية بين عامي 2021 و2025، وأضاف إليها 590 مليار ريال (157 مليار دولار) على "المحتوى المحلي" بين عامي 2020 و2024، وفق الوثيقة. النتيجة، بحسب الصندوق نفسه: مساهمة تراكمية بلغت أكثر من 1,286 مليار ريال (343 مليار دولار) في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بين 2021 و2025، أي ما يعادل نحو 11% من هذا الناتج في عام 2025 وحده. كما ارتفعت نسبة "المحتوى المحلي" في مشتريات الصندوق وشركاته، أي ما يذهب فعليًا لشركات وعمال سعوديين بدلًا من موردين أجانب، إلى 57% في عام 2024.

هذه الأرقام تعني عملياً أن أكثر من نصف إنفاق الصندوق وشركاته أصبح يذهب لموردين وعمالة سعودية، وهو تحول له أثر مباشر على سوق العمل المحلي، بحسب ما تصفه الوثيقة، رغم أنها لا تفصّل عدد الوظائف الفعلي الذي نتج عن ذلك.
من سيشعر بالفرق؟
الوثيقة نفسها تقدّم أمثلة تكشف كيف يتحول استثمار الصندوق إلى تفاصيل يومية: شركة "روشن" العقارية سلّمت أكثر من 3,000 وحدة سكنية وطرحت أكثر من 17,000 وحدة للبيع، ما يعني تأثيراً مباشراً على سوق الإسكان الذي يشغل بال كثير من الأسر السعودية الشابة.
و"طيران الرياض"، الناقل الجديد الذي بدأ رحلاته في تشرين الأول/أكتوبر 2025، يستهدف الوصول إلى 100 وجهة عالمية بحلول 2030 بمساهمة متوقعة في الناتج المحلي تبلغ 75 مليار ريال (20 مليار دولار). وفي قطاع الطاقة، تزوّد محطة سدير الشمسية التابعة لشركة "أكوا باور" (ACWA Power) نحو 185 ألف منزل سعودي بالكهرباء النظيفة، بما يخفّض تكاليف الطاقة على المنازل والمنشآت، بحسب الوثيقة.

هذه الأمثلة تكشف الفرق بين الحديث عن "منظومات اقتصادية متكاملة" كمصطلح مؤسسي، وبين ما تعنيه فعلياً لحياة الناس مثل بيت، تذكرة طيران، فاتورة كهرباء.
الحوكمة كأداة تسويق أيضاً
يستشهد الصندوق بحصوله على نسبة التزام كاملة 100% في مؤشر الحوكمة والاستدامة والمرونة (GSR) الصادر عن مؤسسة "غلوبال إس دبليو إف" (Global SWF) لعام 2025، مقارنة بـ28% فقط في عام 2020، ليحتل المرتبة الأولى عالمياً بين أكثر من 200 صندوق ثروة سيادي وصندوق معاشات حكومي، والمرتبة الأولى في الشرق الأوسط. هذا التحسن الحاد في تقييم خارجي مستقل يدعم رواية الصندوق عن الانتقال إلى مرحلة أكثر انضباطاً، لكنه يبقى مؤشراً واحداً لا يغطي بالضرورة جودة القرارات الاستثمارية نفسها أو عوائدها الفعلية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض