التصنيف الائتماني الأول لـ"تمارا" يفتح أبواب التمويل في وقت ترتفع فيه فاتورة التعثر
في وقت تتسارع فيه ديون "تمارا" وترتفع فيه الديون المتعثرة وتتضخم مخصصات الخسائر الائتمانية بنحو 20 ضعفاً، يأتي التصنيف الجديد ليمنحها جواز عبور إلى أسواق الدين المحلية بشروط أفضل.
حصلت شركة تمارا للتمويل، الذراع التمويلية لمنصة "تمارا" السعودية لخدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقاً"، على أول تصنيف ائتماني رسمي في تاريخها من وكالة سمة للتصنيف، بدرجة (A-) ونظرة مستقبلية "مستقرة". جاء التصنيف، المُعلن في 3 أغسطس/آب 2026، بعد نصف سنة سجّلت فيها الشركة نمواً حاداً في الإيرادات والأرباح، ترافق مع اتساع لافت في حجم ديونها ومخصصات التعثر لديها.
الشركة كيان مقفل غير مطروح للتداول العام، مسجلة في المملكة العربية السعودية وتخضع لترخيص البنك المركزي السعودي (ساما)، وهي تابعة بالكامل لشركة "تمارا" الأم المسجلة في جزر كايمان. تخدم "تمارا" أكثر من 25 مليون عميل، وتتعامل مع أكثر من 130 ألف علامة تجارية في دول الخليج، وتحظى بدعم "سنابل للاستثمارات" المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي وبنك الأهلي المالي.
ويأتي التصنيف متزامناً مع إصدار الشركة بياناتها المالية للفترة المنتهية في 30 يونيو/حزيران 2026، والتي راجعتها "برايس ووترهاوس كوبرز" (PwC)، وأظهرت أن الشركة حققت أرباحاً صافية بلغت 207.4 مليون ريال (نحو 55.3 مليون دولار) مقابل 64.3 مليون ريال (17.1 مليون دولار) في الفترة المقابلة من 2025، بزيادة تتجاوز 222%.
نمو الإيرادات يقوده التمويل الإسلامي
سجّلت "تمارا" إيرادات إجمالية بلغت 1.376 مليار ريال (367 مليون دولار) في الأشهر الستة الأولى من 2026، مرتفعة من 495.9 مليون ريال (132.2 مليون دولار) في الفترة المقابلة من 2025، أي بنمو يقترب من 178%. الجزء الأكبر من هذا النمو لم يأت من نشاط الوساطة التجارية التقليدي فقط، بل من إيرادات "الربح من التمويل الإسلامي" التي قفزت من 2.3 مليون ريال فقط (0.6 مليون دولار) في النصف الأول من 2025 إلى 410.2 مليون ريال (109.4 مليون دولار) في الفترة الحالية، لتصبح ثاني أكبر مصدر دخل للشركة بعد إيرادات شبكة التجار. هذا التحول يعني أن "تمارا" لم تعد تعتمد فقط على رسوم معالجة المعاملات مع التجار، بل باتت تُقرض العملاء مباشرة عبر صيغ متوافقة مع الشريعة وتحصل على عائد تمويلي مباشر منها، وهو نموذج أعمال أثقل من ناحية رأس المال ويحمل مخاطر ائتمانية أكبر.
في المقابل، لم يترجم هذا النمو إلى تحسن في هامش الربح الإجمالي؛ فقد تراجع هامش الربح الإجمالي إلى نحو 39.2% من الإيرادات في النصف الأول من 2026، مقارنة بـ49.7% في الفترة المقابلة من العام السابق، ما يعني أن كل ريال إضافي من الإيرادات يترافق حالياً مع تكلفة أعلى نسبياً، أساسها الرئيسي تكلفة مخصصات الخسائر الائتمانية.
مخصصات التعثر تتضخم بما يقارب 20 مرة
المؤشر الأكثر دلالة في هذا التقرير هو ارتفاع مخصص خسائر التعثر الائتماني (ECL) إلى 357.5 مليون ريال (95.3 مليون دولار) في النصف الأول من 2026، مقارنة بـ17.9 مليون ريال فقط (4.8 مليون دولار) في الفترة المقابلة من 2025، أي بارتفاع يقارب 20 مرة.
كما ارتفعت الديون المتعثرة من "المرحلة الثالثة" في محفظة العملاء من 43.1 مليون ريال (11.5 مليون دولار) في نهاية 2025 إلى 96.8 مليون ريال (25.8 مليون دولار) في يونيو/حزيران 2026، بينما شطبت الشركة صافي 283.7 مليون ريال (75.7 مليون دولار) من الديون المعدومة خلال الأشهر الستة فقط، مقابل 80.4 مليون ريال (21.4 مليون دولار) خلال عام 2025 كاملاً.
هذا يعني أن جودة جزء من محفظة الإقراض تتراجع بوتيرة أسرع من نمو المحفظة نفسها؛ فبينما تضاعفت الذمم المدينة الإجمالية للعملاء بنسبة 55% تقريباً (من 4.18 مليار ريال أو 1.12 مليار دولار، إلى 6.5 مليار ريال أو 1.73 مليار دولار)، فإن المخصصات والشطوبات نمت بمعدل أعلى بكثير. الشركة نفسها أشارت في ملاحظاتها إلى أن الوضع الجيوسياسي المتوتر في الشرق الأوسط، الذي تصاعد بشكل حاد منذ 28 فبراير/شباط 2026 وأثر على أنشطة اقتصادية في السعودية ودول أخرى في المنطقة، يفرض "حالة عدم يقين إضافية"، لكن الإدارة أوضحت أنه "لا يزال من المبكر" إدراج أي تعديل ناتج عن هذا الوضع في نماذج تصنيف المخاطر أو الافتراضات الاقتصادية الكلية المستخدمة في حساب المخصصات. بعبارة أخرى، الشركة تعترف بوجود مخاطر متزايدة لم تُسعّر بالكامل بعد في حساباتها.
ديون بمقدار 1.55 مليار دولار تغذي التوسع
نمت محفظة اقتراض "تمارا" من 3.76 مليار ريال (1 مليار دولار) في نهاية 2025 إلى 5.8 مليار ريال (نحو 1.55 مليار دولار) في يونيو/حزيران 2026، بزيادة 54%، عبر توسيع تسهيل تمويل مُهيكل قائم على "المرابحة" مرتبط بأداة تمويل خاصة مسجلة في أيرلندا (Tamara Capital DAC)، بلغت التزاماته الكلية 5.79 مليار ريال (1.54 مليار دولار) دون أي هامش غير مستغل حالياً، أي أن الشركة تستخدم كامل حدود التمويل المتاحة لها. تكلفة هذا التمويل ليست ثابتة بل متغيرة، وتتوزع على شرائح كبار (سينيور) بفوائد بين 6.15% و6.27%، وشريحة "ميزانين" أعلى مخاطرة بفائدة 10.87%، وقد ارتفعت تكلفة التمويل الإجمالية إلى 190.8 مليون ريال (50.9 مليون دولار) في النصف الأول من 2026 من 92.4 مليون ريال (24.6 مليون دولار) قبل عام، أي ما يزيد عن الضعف.
نتيجة لهذا التوسع في الاقتراض والذمم المدينة، تضخمت أصول الشركة من 4.99 مليار ريال (1.33 مليار دولار) إلى 7.35 مليار ريال (1.96 مليار دولار) خلال ستة أشهر فقط (+47%)، بينما استُخدم صافي نقدي بقيمة 1.97 مليار ريال (525.1 مليون دولار) في الأنشطة التشغيلية، تمت تغطيته عبر قروض جديدة بقيمة 2.15 مليار ريال (573.9 مليون دولار) من الأنشطة التمويلية. هذا النمط — نمو سريع للمحفظة يُموَّل بالدين بدل التدفقات النقدية الداخلية — هو نموذج نمو معتاد لشركات التقنية المالية في مرحلة التوسع، لكنه يجعل التصنيف الائتماني الجديد أداة حاسمة لاستمرار الحصول على تمويل بتكلفة معقولة، لا مجرد شهادة تقدير.
لماذا يهم المستثمرين
بالنسبة للمستثمرين وشركاء التمويل، يحمل هذا التقرير رسالة مزدوجة: من جهة، تحسّنت الملاءة المالية للشركة بوضوح؛ حقوق الملكية ارتفعت من 555.6 مليون ريال (148.2 مليون دولار) إلى 777.4 مليون ريال (207.3 مليون دولار)، والأرباح المرحلة تحوّلت للمرة الأولى إلى موجب (175.2 مليون ريال أو 46.7 مليون دولار) بعد أن كانت خسائر متراكمة قدرها 32.2 مليون ريال (8.6 مليون دولار) في بداية العام، وهو ما يفسر بشكل مباشر ثقة وكالة "تصنيف" في نموذج الأعمال، بحسب ما قاله محمد الأحمدي، الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في "تمارا"، الذي وصف التصنيف بأنه "إشادة كبيرة بقوة نموذج عملنا".
من جهة أخرى، فإن نمو الإيرادات والأرباح لا يخفي أن نسبة أعباء التعثر إلى الإيرادات تتصاعد، وأن الشركة تعتمد بشكل متزايد على الاقتراض المتغير التكلفة لتغذية محفظة تمويل استهلاكي تتوسع بسرعة في بيئة تشهد اضطرابات جيوسياسية إقليمية لم تُقيَّم آثارها الكاملة بعد. المؤشر الذي يجب على المستثمرين والشركاء التمويليين متابعته في الفترات المقبلة هو: هل ستستمر جودة الأصول في التراجع بمعزل عن نمو الإيرادات، أم أن التصنيف الجديد — وما يوفره من تمويل أرخص وأكثر تنوعاً — سيمنح الشركة مساحة أكبر لضبط سياسات الإقراض دون التضييق على نموها؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى أي مدى يمكن اعتبار الأرباح الحالية أرباحاً مستدامة لا مجرد نتيجة توسع سريع في محفظة القروض.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض