الذكاء الاصطناعي يسند الاقتصاد العالمي... لكنه لا يحصّنه من الصدمات

اقتصاد وأعمال 13-08-2026 | 13:03

الذكاء الاصطناعي يسند الاقتصاد العالمي... لكنه لا يحصّنه من الصدمات

هذه التكنولوجيا باتت واحداً من أبرز محركات الاستثمار والتجارة والنمو في العالم، لكن تمركز مكاسبها في عدد محدود من البلدان والشركات، وحاجتها المتزايدة إلى الطاقة ورأس المال، يجعلان منها أيضاً مصدراً محتملاً للهشاشة.

الذكاء الاصطناعي يسند الاقتصاد العالمي... لكنه لا يحصّنه من الصدمات
الاقتصاد الأميركي كان سيسجل أداء أضعف بكثير لولا النشاط المرتبط بالذكاء الاصطناعي (أ ف ب
Smaller Bigger

جاءت طفرة الذكاء الاصطناعي في وقت كان فيه الاقتصاد العالمي بأمسّ الحاجة إلى محرك جديد. النمو يتباطأ، والديون تتراكم، والنزاعات التجارية تتسع، فيما لا تزال الحروب والاضطرابات الجيوسياسية تهدّد سلاسل الإمداد. وسط هذه الصورة القاتمة، تتدفق مليارات الدولارات على الرقائق ومراكز البيانات والبرمجيات وشبكات الكهرباء. للوهلة الأولى، يبدو أن الذكاء الاصطناعي تحول إلى شبكة أمان للاقتصاد العالمي. لكن الصورة، عند التدقيق فيها، أكثر تعقيداً. يستطيع القطاع بالفعل دعم النمو وتخفيف أثر بعض الصدمات، إلا أن الاعتماد المفرط عليه قد ينشئ بدوره نقاط ضعف جديدة.

 

في الولايات المتحدة، ظهر أثر الطفرة بوضوح. نما الاستثمار في معدات معالجة المعلومات والبرمجيات بنسبة 16.5 في المئة على أساس سنوي في الفصل الثالث من عام 2025، وفق أرقام أوردها تحليل نشرته مجلة "التمويل والتنمية" التابعة لصندوق النقد الدولي. وخلص التحليل إلى أن الاقتصاد الأميركي كان سيسجل أداء أضعف بكثير لولا النشاط المرتبط بالذكاء الاصطناعي. وفي الفصل الأول من عام 2026، نما أكبر اقتصاد في العالم بنسبة 2.1 في المئة بوتيرة سنوية معدلة موسمياً، بحسب التقدير الثالث لمكتب التحليل الاقتصادي الأميركي.

 

كان الاستثمار أحد مصادر هذا النمو، مدعوماً باستمرار الإنفاق على معدات المعلومات والبرمجيات، غير أن الولايات المتحدة نفسها بدت كأنها تعمل بسرعتين: قطاع تكنولوجي يتقدّم بقوة، في مقابل قطاعات مثل الصناعة والبناء والأنشطة الحساسة لمعدلات الفائدة تكافح للحفاظ على زخمها. وهنا يبرز أول تحفظ: قد يسند الذكاء الاصطناعي أرقام النمو العامة، لكنه لا يزيل بالضرورة مواطن الضعف في بقية الاقتصاد.

 

الأثر في التجارة

امتد أثر الطفرة إلى التجارة العالمية. ارتفعت قيمة التجارة في السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ومنها أشباه الموصلات والخوادم ومعدات الاتصالات، بنسبة 20 في المئة خلال النصف الأول من عام 2025. وساهمت هذه السلع بنحو نصف الزيادة الإجمالية في التجارة العالمية، بحسب منظمة التجارة العالمية، بالرغم من أنها لم تمثل سوى أقلّ من 10 في المئة من إجمالي تجارة السلع.

 

ساعد هذا النشاط في رفع نمو حجم التجارة العالمية إلى 4.9 في المئة على أساس سنوي خلال النصف الأول من عام 2025، متجاوزاً آثار الرسوم الجمركية والتوترات الجيوسياسية. لكن خلف هذه الأرقام الإيجابية كان جزء كبير من الاقتصاد العالمي يفقد زخمه. بعد نمو التجارة السلعية الحقيقية بنحو 4.7 في المئة خلال 2025، تتوقع منظمة "أونكتاد" تباطؤها إلى ما بين 1.5 و2.5 في المئة في عام 2026.

 

بعبارة أخرى، ملأ الذكاء الاصطناعي جزءاً من الفراغ الذي تركته قطاعات أخرى، لكنه لم يعالج أسباب تراجعها. لا تكمن القيمة الحقيقية للتكنولوجيا في بناء مراكز البيانات أو ارتفاع أسعار أسهم الشركات، بل في قدرتها على جعل الاقتصاد أكثر إنتاجية. تشير تجارب راجعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في البرمجة والاستشارات وخدمة العملاء والمهام الكتابية حقق مكاسب إنتاجية تراوحت ما بين خمسة وأكثر من 25 في المئة، بحسب طبيعة المهمة وخبرة المستخدم.

 

وإذا انتقلت هذه المكاسب إلى الصناعة والنقل والصحة والطاقة، فقد تساعد الشركات في خفض التكاليف، وتحسين إدارة المخزون، واكتشاف الأعطال والاحتيال مبكراً، والتكيّف بسرعة أكبر مع الأزمات. وتقدر منظمة التجارة العالمية أن الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي قد يعزز الناتج العالمي بحلول عام 2040 بنسبة تتراوح ما بين 12 و13 في المئة، مقارنة بمسار لا يشهد الانتشار نفسه، فيما قد تنمو التجارة العالمية بين 34 و37 في المئة.

 

مكاسب غير متوازنة

لكن هذه المكاسب لن تصل إلى الجميع تلقائياً. حتى حزيران (يونيو) 2025، كانت البلدان ذات الدخل المرتفع تستحوذ على 77 في المئة من قدرة مراكز البيانات العالمية، في مقابل أقلّ من 0.1 في المئة للبلدان ذات الدخل المنخفض. وعلى أساس عدد السكان، كان لدى الولايات المتحدة خوادم تفوق ما لدى الدول ذات الدخل المنخفض بنحو 20 ألف مرة، وفق البنك الدولي. ويظهر التركّز نفسه بين الشركات. لقد ارتفعت حصة أكبر خمس شركات رقمية متعددة الجنسيات من المبيعات العالمية من 21 في المئة في عام 2017 إلى 48 في المئة في عام 2025، بحسب "أونكتاد". وهذا يترك الاقتصاد العالمي معتمداً على مجموعة ضيقة من منتجي الرقائق ومشغلي الخدمات السحابية.

 

 

مقر البنك الدولي في واشنطن العاصمة (أ ف ب)
مقر البنك الدولي في واشنطن العاصمة (أ ف ب)

 

كلما ازداد هذا الاعتماد، أصبح أي تراجع في توقعات الأرباح أكثر خطورة. حذر صندوق النقد الدولي في كانون الثاني (يناير) 2026 من أن خيبة الآمال بشأن إنتاجية الذكاء الاصطناعي يمكن أن تدفع الشركات إلى خفض استثماراتها، وأن تطلق تصحيحاً حاداً يبدأ بأسهم التكنولوجيا قبل أن ينتقل إلى بقية الأسواق والاقتصاد الحقيقي.

 

ثم هناك الكهرباء، وهي الجانب المادي الذي يغيب أحياناً خلف الحديث عن "السحابة". لقد ارتفع استهلاك مراكز البيانات العالمية من نحو 415 تيراوات ساعة في عام 2024 إلى 485 تيراوات ساعة في عام 2025. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يقارب الـ 950 تيراوات ساعة في عام 2030. أما المراكز المخصصة للذكاء الاصطناعي، فقفز استهلاكها بنسبة 50 في المئة خلال عام 2025 وحده. وفي الولايات المتحدة، قد تستحوذ مراكز البيانات على نحو نصف الزيادة في الطلب على الكهرباء حتى عام 2030. ذلك يعني مزيداً من الضغط على الشبكات والحاجة إلى محطات توليد وخطوط نقل جديدة، وربما ارتفاع الأسعار ومنافسة المصانع والمنازل على الإمدادات المتاحة.

 

لا شك في أن الذكاء الاصطناعي يمنح الاقتصاد العالمي دفعة مهمة في مرحلة صعبة، لكنه لا يستطيع منع الحروب أو أزمات الديون أو الصدمات النفطية والتجارية. وقد يخفف بعض الأزمات، فيما يولّد في المقابل مخاطر جديدة في أسواق المال والطاقة وسلاسل الإمداد. لذلك، لن يُقَاس نجاح هذه الطفرة بعدد الرقائق المباعة أو مراكز البيانات المبنية، بل بقدرتها على الوصول إلى الاقتصاد الحقيقي: إلى المصانع والشركات الصغيرة والبلدان النامية والعاملين؛ عندها فقط يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز الصمود الاقتصادي لا مجرد موجة استثمارية هائلة تنتظر أول اختبار قاسٍ.

الأكثر قراءة

دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
فن ومشاهير 8/10/2026 8:30:00 AM
مديحة الحمداني تعلن بدايتها الجديدة وتكشف عن زوجها، لتنهي رسمياً التساؤلات حول علاقتها السابقة بالنجم قصي خولي والد طفلها عميد.