العضو المنتدب بـ"إيليت" لـ"النّهار": التّوترات الجيوسياسيّة تعيد حسابات المستثمرين.. والقطاعات الدفاعيّة تتصدّر المشهد
تتغير اتجاهات رؤوس الأموال مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، فيما يتزايد اهتمام المستثمرين بالأسواق والأصول القادرة على مواجهة التقلبات.
تدخل خريطة الاستثمار في الشرق الأوسط وأفريقيا مرحلة تتزايد فيها تأثيرات المتغيرات الجيوسياسة على قرارات المستثمرين، مع إعادة تقييم المخاطر والعوائد في ظل التوترات الإقليمية واضطرابات سلاسل الإمداد وتغير مسارات التجارة والطاقة.
وتدفع هذه التطورات المستثمرين إلى مزيد من التحوط وإطالة دراسة الفرص، مع توجيه رؤوس الأموال نحو القطاعات الأقلّ تأثراً بالتقلبات، وفي مقدّمتها القطاعات الدفاعية والموارد الأساسية، إلى جانب الاستثمارات في تقنيات الذكاء الاصطناعي والمعادن النفيسة.
في هذا السياق، يرى العضو المؤسس والمنتدب لشركة "إيليت" للاستشارات المالية سيف الدين عوني في حديث إلى "النهار"، أن المتغيرات الجيوسياسية باتت عاملاً أكثر تأثيراً في حركة رؤوس الأموال، فيما تشتد المنافسة الإقليمية على جذب الاستثمارات.
ويشير إلى أن المنافسة بين دول المنطقة على استقطاب الاستثمارات تزداد حدة، في وقت تحافظ فيه الإمارات على جاذبيتها بفضل استقرارها النسبي، وتطور بنيتها التحتية، ومرونة قوانينها، فيما تتجه أولويات المستثمرين بصورة أكبر نحو القطاعات الدفاعية والموارد الأساسية.
وفي ما يأتي نص الحوار:
في ضوء المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة، كيف تقيّم اتجاهات حركة رؤوس الأموال والاستثمارات في الشرق الأوسط وأفريقيا؟
أصبحت المتغيرات الجيوسياسية ذات أهمية أكبر بكثير مما كانت عليه في السابق، وتضيف مستوى إضافياً من المخاطر إلى رؤوس الأموال المستثمرة. لذلك، يعيد المستثمرون اليوم حساباتهم بصورة أكثر دقة، خصوصاً في ما يتعلق بالعوائد المتوقعة في ضوء المخاطر المحتملة، وهو أمر أصبح مهماً في مختلف الأسواق والمناطق، وليس في الشرق الأوسط وأفريقيا فقط.
وكيف تعيد التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد تشكيل خريطة الاستثمارات في المنطقة؟
هذه التطورات رفعت درجة التنافسية بين دول المنطقة، إذ تسعى كل دولة إلى تقديم نفسها بيئة أكثر أماناً وجاذبية للاستثمارات المحلية والأجنبية، مع تزايد أهمية الموقع والبنية التحتية والقدرة على دعم سلاسل الإمداد. وفي المنطقة، تبرز أسواق مثل مصر إلى جانب بعض أسواق الشرق الأوسط، وعلى رأسها الإمارات.
مع تصاعد المنافسة بين المراكز المالية، ما العوامل التي تعزز قدرة الإمارات ودول الخليج للحفاظ على جاذبيتها أمام المستثمرين الدوليين؟
الإمارات تتمتع بميزة مهمة تتمثل في قدرتها على الحفاظ على استقرارها رغم التوترات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب وجود قوانين وأنظمة مشجعة على الاستثمار، وتوجه واضح لدعم المستثمرين المحليين والأجانب. كما توفر الدولة بيئة أعمال جاذبة، مع سهولة حركة دخول الأموال وخروجها، إلى جانب قوة البنية التحتية؛ وتمنح هذه العوامل مجتمعة الإمارات قدرة كبيرة على الحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية، فيما تمثل السعودية مساراً مهماً آخر في المنطقة، بفضل الفرص التي توفرها خططها الاقتصادية والاستثمارية.
هل تدفع التوترات الجيوسياسية المستثمرين نحو قطاعات وأصول أكثر دفاعية؟ وما أبرز هذه القطاعات؟
هذا اتجاه طبيعي في ضوء التحديات الحالية؛ فعندما ترتفع مستويات عدم اليقين، يعود المستثمر إلى الموارد الأساسية والقطاعات الدفاعية، وهو ما يجعل أيّ مستثمر أو صندوق استثماري ينظر إلى الفرص من زاوية مختلفة، وتصبح القطاعات الأقلّ تأثراً بالتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية أكثر أهمية في بناء المحافظ، مع توجّه المستثمرين إلى البحث عن أصول وقطاعات توفر قدراً أكبر من الاستقرار وتحافظ على قيمة رأس المال. أعتقد أن القطاعات الدفاعية والمرتبطة بالموادّ الأساسية ستكون في مقدّمة اهتمامات المستثمرين، إلى جانب الاستثمارات في تقنيات الذكاء الاصطناعي والمعادن النفيسة، وفي مقدّمتها الذهب والفضة، باعتبارها من الأصول التي قد تستفيد من توجه المستثمرين نحو التحوط خلال فترات ارتفاع المخاطر والتقلبات.
إلى أي مدى تؤثر أسعار النفط والإنفاق الحكومي وخطط التنويع الاقتصادي في شهية المستثمرين تجاه الخليج وأفريقيا؟
أسعار المواد الخام، سواء الطاقة أم المعادن أم السلع الأساسية، تؤثر بصورة مباشرة في مختلف سلاسل الإمداد؛ وبالتالي هي عنصر محوريّ في معادلة الاستثمار، ويظلّ النفط تحديداً أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي، كما أن طرق التجارة لا تقلّ أهمية عن ذلك. كذلك، تمثل أسعار الطاقة عاملاً مؤثراً في قرارات أي جهة استثمارية، كما أن جزءاً من التوترات والصراعات الإقليمية يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بموارد الطاقة وطرق التجارة والاستحواذ على الموارد. وبالتالي، فإن أيّ توتر أمني أو إقليمي، يفرض ضغوطاً إضافية على صانع القرار والمستثمر معاً، ويؤثر في حسابات الاستثمار وتوزيع رؤوس الأموال.
من واقع عمل "إيليت للاستشارات"، ما أبرز التغيرات التي تلمسونها حالياً في أولويات المستثمرين؟
أصبح المستثمر أكثر تحوطاً، وأصبحت عملية اتخاذ القرار الاستثماري تستغرق وقتاً أطول مقارنة بالماضي، إذ بات المستثمرون يدرسون خطواتهم بعناية أكبر واهتمام متزايد بحماية رأس المال. لكن هذا التحوط لا يعني تراجع الرغبة في الاستثمار، بل يعكس تغيراً في طريقة تقييم الفرص، مع دراسة المخاطر بصورة أكثر تفصيلاً قبل اتخاذ القرار.
في ظل هذه التطورات، ما توقعاتك لمناخ الاستثمار في المنطقة خلال الفترة المقبلة؟
أتوقع استمرار حالة الترقب لدى المستثمرين قبل اتخاذ قرارات الاستثمار، سواء في الأصول المالية أم غيرها من الاستثمارات، مع استمرار مراجعة الفرص أكثر من مرة قبل ضخّ رؤوس الأموال. كما ستصبح إدارة مخاطر الاستثمار عنصراً مؤثراً بصورة أكبر في تحديد شهية المستثمرين وطبيعة الفرص التي يقبلون عليها، خصوصاً في ظل ارتفاع درجة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي.
نبض