من يربح من صناعة "الإقامة الذهبيّة"؟
المعادلة بسيطة، مستثمر أجنبي يريد الإقامة، والدولة تشترط استثماراً عقارياً، والمطور يملك العقار. وبذلك تتحول الإقامة إلى عنصر إضافي في القيمة التسويقية للأصل.
"الإقامة الذهبية" لا تقتصر على كونها مجرد برنامج حكومي لمنح إقامة طويلة الأمد للمستثمرين الأجانب، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى صناعة اقتصادية متكاملة تتقاطع فيها الهجرة والاستثمار والعقارات وإدارة الثروات والخدمات القانونية.
فوراء كل مستثمر يسعى إلى إقامة طويلة الأمد في دولة أخرى شبكة واسعة من المستفيدين:
- حكومة تستقطب رؤوس الأموال وتحصل على رسوم وضرائب.
- مطور عقاري يبيع وحدة أو مشروعاً استثمارياً.
- مصرف أو مدير أصول يدير الأموال.
- ومجموعة من المحامين والمستشارين والوسطاء والشركات المتخصصة التي تتقاضى رسوماً مقابل تجهيز الملفات وإدارة العملية.
لكن الأرباح لا تتوزع بالتساوي، كما أن طبيعة هذه البرامج تغيرت. فبينما ارتبطت برامج أوروبية عدة في بدايتها بشراء العقارات، اتجهت دول أخرى إلى ربط الإقامة باستثمارات مالية أو تأسيس شركات أو تمويل البحث العلمي والثقافة.
الإمارات... الإقامة بوابة إلى الاستثمار
تقدم الإمارات نموذجاً واضحاً على تحول الإقامة الطويلة الأمد إلى جزء من منظومة اقتصادية أوسع. فالمنصة الرسمية لحكومة الإمارات تتيح "الإقامة الذهبية" لمدة خمس أو عشر سنوات بحسب الفئة، وتشمل المستثمرين العقاريين والمستثمرين في الاستثمارات العامة ورواد الأعمال وأصحاب المواهب والتخصصات الاستثنائية.
وبالنسبة إلى المستثمر العقاري، يشترط البرنامج امتلاك عقار أو عقارات بقيمة إجمالية لا تقل عن مليوني درهم، أي (نحو 545 ألف دولار). أما المستثمر في الاستثمارات العامة، فيمكنه التأهل عبر إيداع أو استثمار لا يقل عن مليوني درهم، أي (نحو 545 ألف دولار)، وفق الشروط المحددة.
وهنا تكمن أهمية البرنامج بالنسبة إلى الدولة: فالعائد لا يقتصر على رسوم إصدار الإقامة، بل يمتد إلى الأموال التي يدخلها المستثمر إلى الاقتصاد، سواء عبر شراء العقارات أو تأسيس الشركات أو الاستثمار في الصناديق.
وفي دبي، بلغت قيمة الاستثمارات العقارية 173 مليار درهم، (نحو 47.1 مليار دولار)، خلال الربع الأول من 2026، فيما بلغت الاستثمارات الأجنبية 148.35 مليار درهم، (نحو 40.4 مليار دولار). وهذه الأرقام لا تعني أن كامل الاستثمار الأجنبي مرتبط بالإقامة الذهبية، لكنها تعكس البيئة الاستثمارية التي تعمل ضمنها هذه البرامج.

مطورو العقارات... جزء من "الصناعة الذهبية"
في الدول التي تربط الإقامة بشراء العقار، يصبح القطاع العقاري أحد أبرز المستفيدين.
المعادلة بسيطة: مستثمر أجنبي يريد الإقامة، والدولة تشترط استثماراً عقارياً، والمطور يملك العقار. وبذلك تتحول الإقامة إلى عنصر إضافي في القيمة التسويقية للأصل.
اليونان تقدم نموذجاً واضحاً. فقد سجل برنامج "الإقامة الذهبية" 9,289 طلباً في 2024، وقدّرت مؤسسة "إنتربرايز غريس" الحكومية قيمة الاستثمارات العقارية المرتبطة بهذه الطلبات بنحو 2.32 مليار يورو، أي (نحو 2.69 مليار دولار).
ومع ارتفاع الطلب، رفعت السلطات اليونانية الحد الأدنى للاستثمار العقاري إلى 800 ألف يورو، (نحو 928 ألف دولار)، في مناطق تشمل أتيكا وتسالوُنيكي وميكونوس وسانتوريني وبعض الجزر، فيما يبلغ الحد في مناطق أخرى 400 ألف يورو، نحو 464 ألف دولار، مع وجود مسارات خاصة عند 250 ألف يورو، (نحو 290 ألف دولار) لبعض العقارات وفق شروط محددة.
لكن المخاوف تكمن في أن يتحول تدفق رأس المال الأجنبي إلى سبب يرفع قيمة العقارات للسكان المحليين ويضغط على تكاليف السكن.
من العقار إلى استثمارات أخرى
التحول الأبرز في صناعة الإقامة الذهبية يظهر في البرتغال. فبعدما كان شراء العقارات أحد المسارات الرئيسية، استبعدت البرتغال الاستثمار العقاري من البرنامج منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، ضمن إصلاحات مرتبطة بسوق الإسكان.
وبحسب وكالة الاندماج والهجرة واللجوء البرتغالية، تشمل المسارات الحالية، من بين خيارات أخرى، استثمارات مؤهلة بقيمة 500 ألف يورو، (نحو 580 ألف دولار)، إضافة إلى تمويل البحث العلمي والاستثمار في الثقافة وإنشاء الوظائف.
وهذا يعني أن جزءاً من القيمة الاقتصادية انتقل من مكاتب العقارات والمطورين إلى الصناديق الاستثمارية ومديري الأصول والمؤسسات المالية.
وبالتالي، لم تختفِ "صناعة الإقامة الذهبية" مع تقليص دور العقار، بل تغير شكلها.
المحامون ومديرو الثروات... من يدير الفيزا الذهبية؟
المستثمر لا يدفع فقط قيمة الاستثمار. فعملية الحصول على الإقامة تتطلب عادة إثبات مصدر الأموال، وتدقيق الوثائق، وتسجيل الاستثمار، وإجراءات قانونية ومالية وضريبية.
وهنا تظهر سوق خدمات مستقلة تضم المحامين ومستشاري الهجرة وشركات التدقيق والمصارف ومديري الثروات والوسطاء.
وفي الإمارات، لا يتوقف الأثر الاقتصادي عند الاستثمار الأولي، إذ يولد انتقال المستثمر وأسرته طلباً إضافياً على السكن والتعليم والصحة والنقل والمطاعم والسفر والخدمات المالية والتأمين وإدارة الممتلكات.
لذلك، فإن "الإقامة الذهبية" تصبح نقطة دخول لعلاقة اقتصادية طويلة الأمد بين المستثمر والدولة، وليس مجرد معاملة إدارية.

هل الدولة هي الرابح الأكبر؟
ليس بالضرورة. إذا دفع مستثمر مليون دولار لشراء عقار مؤهل، فإن الدولة لا تحصل على المليون في خزائنها. الجزء الأكبر يذهب إلى البائع أو المطور، بينما تتوزع مبالغ أخرى على الوسطاء والمحامين والموثقين والضرائب والرسوم والخدمات.
أما الدولة فتحصل على الرسوم والضرائب المباشرة وغير المباشرة، إضافة إلى النشاط الاقتصادي الناتج من الاستثمار.
والرابح الحقيقي، في النهاية، هو الاقتصاد المحلي عندما تنجح الدولة في توجيه الأموال نحو استثمارات منتجة، وليس فقط نحو أصول ترتفع أسعارها.
الوجه الآخر... السكن والعدالة
تظهر المفارقة بوضوح في أوروبا. ففيما ساهمت برامج الإقامة الاستثمارية في جذب مليارات اليوروهات، أثارت في الوقت نفسه مخاوف بشأن أسعار العقارات والإيجارات وتوافر السكن.
ولهذا بدأت دول عدة إعادة تصميم برامجها أو إلغاء المسارات العقارية. إسبانيا، مثلاً، أنهت برنامج "التأشيرة الذهبية" المرتبط بالاستثمار العقاري، في خطوة بررتها الحكومة بالحاجة إلى تحسين قدرة المواطنين على الوصول إلى السكن.
فمن الرابح؟
إذا نظرنا إلى "الإقامة الذهبية" كسلسلة اقتصادية، فإن المستفيدين يتوزعون بين الحكومات والمطورين والوسطاء والمصارف ومديري الثروات والصناديق الاستثمارية وشركات المحاماة والهجرة، إضافة إلى قطاعات الخدمات التي تستفيد من إقامة المستثمر وعائلته.
أما المستثمر، فلا يدفع بالضرورة هذه الأموال "مقابل التأشيرة"، فالجزء الأكبر منها يمثل استثماراً أو شراء أصل أو مساهمة في صندوق، فيما تأتي الرسوم الحكومية والمهنية فوقه.
وهكذا، لم تعد "الإقامة الذهبية" مجرد تأشيرة طويلة الأمد، بل أصبحت أداة اقتصادية تستقطب رأس المال والمواهب، وتربط المستثمر بالعقار والمصارف وإدارة الثروات والخدمات، فيما تحاول الدول تحقيق التوازن بين جذب الأموال وحماية مصالح الاقتصاد المحلي والسكان.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض