لماذا يبني الأثرياء محافظ من الإقامات والجنسيات؟
لم يعد الهدف الهجرة نهائياً إلى بلد واحد، بل توزيع حياة الأسرة وأعمالها وخياراتها القانونية بين بلدان يؤدي كل منها وظيفة مختلفة.
يتعامل عدد متزايد من أصحاب الثروات مع الإقامة والجنسية باعتبارهما جزءاً من التخطيط المالي والعائلي البعيد الأجل. وبدلاً من الاكتفاء بجواز واحد، يجمع بعضهم بين إقامة في مركز للأعمال، وأخرى تفتح باباً إلى أوروبا، وجنسية ثانية توسع حرية السفر وتمنح الأسرة خياراً احتياطياً.
مثلما لا يضع المستثمر أمواله كلها في سهم واحد أو سوق واحدة، لم يعد بعض الأثرياء يرغبون في ربط مستقبل أسرهم وأعمالهم ببلد واحد. ولذلك بدأوا يجمعون حقوقاً قانونية موزعة بين بلدان عدة: إقامة هنا، وجنسية هناك، وحقاً في العمل أو الدراسة أو تأسيس الأعمال في مكان ثالث.
لا يعني ذلك أنهم يوزعون إقاماتهم بين هذه البلدان كلها أو يستعدون لمغادرة أوطانهم. إنهم، في الواقع، يشترون ما يمكن وصفه بـ«الخيارات»: مكاناً يمكن الانتقال إليه، وجوازاً يسهّل السفر، وإقامة تمنح الأبناء فرصة تعليمية، وقاعدة يستطيعون إدارة الأعمال والأصول منها إذا تغيرت الظروف. يسمي العاملون في قطاع الهجرة الاستثمارية هذا الترتيب «المحفظة السيادية»، أي مجموعة متكاملة من الإقامات والجنسيات. والفكرة بسيطة: بدلاً من البحث عن دولة واحدة تقدم كل شيء، يختار المستثمر دولاً يؤدي كل منها وظيفة محددة في حياة الأسرة.
قد تكون دولة الإمارات العربية المتحدة، مثلاً، قاعدة للأعمال وإدارة الثروات، بفضل موقعها بين آسيا وأوروبا وأفريقيا ومراكزها المالية وخيارات الإقامة الطويلة. وقد توفر إقامة في البرتغال أو اليونان موطئ قدم أوروبياً وإمكانية التنقل السهل داخل فضاء شنغن، بينما تمنح جنسية كاريبية ثانية وصولاً أسهل إلى عدد من البلدان. وقد يضيف مستثمر إقامة دائمة في الولايات المتحدة أو نيوزيلندا باعتبارها خياراً بعيد الأجل لتعليم أبنائه أو استقرار أسرته.
وتدل بيانات شركات القطاع على اتساع هذا الاتجاه. في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، أفادت شركة الاستشارات الدولية المتخصصة في الإقامة وهجرة الثروات «هينلي أند بارتنرز» بأنها تلقت طلبات من 86 جنسية على 47 برنامجاً حول العالم. وكان أكثر من 28 في المئة من المتقدمين يعيشون أصلاً خارج بلدان جنسيتهم. وهؤلاء لا يخوضون بالضرورة تجربة الهجرة الأولى، بل يضيفون بلداً جديداً إلى حياة موزعة جغرافياً. لكن الأرقام تبقى خاصة بعملاء الشركة، ولا تمثل إحصاءً حكومياً أو قياساً شاملاً للسوق العالمية.

ولا يقتصر الطلب على حاملي الجوازات التي تفرض قيوداً واسعة على السفر. فقد شكل الأميركيون، وفق «هينلي أند بارتنرز»، أكثر من 30 في المئة من طلبات الهجرة الاستثمارية التي تلقتها خلال جزء من عام 2025، بما يقارب ضعفي مجموع المتقدمين من الجنسيات الخمس التالية. الجواز الأميركي قوي، لكن بعض حامليه يبحثون عن إقامة أوروبية، أو فرصة تعليمية لأبنائهم، أو قاعدة ثانية للأعمال، أو مكان يستطيعون الانتقال إليه إذا قرروا تغيير نمط حياتهم. وهكذا لم تعد الجنسية الثانية تعويضاً عن جواز محدود فقط، بل أصبحت أداة تخطيط حتى لدى حاملي بعض أقوى جوازات العالم.
تبدأ المحفظة عادة بالسؤال عن احتياجات الأسرة، لا بعدد البلدان التي يمكن دخولها من دون تأشيرة. يتعامل صاحب شركة مع الشرق الأوسط وآسيا قد يفضل الإقامة في الإمارات، بينما يبحث من يخطط لتعليم أبنائه في أوروبا عن برنامج يفتح طريقاً إلى إقامة أطول أو إلى الجنسية مستقبلاً. أما رجل الأعمال كثير السفر، فقد يعطي الأولوية لجواز يخفف حاجته إلى التأشيرات المسبقة.
وتختلف الإقامة عن الجنسية في طبيعة الحقوق التي تمنحها. تتيح الإقامة العيش في بلد لفترة محددة أو دائمة، وقد تسمح بالعمل والاستثمار وإلحاق الأبناء بالمدارس، لكنها لا تمنح حاملها بالضرورة جواز الدولة أو حقوق مواطنيها. أما الجنسية فتنشئ علاقة قانونية أكثر ثباتاً، ويمكن نقلها إلى الأبناء وفق قوانين البلد المعني.
كذلك، لا تجعل الإقامة القانونية حاملها مقيماً ضريبياً تلقائياً. يتوقف ذلك عادة على مدة وجوده الفعلي، ومكان أسرته ومصالحه الاقتصادية، وقوانين البلدان والاتفاقات الضريبية بينها. لذلك لا تُبنَى المحفظة الناجحة بجمع أكبر عدد ممكن من الوثائق، بل باختيار أوضاع قانونية متكاملة يمكن الحفاظ عليها من دون تعارض.
وتتنافس الدول على موقع داخل هذه المحافظ. تمنح الإمارات إقامات لخمس أو 10 سنوات إلى فئات من المستثمرين ورواد الأعمال وأصحاب المواهب. وتتيح البرتغال الإقامة عبر توظيف رأس المال في صناديق استثمارية مؤهلة، أو دعم الثقافة والبحث العلمي، أو تأسيس شركة وتوليد وظائف، بعدما ألغت المسار العقاري في عام 2023. أما اليونان فواصلت برنامجها المرتبط بالعقار، مع حدود استثمارية تختلف بحسب المنطقة.
وفي الكاريبي، تمنح دول مثل دومينيكا وغرينادا وسانت كيتس ونيفيس الجنسية في مقابل مساهمة في صندوق حكومي أو استثمار عقاري معتمد. ومنذ تموز (يوليو) 2024، اتفقت دول في المنطقة على حد أدنى يبلغ 200 ألف دولار، بالتوازي مع تعزيز التدقيق وتبادل المعلومات لحماية سمعة البرامج وقيمة الجوازات. لا تقوم المقارنة على السعر وحده. ينظر المستثمر إلى قوة الجواز، والاستقرار القانوني، وسهولة إضافة أفراد الأسرة، ومتطلبات الوجود الفعلي، وفرص التعليم والأعمال، وإمكانية الحفاظ على الوضع القانوني عبر الأجيال. هكذا يتحول جواز السفر من وثيقة تُبرز عند الحدود إلى أصل غير مالي داخل ثروة الأسرة. هو لا يدر أرباحاً مباشرة، لكنه قد يوفر الوقت، ويوسع نطاق الحركة والعمل، ويفتح أمام الأبناء فرصاً جديدة، ويترك للأسرة أكثر من باب حين تحتاج إلى الاختيار.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض