الفرانشايز العربي تحت ضغط الحرب: من يربح ومن يخسر في سوق بمليارات الدولارات؟
يبدو قطاع المطاعم والخدمة السريعة من أبرز المستفيدين نسبياً من التحول في سلوك المستهلك. ففي أوقات عدم اليقين، لا يختفي الإنفاق على الطعام والشراب، لكنه يميل إلى الانتقال نحو العلامات ذات الأسعار الأكثر قابلية للتحمل، والمنتجات التي تشكل جزءاً من الإنفاق اليومي أو المتكرر.
لم تكن الأشهر الستة الأولى من عام 2026 عادية بالنسبة إلى سوق الامتياز التجاري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فالقطاع الذي دخل العام مدفوعاً بقوة الاستهلاك في الخليج، والتوسع السياحي والترفيهي، وانتشار المطاعم والمقاهي، وجد نفسه منذ اندلاع الحرب مع إيران في 28 شباط/فبراير أمام اختبار مختلف: اضطراب في حركة الشحن، ارتفاع مخاطر النقل والتأمين، ضغوط على حركة السفر والتجزئة، وتغير في سلوك المستهلك.
لكن الصدمة لم تضرب الجميع بالتساوي. فالنصف الأول من العام كشف عن "رابحين وخاسرين"، وعن انتقال تدريجي للأفضلية من العلامة الأكثر شهرة إلى النموذج الأكثر قدرة على الصمود في وجه ارتفاع الكلفة واضطراب الإمدادات.
ويقدّر البنك الدولي حجم سوق الامتياز التجاري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 30 مليار دولار سنوياً، مع ثقل واضح لدول الخليج ومصر. ولا تتوافر قاعدة بيانات موحدة ترصد حجم القطاع نصف سنوياً في العالم العربي، لكن المؤشرات التشغيلية للشركات الكبرى تؤكد أن السوق لم يتوقف عن النمو، وإن أصبح أكثر تفاوتاً بين دولة وأخرى وقطاع وآخر.
المطاعم الجماهيرية تصمد... والأرقام تؤكد
يبدو قطاع المطاعم والخدمة السريعة من أبرز المستفيدين نسبياً من التحول في سلوك المستهلك. ففي أوقات عدم اليقين، لا يختفي الإنفاق على الطعام والشراب، لكنه يميل إلى الانتقال نحو العلامات ذات الأسعار الأكثر قابلية للتحمل، والمنتجات التي تشكل جزءاً من الإنفاق اليومي أو المتكرر.
المطاعم الجماهيرية تصمد والفخامة تدفع الثمن
كان قطاع الطعام والشراب الأكثر قدرة على كشف التحولات. فالعلامات ذات الأسعار المتوسطة ومطاعم الخدمة السريعة حافظت على قاعدة طلب واسعة، خصوصاً مع تحول جزء من المستهلكين نحو خيارات أقل سعراً.
ومن أبرز المؤشرات نتائج "أمريكانا للمطاعم" المشغلة لعلامات مثل KFC وPizza Hut وHardee’s وKrispy Kreme، إذ ارتفعت إيراداتها في النصف الأول من 2026 بنسبة 12.1% إلى 1.364 مليار دولار، فيما قفز صافي الأرباح 59.2% إلى 147.2 مليون دولار. وارتفعت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك "إيبيتا" بنسبة 26.7% إلى 348.2 مليون دولار. كما وصلت شبكة الشركة إلى 2746 مطعماً بنهاية حزيران/يونيو، مع إضافة 108 مطاعم صافية خلال 12 شهراً.
هذه الأرقام لا تعني أن الحرب لم تؤثر، بل تكشف أن الحجم الكبير، وانتشار الفروع، والقدرة على التفاوض مع الموردين، وتنوع الأسواق، تمنح المشغلين الكبار حماية أكبر من الصدمات.
في المقابل، كان قطاع التجزئة الفاخرة من أبرز الخاسرين، إذ أظهرت تقارير خلال آذار/مارس انخفاض مبيعات بعض العلامات الفاخرة في المراكز التجارية العربية بما بين 30% و50%، مع تراجع حركة الزوار في بعض المراكز بنحو 15%. وفي أوقات عدم اليقين، تكون السلع غير الضرورية والفاخرة عادة أول ما يؤجل المستهلك شراءه.

"ملك الطاووق"... صعود العلامة العربية
أحد أبرز التطورات في سوق الامتياز خلال 2026 لم يكن إطلاق علامة أميركية جديدة في المنطقة، بل انتقال علامة عربية إلى منصة توسع إقليمية واسعة.
ففي شباط/فبراير، أعلنت "أمريكانا للمطاعم" حصولها على حقوق حصرية لمدة 75 عاماً لتطوير وتشغيل العلامة اللبنانية "ملك الطاووق" في 13 سوقاً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ورابطة الدول المستقلة، بالتزامن مع الاستحواذ على امتيازاتها القائمة في الإمارات والسعودية.
وتكتسب الصفقة أهمية تتجاوز قيمتها التجارية، لأنها تعكس تغيراً في اتجاه سوق الامتياز العربي: المستثمرون الإقليميون لا يبحثون فقط عن استيراد العلامات الأميركية والأوروبية، بل بدأوا أيضاً في تصدير مفاهيم عربية محلية تمتلك قابلية للتوسع.
وبحسب "أمريكانا"، كانت "ملك الطاووق" تضم عند الإعلان عن الصفقة أكثر من 45 مطعماً في لبنان و19 مطعماً في بقية الشرق الأوسط، إضافة إلى حضور في فرنسا وكندا. كما تصف الشركة قطاع المطاعم العربية السريعة بأنه من الفئات السريعة النمو في المنطقة.
هرمز يرفع فاتورة الـ"فرانشايز"
بالنسبة إلى صاحب الامتياز، ارتفاع كلفة اللحوم والأجبان والزيوت والقهوة ومواد التغليف لا يمكن نقله بالكامل إلى المستهلك من دون المخاطرة بخسارة الزبائن. وهنا تقلصت هوامش الربح، خصوصاً لدى المشغلين الأصغر حجماً.
الرابح الجديد: العلامة العربية؟
في خلفية الأزمة، برز تحول آخر: تزايد الاهتمام بالعلامات الإقليمية. فقد حصلت "أمريكانا" هذا العام على حقوق تطوير العلامة اللبنانية "ملك الطاووق" في 13 سوقاً، في نموذج يكشف أن رؤوس الأموال الإقليمية لم تعد تبحث حصراً عن استيراد العلامات الأميركية والأوروبية، بل عن مفاهيم عربية قابلة للتصدير.
كما حافظت القهوة المختصة والمخبوزات والحلويات والمطاعم السريعة والمتوسطة السعر على اهتمام المستثمرين، مستفيدة من الطلب المتكرر وهوامش التشغيل التي يمكن التحكم بها نسبياً.
وهكذا يمكن رسم خريطة الرابحين والخاسرين في 2026 بوضوح: الرابحون هم المشغلون الكبار، والمطاعم ذات السعر المتوسط، والعلامات المحلية التي تعتمد أكثر على الإمدادات الإقليمية. أما الخاسرون فهم التجزئة الفاخرة، والمشغلون الصغار ذوو الهوامش المحدودة، والعلامات التي تعتمد بشدة على الاستيراد وسلاسل الإمداد الطويلة.
الحرب، إذاً، لم تُنهِ طفرة الفرانشايز العربية، لكنها أنهت مرحلة كان فيها الاسم التجاري وحده كافياً لجذب المستثمر. في 2026، أصبحت كلفة التشغيل، وأمن الإمدادات، ومرونة التسعير، والقدرة على الصمود أمام الأزمات جزءاً من قيمة العلامة نفسها.
نبض