"بريكست" بعد عقد: بريطانيا ربحت حرية القرار ولم تعوّض تكلفة الانفصال

اقتصاد وأعمال 08-08-2026 | 14:18

"بريكست" بعد عقد: بريطانيا ربحت حرية القرار ولم تعوّض تكلفة الانفصال

بعد عقد على الاستفتاء، تكشف أحدث الأرقام أن بريكست منح بريطانيا حرية أوسع في رسم سياساتها، لكنه أضعف تجارتها واستثماراتها وإنتاجيتها.

"بريكست" بعد عقد: بريطانيا ربحت حرية القرار ولم تعوّض تكلفة الانفصال
علم البريكست (أ ف ب)
Smaller Bigger

بعد نحو 10 سنوات على استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، لم تعد مناقشة بريكست أسيرة التوقعات. تراكمت أرقام تسمح بقياس ما أصاب الاقتصاد البريطاني، وما كسبه أيضاً. هي ترسم صورة لا تشبه الانهيار الذي توقعه المتشائمون، ولا الازدهار الذي وعد به أنصار الخروج: بريطانيا بقيت اقتصاداً كبيراً ومرناً، لكنها أصبحت على الأرجح أقل غنى وأقل إنتاجية مما كانت لتشهده لو بقيت داخل الاتحاد.

 

في أحدث مراجعة، نشرها في تموز/يوليو 2026، أبقى مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني تقديره بأن العلاقة التجارية الجديدة مع أوروبا ستخفض إنتاجية الاقتصاد في الأجل البعيد بنسبة أربعة في المئة مقارنة بسيناريو البقاء، وأن الصادرات والواردات ستكون أقل بنحو 15 في المئة. وقدّر المكتب أن قرابة خُمسي خسارة الإنتاجية حدثت قبل تطبيق اتفاقية التجارة والتعاون في عام 2021، بعدما دفع الغموض الذي أعقب استفتاء عام 2016 الشركات إلى تأجيل الاستثمار.

 

وتقدم دراسة نشرها الاقتصادي نيكولاس بلوم وزملاؤه في عام 2025 تقديراً أشد قتامة. وفق نماذج تقارن بريطانيا باقتصادات شبيهة، أصبح الناتج بحلول عام 2025 أقل بنسبة تراوح بين ستة وثمانية في المئة من المستوى الذي كان في مقدوره أن يبلغه من دون بريكست، فيما انخفض الاستثمار بين 12 و18 في المئة، والتوظيف والإنتاجية بين ثلاثة وأربعة في المئة. هذه ليست خسائر نقدية مسجلة في حساب منفصل، ولا تعني أن الناتج انكمش بهذه النسب. إنها مقارنة بمسار افتراضي، ولذلك تبقى موضع نقاش. لكنها تتفق مع التقدير الرسمي في تحديد اتجاه الضرر، وإن اختلفت معه في حجمه.

 

وتظهر الضربة بوضوح في تجارة السلع. في عام 2025 كانت صادرات بريطانيا السلعية إلى الاتحاد الأوروبي أقل، بالقيمة الحقيقية، بـ14 في المئة من مستواها في عام 2019. لكن صادراتها إلى بقية العالم كانت أقل أيضاً بثمانية في المئة، ما يعني أن الأسواق البعيدة لم تعوض خسارة جزء من السوق المجاورة. ولا يزال الاتحاد يستوعب 41 في المئة من الصادرات البريطانية ويوفر 50 في المئة من وارداتها.

 


العاصمة البريطانية لندن (أ ف ب)
العاصمة البريطانية لندن (أ ف ب)

 

ولم تكن التكلفة موزعة بالتساوي. استطاعت الشركات الكبرى توظيف خبراء للتعامل مع الإقرارات الجمركية وقواعد المنشأ والشهادات الصحية التي فرضها بريكست، فيما وجدت مؤسسات صغيرة أن إرسال شحنة إلى أوروبا لم يعد يستحق العناء. ويقدر مركز الأداء الاقتصادي في كلية لندن للاقتصاد أن القيود الجديدة خفضت صادرات الشركات الصغيرة إلى الاتحاد بنحو 30 في المئة، وأن نحو 20 ألف شركة ربما توقفت عن التصدير إليه.

 

في المقابل، خالفت الخدمات الاتجاه السلبي. في عام 2025 كانت صادرات الخدمات إلى الاتحاد أعلى بـ28 في المئة من مستواها في عام 2019، وإلى البلدان غير الأوروبية أعلى بـ26 في المئة. واحتفظت لندن بمكانتها في المال والتأمين وإدارة الأصول والخدمات القانونية، وإن نقلت مؤسسات بعض وظائفها وأصولها إلى مدن أوروبية. هذه قصة صمود قطاع تتمتع فيه بريطانيا بقوة تاريخية، أكثر منها مكسباً صنعه بريكست.

 

واستعادت بريطانيا كذلك حرية إبرام اتفاقياتها التجارية. من المتوقع أن ترفع اتفاقيتها مع الهند الناتج في الأجل البعيد بـ0.13 في المئة، أو 4.8 مليارات جنيه (6.5 ملياات دولار) سنوياً، والأجور الحقيقية بـ0.19 في المئة. كذلك انضمت إلى الشراكة عبر المحيط الهادئ وأبرمت اتفاقيتين مع أستراليا ونيوزيلندا. لكنها مكاسب محدودة إذا قيست بخسارة إنتاجية رسمية مقدرة بـ4 في المئة بسبب زيادة الحواجز مع أوروبا.

 

ومنح الخروج الحكومة حرية توجيه الأموال التي كانت تصب في ميزانية الاتحاد. كان مكتب مسؤولية الميزانية قد قدر الوفور المباشرة المتاحة، بعد احتساب بعض الالتزامات والإيرادات الجمركية، بنحو 14.6 مليار جنيه (19.7 مليار دولار) في الفترة 2024-2025. لكن هذا ليس ربحاً صافياً، إذ موّلت لندن بدائل من البرامج الزراعية والبحثية والتنموية الأوروبية، ولا تزال تسدد التزامات اتفاقية الانسحاب.

 

أما وعد ضبط الهجرة، فتحقق جزئياً فقط. انتهت حرية انتقال الأوروبيين، وأصبحت الحكومة تختار الوافدين وفق نظام النقاط، لكن الهجرة الإجمالية لم تنخفض كما كان متوقعاً. بعدما قدر مكتب مسؤولية الميزانية أنها ستستقر عند 129 ألف شخص سنوياً، أصبح يتوقع 290 ألفاً، مع حلول مهاجرين من خارج أوروبا محل الأوروبيين. ورفع نقص العاملين أجور بعض المهن، لكنه زاد تكلفة الزراعة والضيافة والنقل والرعاية.

 

وليس بريكست المسؤول الوحيد عن الأداء الضعيف. لقد أصابت جائحة كورونا بريطانيا بقسوة، ثم رفعت حرب أوكرانيا أسعار الغاز والغذاء. وأثقلت معدلات الفائدة المرتفعة كاهل الأسر والشركات، فيما حدّت أزمة السكن، وتراجع الاستثمار العام، وطوابير العلاج، وشيخوخة السكان من النمو. وكان تباطؤ الإنتاجية قد بدأ أصلاً بعد أزمة عام 2008. في الجهة المقابلة، استفاد الاقتصاد من مرونة سوق العمل، وتراجع أسعار الطاقة لاحقاً، وقوة التكنولوجيا والخدمات الرقمية وعلوم الحياة. ونما الناتج الحقيقي 1.3 في المئة في عام 2025، لكن الزخم خبا إلى 0.1 في المئة في كل من الفصلين الثالث والرابع.

 

وهكذا، لم يكن بريكست بلا مكاسب، لكن أبرزها بقي سياسياً وتنظيمياً: حرية أوسع في التجارة والهجرة والإنفاق ووضع القواعد. أما الكفة الاقتصادية، فتميل حتى الآن إلى الخسارة. المفارقة أن اتفاقية التقارب الجديدة مع بروكسل، الذي تقدر الحكومة أنها قد تضيف نحو تسعة مليارات جنيه (12.1 مليار دولار) إلى الاقتصاد بحلول عام 2040، تسعى إلى تحقيق ذلك عبر إزالة بعض الحواجز التي أنشأها الانفصال.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
شمال إفريقيا 8/7/2026 3:00:00 AM
المغرب انخرط، وفقاً للتعليمات الملكية السامية إلى وزارتي الداخلية والشؤون الخارجية، في العمل على تحديد هوية القاصرين غير المرفوقين بهدف إعادتهم إلى الوطن...
شمال إفريقيا 8/7/2026 5:58:00 PM
من علاج السرطان ببيكربونات الصوديوم إلى مناهضة اللقاحات... من هي باربرا أونيل التي حظرت مصر ظهورها ومنعت تداول محتواها الصحي؟
اقتصاد وأعمال 8/7/2026 9:11:00 AM
كيف أصبحت أسعار المحروقات في لبنان؟