اقتصاد المقتنيات يزدهر في الصين: سلع عتيقة في سوق بمليارات الدولارات
لم تعد القطع القديمة مجرد مقتنيات يحتفظ بها أصحابها بدافع الحنين، بل تحولت إلى بورصة رقمية بمليارات الدولارات. فبين التضخم وتغيّر سلوك الشباب، تقود الصين تحولاً اقتصادياً يجعل من إعادة بيع السلع المستعملة والفاخرة استثماراً واعداً.
سارة أبو حمدان
لم تعد القطع القديمة مجرد أشياء يحتفظ بها أصحابها بدافع الحنين؛ تُشترَى الملابس الكلاسيكية والأسطوانات والساعات والأثاث والكاميرات وتُبَاع اليوم بأسعار قد ترتفع بفعل الندرة والجودة والقصة المرتبطة بها. ويندرج ذلك ضمن سوق أوسع للسلع المستعملة وإعادة البيع والمقتنيات العتيقة، مع ضرورة التمييز بينها: ليس كل مستعمل كلاسيكياً، ولا كل قديم استثماراً مربحاً.
برزت الصين بوصفها واحدة من أكبر البيئات الحاضنة لهذا التحول. إلى جانب كونها مركزاً لإنتاج السلع الجديدة، أصبحت سوقاً ضخمة لإعادة بيعها وتدويرها، مدفوعة بتغير عادات الشباب وارتفاع تكاليف المعيشة وانتشار التجارة الإلكترونية والمنصات المتخصصة.
سوق الملابس المستعملة تتجه نحو 350 مليار دولار
تشكل الملابس المستعملة أحد أبرز فروع اقتصاد إعادة البيع. ووفق تقرير "ثريد أب" لعام 2024، بلغت قيمة السوق العالمية نحو 197 مليار دولار في عام 2023، وكان متوقعاً أن تصل إلى 350 ملياراً بحلول عام 2028، فيما رفع تقرير أحدث التقدير إلى نحو 393 مليار دولار بحلول عام 2030. وتشمل هذه الأرقام الملابس المستعملة عموماً، لا القطع الكلاسيكية وحدها.
يقف وراء النمو ضغط التضخم وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب رغبة الشباب في منتجات تعبّر عن هويتهم بعيداً عن الإنتاج المتشابه. كذلك حسّن الوعي البيئي صورة السلع المستخدمة، لأن إطالة عمرها تقلل الحاجة إلى بديل جديد، وإن كانت فرص ارتفاع القيمة تتركز في القطع النادرة أو المحفوظة جيداً والموثقة المصدر.
في الصين، تجسد منصة "شيانيو" التابعة لعلي بابا اتساع الاقتصاد الدائري. بلغ عدد مستخدميها النشطين شهرياً نحو 178 مليوناً في عام 2024، وعرض أكثر من 100 مليون شخص منتجات للبيع في عام 2023. وخلال عطلة رأس السنة القمرية في عام 2024 تجاوز متوسط قيمة السلع المتداولة يومياً مليار يوان، أو نحو 138 مليون دولار. ولا تقتصر المعروضات على الملابس، بل تشمل الإلكترونيات والأثاث والألعاب والمقتنيات والخدمات.

الفينيل يعود بعد عقود من التراجع
بعدما بدا أن الأقراص المدمجة والبث الرقمي سيقضيان عليه، عاد الفينيل بوصفه تجربة مادية تجمع الموسيقى وتصميم الغلاف وطقوس الاقتناء. في الولايات المتحدة بلغت إيراداته نحو 1.4 مليار دولار في عام 2024، بزيادة سبعة في المئة وللعام الثامن عشر المتتالي من النمو، وفق جمعية صناعة التسجيلات الأميركية.
أما في الصين، وعلى الرغم من السيطرة الرقمية شبه الكاملة، يسجل قطاع الفينيل معدلات نمو سنوية تتجاوز الـ 15%، مدفوعاً بالقوة الشرائية لجيل الشباب (Gen Z) والجيل Y، الذين يشكلون أكثر من 70% من أصحاب المجموعات الموسيقية الفيزيائية في المدن الكبرى مثل بيكين وShanghai وشنجن. وتتقاطع مبيعات الفينيل مع ثقافة جمع المقتنيات، حيث شهدت واردات الصين من أسطوانات الفينيل تضاعفاً ملحوظاً خلال السنوات الخمس الأخيرة. وتكتسب التسجيلات المحدودة قيمة بسبب ندرتها أو ارتباطها بفنانين وحقب معينة. لكن السعر يبقى رهناً بالحالة والأصالة، لا بالعمر وحده.
السلع الفاخرة المستعملة... قيمة لا تنتهي بعد الاستخدام الأول
تُعَدّ سوق السلع الفاخرة المستعملة من أكثر قطاعات إعادة البيع قيمةً ونمواً، وتضع تقديرات قطاعية قيمة السوق العالمية عند نحو 50 مليار دولار أو أكثر.
في الصين، التي تسيطر على أكثر من 22% من سوق السلع الفاخرة الجديدة عالمياً، تشهد سوق الفخامة المستعملة (Second-hand Luxury) انطلاقة قياسية، إذ تقدّر القيمة السوقية للمقتنيات الفاخرة المستعملة داخل الصين بنحو 80 مليار يوان (نحو 11 مليار دولار)، مع توقعات بنمو سنويّ مركّب يتجاوز الـ 15%. وعلى الرغم من أن حصة المنتجات الفاخرة المستعملة لا تتجاوز حالياً الـ 5% إلى الـ 8% من إجمالي سوق السلع الفاخرة في الصين، فإن هذا الهامش يمنح السوق الصينية إمكانات نمو هائلة.
تستفيد السوق من رغبة المستهلكين الشباب، الذين يشكّلون نحو 65% من مشتري القطع الفاخرة المستعملة في الصين، في اقتناء علامات راقية بسعر أقل. لكن وصفها استثماراً يحتاج إلى حذر: يحافظ بعض الحقائب والساعات على قيمته، وقد ترتفع، فيما تفقد قطع أخرى جزءاً كبيراً من تلك القيمة تبعاً للعلامة والطراز والندرة والحالة وإثبات الأصالة.
سوق تقوم على الثقة بقدر ما تقوم على الندرة
لا يعتمد نجاح اقتصاد المقتنيات على وجود السلع القديمة وحده، بل على منظومة ثقة تشمل التقييم والتوثيق والصيانة والتخزين والتصوير والتسويق. كلما ارتفع السعر ازدادت أهمية إثبات الأصالة والحالة وتاريخ الملكية؛ في السلع الفاخرة قد تحدد الشهادة والفاتورة الأصلية والتغليف جانباً مهماً من القيمة.
أدى التخوف من السلع المزيّفة في الصين إلى صعود منصات متخصصة في التوثيق الرقمي والتقييم، مثل منصة "DeWu" (Poizon)، التي تعتمد على نموذج "الفحص والتوثيق أولاً ثم الشحن"، والتي تتجاوز قيمتها السوقية مليارات الدولارات، وتجري عمليات توثيق لملايين القطع شهرياً، حيث بلغت نسبة اعتماد المشترين على منصات التقييم المعتمدة أكثر من 80% في المعاملات عالية القيمة.
وتظل المخاطر قائمة، من المنتجات المقلدة إلى المبالغة في الأسعار فالصعوبة في استرداد الأموال في معاملات الأفراد. كذلك، لا تكون إعادة البيع مستدامة دائماً، إذ قد تقلّل الشحنات والتغليف والمضاربة والشراء بهدف البيع السريع من فوائدها البيئية.
الماضي بوصفه جزءاً من اقتصاد المستقبل
يكشف صعود إعادة البيع عن تحول في معنى القيمة الاقتصادية: لا تنتهي دورة حياة المنتج بعد الاستخدام الأول، إذ قد ينتقل هذا المنتج إلى مالك جديد أو يعود بعد سنوات بوصفه قطعة نادرة ذات قيمة مادية وثقافية.
وفي الصين، أسهمت التجارة الإلكترونية، إلى جانب التحول في ثقافة الشباب نحو المنتجات المستعملة، في تحريك آلاف القطع المهملة من الخزائن إلى سوق رقمية واسعة، إذ تجاوز معدّل انتشار السلع المستعملة عبر المنصات الـ 30%، مما أطلق مجالات عمل جديدة في التقييم والتوثيق والترميم والتسويق وإدارة المنصات.
قد لا يصبح كل قديم ثميناً، لكن بعض ما عُدّ فائضاً أو خارج الموضة وجد حياة اقتصادية جديدة. وهكذا لا يقوم اقتصاد المستقبل على إنتاج المزيد فحسب، بل أيضاً على إعادة اكتشاف قيمة ما نملكه بالفعل.
نبض