حرب إيران تضرب سوق السلع الفاخرة عربياً ودولياً
حرب إيران تؤثر سلباً على سوق السلع الفاخرة عالمياً وعربياً عبر تعطيل مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع السياحة وثقة المستهلك.
تحولت حرب إيران من أزمة أمنية في الخليج إلى اختبار قاسٍ لصناعة السلع الفاخرة عالمياً، بعدما جمعت بين إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، وتعطل شبكات الطيران والسياحة، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع شهية المستهلكين للإنفاق. غير أن قنوات الضرر ليست واحدة، فتعطل المضيق يرفع مباشرة تكلفة الواردات والمخزون، بينما تضرب الحرب الأوسع تدفقات السياح والثقة والطلب على حقائب اليد والساعات والمجوهرات، حتى في أسواق بعيدة عن الخليج.
يقول عمرو وهيب، خبير أسواق مال وعضو مجلس إدارة شركة كايزن للاستشارات المالية، لـ"النهار"، إن الحروب لا تعيد رسم الخرائط العسكرية فقط، ولكنها أيضاً تعيد رسم خرائط الإنفاق العالمي.
ويتابع خبير أسواق المال: هنا نطرح سؤال على من يعتقد أن تأثير الحرب يقتصر على النفط أو الغاز فحسب، ويغفل عن حقيقة أن سوق السلع الفاخرة من أكثر الأسواق هشاشة أمام الأزمات الجيوسياسية؛ فالاضطراب في مضيق هرمز ليس مجرد أزمة ملاحة فقط ولكنه أيضاً يعتبر صدمة تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، وتنعكس يشكل طبيعي على تكاليفها فترتفع تكاليف الشحن والتأمين وتتأخر الواردات معها وترتفع تكاليف التشغيل في حين تضغط أسعار الطاقة المرتفعة على هوامش أرباح العلامات التجارية الكبيرة والعالمية.
ويوضح وهيب أن كل ما سبق هو نصف الصورة فقط أما النصف الآخر وهو الأخطر فيتمثل في الحرب على ثقة المستهلك فحين تسود حالة عدم اليقين تغيّر أولويات الأفراد والشركات ويتحول الإنفاق من الكماليات إلى الضروريات وتتراجع حركة السياحة والسفر وينخفض الإقبال على مراكز التسوق فتفقد العلامات الفاخرة أهم محركات نموها.
ويكمل: لذلك فإن التأثير الحقيقي لا يتم قياسه بعدد السفن التي تأخرت ولكن بعدد المستهلكين الذين قرروا تأجيل قرار الشراء. فالموانئ على سبيل المثال لا الحصر يمكن أن تتم إعادة فتحها وخطوط الملاحة يمكن أن تعود للعمل، إلا أن الثقة الاستهلاكية إذا تراجعت فإن استعادتها قد تستغرق شهور اًعدة، ويمكن سنوات أيضاً.
ويتابع أنه في نهاية المطاف يتضح لنا أن كل أزمة جيوسياسية حقيقة اقتصادية لا تتغير وهى أن السلع الفاخرة لا تزدهر في أجواء الخوف، ولكنها تزدهر عندما يسود في الأجواء العامة الاستقرار، ويشعر المستهلك أن الغد أكثر أماناً من اليوم.
صدمة هرمز أبعد من النفط
تكمن الصدمة المباشرة في انكماش حركة السفن عبر الممر الذي تعبر منه عادةً نحو خمس إمدادات النفط العالمية، وفي 3 آب/أغسطس، لم ترصد بيانات «كبلر» سوى ست سفن عابرة للمضيق، مقارنة بعشرات السفن في الظروف الطبيعية، فيما حذرت شركات تأمين بعض مالكي السفن من استئناف الرحلات بعد الهجمات على ناقلات.
وتقول شركة "أرامكو" السعودية إن الحرب حجبت عن السوق العالمية 2.6 ملياري برميل منذ شباط/فبراير، وهو ما يعادل تقريباً شهراً من الإمدادات العالمية، وفق رويترز.
لا تعبر جميع الحقائب والساعات المستوردة بحراً من هرمز؛ فالمنتجات الأعلى قيمة تُنقل غالباً جواً، لكن الممر يظل مهماً للحاويات التي تغذي موانئ الخليج، وللتغليف وتجهيز المتاجر والعطور ومستحضرات التجميل والشحنات الأقل استعجالاً.
وأدى تعليق شركات الحاويات الكبرى العبور إلى تأخير التسليمات، وزيادة الاعتماد على الشحن الجوي أو الموانئ البديلة، ورفع كلفة الاحتفاظ بمخزون احتياطي داخل الإمارات والسعودية وقطر، وفق معهد تومسون رويترز.
وزادت تكلفة تأمين مخاطر الحرب على بعض الرحلات في الخليج إلى ما بين 3% و10% من قيمة هيكل السفينة، من نحو 0.25% قبل الحرب؛ أي إن سفينة قيمتها 100 مليون دولار قد تتحمل قسطاً إضافياً يتراوح بين 3 ملايين و10 ملايين دولار للرحلة.
ولا تنتقل هذه الفاتورة بالكامل إلى سعر حقيبة أو ساعة، لكنها تظهر في رسوم الشحن والمناولة والمخزون، وتضغط خصوصاً على الموزعين المحليين وأصحاب الامتياز الأقل قدرة من المجموعات العالمية على امتصاص الصدمة، وفق ذا ناشيونال.
الطائرات الغائبة تفرغ المراكز التجارية
أُلغيت 21.3 ألف رحلة في الأيام الأولى للصراع عبر مطارات خليجية رئيسية، بينها دبي، قبل أن تهبط نسبة الإلغاءات في الشرق الأوسط، باستثناء تركيا، من ذروة بلغت 65% في 3 آذار/مارس إلى 13% في 27 آذار/مارس، لكن ضمن جداول تشغيل أقل من المعتاد. وهذا يعني عدداً أقل من السياح الدوليين والعابرين، وهم العمود الفقري لمبيعات المتاجر الفاخرة في المطارات ومراكز التسوق، وفق رويترز.
400 مليار دولار.. صدمة في سوق الرفاهية الخليجية
حتى 5 آب/أغسطس 2026، تكشف الأرقام أن حرب إيران أحدثت صدمة شديدة في سوق الرفاهية الخليجية، لكنها لم تتحول إلى انهيار عالمي شامل؛ فالشرق الأوسط لا يمثل سوى 5% إلى 6% من المبيعات العالمية للسلع الفاخرة، المقدّرة بنحو 400 مليار دولار سنوياً، لكنه سوق مرتفعة الهوامش وشديدة الأهمية لعلامات مثل "ريتشمونت" و"زينيا"، اللتين تحصلان على نحو 9% من إيراداتهما من المنطقة.
الصدمة تنعكس سريعاً في النتائج
قالت علامة الأزياء والسلع الفاخرة "LVMH" إن الحرب اقتطعت نقطة مئوية على الأقل من مبيعات الربع الأول، بعدما تراجعت حركة متاجرها الخليجية 30% إلى 70% في بداية الحرب؛ كما انخفضت إيرادات التجزئة الإقليمية لـ"كيرينغ" 11%، وخسرت المجموعة نقطة مئوية من مبيعات الربع، فيما تراجعت مبيعات "هيرميس" بالشرق الأوسط 6%، وفق رويترز.

أما الأثر العالمي الأوسع فجاء عبر اضطراب الطيران، إذ انخفضت حجوزات "أماديوس" 7.6% في الربع الثاني، وتراجع إنفاق السياح الخليجيين في أوروبا، وضعف الثقة وارتفاع الطاقة والشحن والتأمين مع تقييد مضيق هرمز، الذي تمر عبره قرابة 20% من تجارة النفط العالمية؛ وكان برنت قرب 85 دولاراً مطلع آب/أغسطس.
وأظهرت زيادة مبيعات "LVMH" العضوية 3% في الربع الثاني أن الطلب الأميركي القوي حدّ من الخسائر، لكن أرباحها التشغيلية للنصف الأول تراجعت 4% إلى 8.7 مليارات يورو، ما يؤكد أن الحرب ضغطت على الهوامش والتوزيع والسياحة أكثر مما دمّرت الطلب العالمي نهائياً.
العميل المحلي الثري لا يعوض السائح الغائب
بدأت العلامات تحويل تركيزها من كثافة الزوار إلى العملاء المحليين ذوي الثروات الكبيرة، عبر المواعيد الخاصة والمنتجات الحصرية والمجوهرات والأحجار الكبيرة، لكن هذا التحول لا يعوض سريعاً غياب السياح الصينيين والروس والأوروبيين أو مشتريات المسافرين العابرين.
وتميل الثروات المحلية أثناء الأزمات إلى شراء قطع تحفظ القيمة، مثل الذهب والساعات النادرة، بدلاً من الأزياء الموسمية، ما يعيد توزيع الإنفاق داخل القطاع بدلاً من إنقاذه بالكامل، وفق فايننشال تايمز.
وتعمق ارتفاع أسعار الوقود المشكلة؛ إذ قفز وقود الطائرات من نحو 85 إلى 90 دولاراً للبرميل قبل الضربات إلى نطاق تراوح بين 150 و200 دولار في ذروة الأزمة، ما دفع شركات طيران إلى رفع الأسعار وإضافة رسوم وقود وتقليص المسارات، والنتيجة رحلة أغلى وأقل يقيناً إلى دبي أو الدوحة أو أوروبا، وإنفاق أقل متاحاً للتسوق والإقامة الفاخرة، وفق رويترز.
فاتورة الطاقة تصل إلى باريس وجنيف
قالت "إل في إم إتش" إن حرب إيران اقتطعت نقطة مئوية واحدة على الأقل من مبيعات المجموعة الفصلية بسبب ضعف الإنفاق في الخليج وانخفاض أعداد السياح في أوروبا.
وفي النصف الأول، ارتفعت المبيعات العضوية 2%، لكنها تراجعت 3% بالقيمة المعلنة إلى 38.6 مليار يورو، وانخفض الربح التشغيلي الجاري 4% إلى 8.7 مليارات يورو، وفق رويترز.
وبحسب وهيب يكمن الأثر العالمي للطاقة فيمر عبر النقل والزجاج والمعادن والتغليف والتدفئة وتكاليف تشغيل المصانع والمتاجر.
وتواجه دور المجوهرات ضغطاً مزدوجاً من ارتفاع الشحن والطاقة ومن أسعار الذهب القياسية، التي كانت بالفعل أحد أسباب تراجع أرباح "إل في إم إتش" التشغيلية 9% خلال 2025.
وعلى الصعيد الآخر أظهرت "ريتشمونت"، مالكة "كارتييه"، قدرة أكبر على الصمود بفضل المجوهرات، رغم تراجع أعمالها في الشرق الأوسط، وارتفع صافي ربحها السنوي إلى 3.48 مليارات يورو، وفق رويترز.
نبض