من البنوك إلى الخدمات الحكومية.. الإمارات توسّع منظومة المدفوعات الوطنية
تدخل الإمارات مرحلة جديدة في تطوير المدفوعات الحكومية، مع اعتماد وزارة المالية نظامي "آني" و"جيوَن" لسداد رسوم الخدمات والغرامات الاتحادية، في خطوة تعكس انتقال أنظمة الدفع الوطنية من مرحلة بناء البنية التحتية وإبرام الشراكات الدولية إلى التوسع في التطبيق.
لم تعد المدفوعات الرقمية في الإمارات مجرد وسيلة لتسريع التحويلات أو تسهيل السداد، بل أصبحت جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء البنية المالية على أسس وطنية أكثر استقلالاً وكفاءة. ومن منصات التحويل الفوري إلى بطاقات الدفع المحلية، تتجه الدولة إلى نقل جزء متزايد من المعاملات والبيانات المالية إلى منظومات تدار وتعالج داخل الإمارات، مع إبقاء هذه المنظومات متصلة بشبكات الدفع العالمية.
وفي هذا المسار، يمثل اعتماد وزارة المالية نظامي "آني" و"جيوَن" لسداد رسوم الخدمات والغرامات الاتحادية خطوة عملية تنقل المشروع من القطاع المصرفي وشراكات البطاقات إلى الاستخدام الحكومي اليومي، وتفتح الباب أمام تعميمه لاحقاً على الجهات الاتحادية والبنوك المحصلة.
وأكد يونس حاجي الخوري، وكيل وزارة المالية لوكالة الأنباء الإماراتية "وام": أن اعتماد النظامين يجسد التزام الوزارة بتبني أحدث الابتكارات المالية الوطنية، موضحاً أن دمجهما ضمن قنوات التحصيل الحكومي يسهم في رفع كفاءة المعاملات، وتحسين تجربة المتعاملين، وخفض التكاليف التشغيلية، إلى جانب تعزيز مرونة المنظومة المالية الوطنية.
من جانبه، قال سعيد راشد اليتيم، وكيل الوزارة المساعد لقطاع الميزانية والإيرادات الحكومية، إن الخطوة ستدعم تطوير منظومة التحصيل الحكومي من خلال توفير قنوات سداد حديثة وموثوقة، وتسريع عمليات التحصيل، وتوسيع خيارات الدفع أمام المتعاملين، بما يعزز كفاءة إدارة الإيرادات الحكومية.
مشروع وطني لإعادة رسم المدفوعات
ولا يمثل اعتماد وزارة المالية للنظامين إجراءً منفصلاً، بل يأتي ضمن مشروع وطني يقوده مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي لتطوير البنية التحتية للمدفوعات، وتقليل الاعتماد الكامل على الشبكات الدولية، وتعزيز استخدام حلول وطنية تدعم الاقتصاد الرقمي وترفع كفاءة الخدمات الحكومية والمالية.
ويعد "آني" منصة المدفوعات الفورية الوطنية، التي تتيح إجراء التحويلات وسداد المستحقات على مدار الساعة باستخدام رقم الهاتف أو الهوية الإماراتية أو البريد الإلكتروني أو رقم الحساب المصرفي "IBAN" أو رمز الاستجابة السريعة "QR"، إلى جانب خدمات طلب الأموال والدفع المباشر للتجار.
أما "جيوَن"، فهو أول نظام وطني لبطاقات الدفع في الإمارات، طورته شركة "الاتحاد للمدفوعات"، التابعة لمصرف الإمارات المركزي، بهدف توطين معالجة معاملات بطاقات الدفع، وضمان معالجة البيانات المرتبطة بها وتخزينها داخل الدولة، مع خفض الكلفة الاقتصادية للمدفوعات الإلكترونية على المتعاملين والتجار والمؤسسات المالية.
من الجاهزية التقنية إلى الإصدار الرسمي
بدأت المرحلة العملية لإطلاق "جيوَن" في 27 شباط/ فبراير 2025، عندما أعلنت "الاتحاد للمدفوعات" جاهزية البنية التحتية المالية للمنظومة للعمل محلياً ودولياً. وفي اليوم نفسه، تم تنفيذ أول عملية دفع بواسطة بطاقة خصم "جيوَن" عبر جهاز لنقاط البيع، في خطوة شكلت بداية الاختبارات التشغيلية للبطاقة الوطنية.
وانتقلت المنظومة إلى مرحلة الإصدار الواسع في 20 تموز/ يوليو 2026، عندما دشن الشيخ منصور بن زايد آل نهيان "جيوَن"، وأعلن بدء الإصدار الرسمي للبطاقات من قبل البنوك والمؤسسات المالية وشركات الصرافة المرخصة، وجاهزيتها للاستخدام من قبل المتعاملين على مستوى الدولة.
سوق مدفوعات بـ27.3 مليار دولار
ويأتي توسع "جيوَن" و"آني" في سوق مدفوعات يشهد نمواً متسارعاً. ووفق تقرير لمجموعة بوسطن الاستشارية نشرته وكالة أنباء الإمارات "وام"، ارتفعت إيرادات قطاع المدفوعات في الإمارات من 9.8 مليارات دولار في 2018 إلى 18.8 مليار دولار في 2023، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 13.8%.
وتوقع التقرير وصول إيرادات القطاع إلى 27.3 مليار دولار بحلول 2028، بزيادة تقارب 45% مقارنة بعام 2023، فيما يُنتظر ارتفاع عدد معاملات الدفع من 1.7 مليار معاملة إلى أكثر من 3.1 مليارات معاملة خلال الفترة نفسها، بنمو يبلغ 78%.
وتكشف هذه الأرقام حجم السوق التي تدخلها منظومة "جيوَن"، والأهمية الاقتصادية لتوطين جزء أكبر من معالجة المعاملات والرسوم المرتبطة بها. وكان رئيس اتحاد مصارف الإمارات عبد العزيز الغرير قد قدر أن اعتماد "جيوَن" يمكن أن يحقق للشركات والمتاجر في الدولة وفورات مالية تصل إلى مليار درهم مقارنة باستخدام البطاقات التقليدية.
شراكات دولية لتوسيع انتشار "جيوَن"
ولضمان استخدام البطاقة داخل الإمارات وخارجها، أبرمت "الاتحاد للمدفوعات" اتفاقيات مع "ماستركارد" و"فيزا" و"يونيون باي" و"ديسكفر"، تتيح إصدار بطاقات متعددة المنظومة تُعالج معاملاتها المحلية عبر شبكة "جيوَن"، فيما تمر المعاملات الدولية عبر الشبكات العالمية.
وبدأت الشراكة مع "ماستركارد" بإصدار بطاقات الخصم والدفع المسبق "جيوَن–ماستركارد"، قبل أن تتوسع لاحقاً إلى إطلاق أول بطاقة ائتمانية متعددة المنظومة تحمل العلامتين على مستوى العالم. كما تشمل الشراكة تطوير بنية لمعالجة المدفوعات وإنشاء مركز عمليات جديد لـ"ماستركارد" في الإمارات لخدمة الأسواق المحلية والإقليمية.
كما أبرمت الشركة شراكة مع "فيزا" لإطلاق بطاقات الخصم والدفع المسبق "جيوَن–فيزا"، بما يتيح استخدامها دولياً في نحو 200 دولة وإقليم، إلى جانب إطلاق بطاقة مسبقة الدفع مشتركة مع "يونيون باي"، المقبولة عبر شبكة تغطي أكثر من 180 دولة.
ويمثل اعتماد وزارة المالية نظامي "آني" و"جيوَن" تحولاً جديداً في مسار المدفوعات الوطنية، إذ لم تعد المنظومة مقتصرة على بناء البنية التقنية أو إصدار البطاقات وتوقيع الاتفاقيات، بل بدأت تدخل فعلياً في المعاملات الحكومية اليومية، بما يدعم كفاءة التحصيل ويعزز استقلالية البنية المالية للإمارات.
نبض