الأمن الغذائي العالمي: تداعيات حرائق أوروبا وظاهرة النينيو

اقتصاد وأعمال 03-08-2026 | 15:40

الأمن الغذائي العالمي: تداعيات حرائق أوروبا وظاهرة النينيو

تأثير حرائق الغابات في أوروبا والجزائر على الأمن الغذائي العالمي وسط تصاعد ظاهرة النينيو وتداعياتها على الإنتاج الزراعي والأسواق الدولية.
الأمن الغذائي العالمي: تداعيات حرائق أوروبا وظاهرة النينيو
جذع شجرة محترق خلال حريق غابات، جنوب ريثيمنو في جزيرة كريت اليونانية في 30 يوليو 2026 (أ ف ب)
Smaller Bigger

سارة أبو حمدان

 

تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن تداعيات حرائق الغابات لن تقف عند حدود الأضرار البيئية والميدانية، بل ستنعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي العالمي؛ وذلك إثر تزامن هذه الحرائق الواسعة التي طالت الرقعة الزراعية في أوروبا مع اشتداد ظاهرة "النينيو" المحيطية. إن هذا التزامن يشكل صدمة مزدوجة لجانب العرض الزراعي، تُعيد تشكيل خارطة الإنتاج والتجارة الدولية.

فرنسا وإسبانيا: الأقاليم الأكثر ضرراً

تجلت حدة هذه الأزمة بشكل واضح في فرنسا وإسبانيا، حيث بلغت الكارثة مستويات استدعت تدخلاً سياسياً وسيادياً على أعلى المستويات:

1. فرنسا

أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون طلب مساعدة رسمية من الاتحاد الأوروبي للتعامل مع حرائق الغابات، لا سيما في منطقة جيروند بجنوب غرب البلاد. وتُشير التقديرات الميدانية إلى أن فرنسا خسرت نحو 42 ألف هكتار من مساحاتها الزراعية والحرجية، مما ألحق أضراراً بالغة ومباشرة بسلة المحاصيل الإستراتيجية كالذرة والقمح، فضلاً عن قطاع زراعة الكروم وإنتاج العنب.

وتجلت الفاتورة الاقتصادية القاسية لهذه الكارثة في تسجيل خسائر لمحصور الذرة وحدها تُقدّر بـ 891 مليون يورو، نتيجة تلف المساحات وتراجع إنتاجية الهكتار تحت وطأة الحرارة المرتفعة. علاوة على ذلك، تُترجم الخسائر الهيكلية في إنتاج القمح الفرنسي إلى نزيف مالي مباشر يتراوح بين 400 إلى 700 مليون يورو في الموسم الواحد. ولا يقف تأثير هذا التراجع عند حدود الخسارة المالية للمزارعين المحليين، بل يمتد ليعصف بالقوة الإنتاجية لفرنسا كأكبر مُصدّر للقمح في الاتحاد الأوروبي، متسبباً في تقليص الفائض المخصص للتصدير للأسواق العالمية، ومُغذياً موجات جديدة من التضخم وارتفاع أسعار الحبوب على المستوى الدولي.

2. إسبانيا

أمّا في إسبانيا- والتي تُعدّ إحدى الركائز الأساسية للسلة الغذائية والإنتاج الزراعي في الاتحاد الأوروبي- فقد بلغت الأزمة مستويات غير مسبوقة؛ حيث أشار رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى أن البلاد سجلت 22 حريقاً ضخماً خلال هذا العام، التهمت مساحة تتجاوز 100 ألف هكتار من الأراضي والأحراج.

وهذه الأرقام لا تقتصر على كونها مجرد خسائر بيئية أو مساحات خضراء احترقت، بل تشكل صدمة اقتصادية مباشرة لقطاع الزراعة الإسباني؛ حيث أدت الحرائق إلى تدمير مساحات زراعية شاسعة تُقدّر ب 50 ألف هكتار شملت بساتين الزيتون. ونظراً لأن إسبانيا تساهم بنسبة تتراوح بين 40% إلى 45% من الإنتاج العالمي لزيت الزيتون، فإن هذا التلف انعكس فوراً وبشكل حاد على الأسعار في الأسواق الدولية. وتتجلى الخطورة الاقتصادية لهذه الخسائر الميدانية في ضرب مكانة إسبانيا كأكبر مُصدّر إقليمي لزيت الزيتون والمنتجات الطازجة، مما ساهم بشكل مباشر في تغذية الضغوط التضخمية على الأغذية عالمياً.

 

التأثيرات على الصعيد العربي: النموذج الجزائري

واجه القطاع الزراعي في الجزائر صدمة اقتصادية تمثلت في خسارة نحو 11 ألف هكتار من الأراضي الخصبة. وأسفرت هذه الأزمة عن تدمير واسع لبساتين الزيتون والأشجار المثمرة المعمرة، والتي يتطلب إعادة إنتاجها سنوات طويلة من الاستثمار لاستعادة قدرتها الإنتاجية.

كما تسببت الحرائق في نفوق أعداد كبيرة من الماشية وتلف المساحات الرعوية، مما أحدث تراجعاً مباشراً في الإنتاج المحلي للحوم والألبان. ولعبت الأضرار التي لحقت بشبكات الطرق والبنية التحتية التخزينية دوراً محسبوباً في إحداث اختناقات حادة بسلاسل الإمداد والتوزيع نحو المراكز الحضرية، ما نتج عنه نقص حاد في المعروض المحلي وموجات ارتفاع قياسي في أسعار المستهلك داخل الأسواق الوطنية.

 

اشتداد ظاهرة "النينيو" والمخاطر المناخية المستقبلية

تتزامن هذه الحرائق مع تحذيرات أطلقها المركز الأمريكي للتنبؤ بالمناخ، والذي أكد أن ظاهرة "النينيو" تتجه نحو مزيد من التصاعد والحدة حتى نهاية العام، بفرصة استمرار تصل إلى 97% حتى مطلع ربيع 2027. كما قدر المركز بنسبة 81% احتمال تشكّل ظاهرة "نينيو" فائقة القوة بين تشرين اول وكانون ثاني، مما يهدد بتسجيل واحدة من أعتى الموجات المناخية التي شهدها العالم منذ عام 1950.

وفي السياق ذاته، أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية اكتمال تشكّل ظروف الظاهرة في المنطقة المدارية للمحيط الهادئ، متوقعة تسارع قوتها خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يرفع مخاطر حدوث موجات حر وجفاف وفيضانات وظواهر جوية متطرفة في مختلف أنحاء العالم.

وفي تحديثها الموسمي، لفتت المنظمة إلى التطور السريع للظاهرة وتحولها إلى حالة "نينيو قوية" خلال الفترة من تموز إلى أيلول 2026. وتُعزز هذه التوقعات نماذج التنبؤ الصادرة عن المراكز المناخية العالمية، والتي تشير إلى ارتفاع مستمر وقياسي في درجات حرارة سطح البحر في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، مع احتمالية تجاوز الانحراف الحراري عن المعدلات الطبيعية حاجز الدرجتين المئويتين في مناطق الرصد الرئيسية.

الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/31/2026 5:26:00 PM
حملة الدايخ ليست أخلاقية، ومنع الإيجار عنه ربما قرار صائب لأنه ظهر في قلة أخلاق وفي مذهبية حاقدة.
أوروبا 7/31/2026 11:38:00 AM
أعادت أزمة سبتة ملف الهجرة إلى صدارة الجدل الأوروبي، بعدما أدى تدفق آلاف المهاجرين إلى خلافات ديبلوماسية وتحركات أمنية وتساؤلات بشأن دور المغرب.
مجتمع 8/2/2026 12:38:00 PM
حذّرت المصلحة من التعرّض المباشر لأشعة الشمس ومن اندلاع الحرائق في المناطق الحرجية.
فن ومشاهير 7/31/2026 11:54:00 AM
رسالة مؤثرة تعكس حزن الفنانة المعتزلة شمس البارودي خلال زيارتها لمقبرة زوجها الفنان حسن يوسف ونجلهما عبد الله في الذكرى الثالثة لرحيله.